حين يقرأ التلميذ نفسه داخل القصّة: تجربتي في توظيف الذكاء الاصطناعيّ لخدمة القراءة
حين يقرأ التلميذ نفسه داخل القصّة: تجربتي في توظيف الذكاء الاصطناعيّ لخدمة القراءة
زينبة أرموش | أستاذة التعليم الابتدائيّ- المغرب

داخل القسم، كثيرًا ما كنت أطرح على نفسي سؤالًا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في معناه: لماذا لا يُقبل بعض التلاميذ على القراءة كما نرجو، على الرغم من كلّ ما نبذله من جهد في اختيار النصوص وتقديمها وشرحها؟ لم يكن الأمر مرتبطًا دائمًا بضعف في القدرة على القراءة، ولا بغياب الذكاء أو الفضول، بل كنت ألاحظ في حالات كثيرة أنّ المشكلة أعمق من ذلك بقليل: بعض التلاميذ لا يجدون أنفسهم في النصوص التي نعرضها عليهم. يقرؤون، نعم، لكنّهم لا يشعرون أنّ النصّ يخاطبهم، أو يمسّ عالمهم، أو يوقظ فيهم رغبة حقيقيّة في المتابعة.

من هنا بدأت تجربتي مع الذكاء الاصطناعيّ في خدمة القراءة. لم أتعامل معه بوصفه "موضة" (دَرجَة) تقنيّة عابرة، ولا باعتباره بديلًا عن دور الأستاذة، بل أداة يمكن أن تساعدني في تقريب النصّ من الطفل، وفي جعل القراءة أكثر التصاقًا بعالمه الشخصيّ. كان هاجسي التربويّ واضحًا: كيف أجعل التلميذ لا يكتفي بقراءة قصّة قراءة عابرة فقط، بل يقرأ قصّة يشعر أنّها كُتبت له، وتحكي عنه، وتفتح له بابًا خاصًّا إلى عالم القراءة؟

 

قصّة خاصّة بكلّ متعلّم

تقوم تجربتي على فكرة بسيطة: استعمال الذكاء الاصطناعيّ لكتابة قصص شخصيّة مخصّصة لكلّ تلميذ، انطلاقًا من ميوله واهتماماته وأحلامه المستقبليّة، وبعض ملامح شخصيّته، وأحيانًا من صورته الشخصيّة أيضًا. كنت أقدّم معطيات أوّليّة عن التلميذ: اسمه، وما يحبّ، وما يفضّل، والمهنة التي يحلم بها، والأشياء التي تشدّه في حياته اليوميّة، ثمّ أطلب إلى الأداة أن تنتج قصّة تناسب سنّه ومستواه اللغويّ، وتضعه في مركز الحكاية. وهكذا لم يعد الطفل يقرأ نصًّا عامًّا عن شخصيّة بعيدة عنه، بل صار يقرأ قصّة يرى فيها نفسه، أو يرى فيها ما يتمنّى أن يكونه.

كان هذا التحوّل في نظري المفتاح الحقيقيّ: فعندما يقرأ التلميذ قصّة يكون فيها البطل، أو يجد فيها ما يحبّ وما يحلم به، تتغيّر علاقته بالنصّ. يصبح أكثر انتباهًا، وأكثر فضولًا، وأكثر استعدادًا للمتابعة والفهم. التلميذ الذي يحبّ كرة القدم يصبح لاعبًا في مباراة حاسمة، والتلميذة التي تحلم أن تصبح طبيبة، يجدان نفسيهما في قصّة تناسبهما. ومن يحبّ الحيوانات يعيش مغامرة معها، ومن يعشق الفضاء ينطلق في رحلة استكشافيّة بين الكواكب. هنا لا يقرأ الطفل كلمات فحسب، بل يقرأ ذاته داخل نصّ حيّ قريب من وجدانه.

 

أريد قصّة أخرى

لمست من هذه التجربة أثرًا واضحًا في سلوك التلاميذ القرائيّ. فقد أصبح بعضهم ينتظر القصّة الجديدة بلهفة، ويسألني متى سأعدّ له قصّة أخرى، ويقترح أحيانًا تفاصيل يريد إضافتها إلى الحكاية المقبلة. ولم يعد طلب القراءة عند بعضهم مرتبطًا فقط بواجب مدرسيّ أو حصّة محدّدة، بل صار نابعًا من رغبة حقيقيّة في اكتشاف ما سيحدث في القصّة التالية. هذا التحوّل الصغير في ظاهره كان كبيرًا في معناه التربويّ، لأنّه يشير إلى انتقال التلميذ من قراءة مفروضة إلى قراءة مرغوب فيها.

وفي أثناء هذه الممارسة، أدركت أكثر أنّ جزءًا كبيرًا من مشكلة القراءة ليس في النصّ ذاته، بل في المسافة الفاصلة بين النصّ والطفل. عندما تكون القصّة بعيدة عن عالم المتعلّم، قد يقرأها بعينه من دون أن يدخلها بقلبه. أمّا حين يشعر أنّها تلامسه، وأنّها تحترم اهتماماته وتخاطب أحلامه، فإنّه يمنحها انتباهًا من نوع آخر. وهذا ما تشير إليه أيضًا الأدبيّات التربويّة الحديثة التي تؤكّد أثر الاختيار والمعنى الشخصيّ في رفع الدافعيّة والانخراط في التعلّم.  

ومن الجوانب التي جعلت هذه التجربة ذات قيمة بالنسبة إليّ، أنّها لم تقتصر على تحفيز التلاميذ على القراءة، بل ساعدتني كذلك في مراعاة الفروق الفرديّة بينهم. فالتلاميذ ليسوا متشابهين في اهتماماتهم، ولا في مستوياتهم اللغويّة، ولا في مداخلهم إلى التعلّم. هناك من ينجذب إلى المغامرة، وهناك من يحبّ القصص الهادئة، وهناك من يتفاعل مع الطابع العاطفيّ، وآخرون تشدّهم قصص النجاح أو الاكتشاف. بفضل الذكاء الاصطناعيّ، صار بإمكاني أن أطلب قصّة أقصر لهذا التلميذ، وأبسط في مفرداتها لذاك، وأكثر تشويقًا لآخر، وأكثر قربًا من عالمه النفسيّ والاجتماعيّ لغيره. بهذا المعنى، لم يكن الذكاء الاصطناعيّ يصنع المعجزة، لكنّه كان يفتح لي مجالًا أوسع للتفريد والتكييف.  

 

كما لاحظت أنّ القصص الشخصيّة لم تؤثّر في الدافعيّة فقط، بل في الفهم أيضًا. حين يكون التلميذ مندمجًا في القراءة وجدانيًّا، يصبح أكثر ميلًا إلى تتبّع الأحداث، وفهم الشخصيّات، وربط الأسباب بالنتائج، وتذكّر التفاصيل. الشعور بأنّ النصّ يعنيني يجعلني أقرأه بطريقة مختلفة. وهذا ما لاحظته مع عدد من التلاميذ: اهتمام أكبر، وأسئلة أكثر، وتفاعل أعمق، ورغبة في إعادة القراءة أو الاستمرار فيها. وهنا بدت لي القراءة أقلّ ارتباطًا بالجانب التقنيّ وحده، وأكثر ارتباطًا ببناء علاقة حيّة بين المتعلّم والنصّ.

ومن النتائج التي أسعدتني أيضًا أنّ بعض التلاميذ بدؤوا ينظرون إلى أنفسهم بطريقة أجمل بسبب هذه القصص. فعندما يرى الطفل نفسه داخل نصّ يقدّمه باعتباره قادرًا أو شجاعًا أو مبدعًا أو مؤثّرًا، فإنّ ذلك لا يغذّي خياله فقط، بل يدعم ثقته بنفسه أيضًا. لقد شعرت أحيانًا بأنّ القصّة الشخصيّة لا تساعد التلميذ في القراءة فحسب، بل تساعده كذلك في أن يتخيّل نفسه في صورة إيجابيّة، وأن يرى طموحه مشروعًا ممكنًا، لا حلمًا بعيدًا. وهنا تتحوّل القراءة من مهارة مدرسيّة إلى أداة تربويّة لبناء الذات.

ولم أقف عند حدود ملاحظة هذه الدافعيّة الجديدة إلى القراءة، بل حاولت أن أستثمرها مباشرة في تعليم اللغة العربيّة داخل القسم. فبعد قراءة القصّة الشخصيّة، كنت أطلب إلى التلاميذ أن يحدّدوا شخصيّاتها وأحداثها، وأن يستخرجوا منها كلمات جديدة، أو تراكيب دالّة، أو جملًا مرتبطة بظاهرة لغويّة نشتغل عليها. وأحيانًا كنت أحوّل القصّة إلى منطلق لأنشطة في الفهم، والرصيد اللغويّ، والتعبير الشفهيّ، ثمّ إلى تمارين في التعبير الكتابيّ، مثل اقتراح نهاية أخرى للقصّة، أو وصف شخصيّة البطل، أو كتابة فقرة قصيرة مستوحاة من الحدث المقروء. كما كنت أتابع أثر هذه القصص عن طريق الملاحظة الصفّيّة، وأسئلة الفهم، ومشاركة التلاميذ في المناقشة، ومقارنتي بين درجة تفاعلهم مع هذه النصوص وتفاعلهم مع نصوص أخرى. وقد ساعدتني هذه المؤشّرات البسيطة، إلى جانب تتبّع تطوّر قراءتهم الشفويّة وقدرتهم على الفهم والتعبير، في تكوين صورة واضحة عن قيمة هذه الممارسة في تنمية الدافعيّة إلى القراءة، ودعم تعلّم العربيّة في الوقت نفسه.

 

تحدّيات متوقّعة

لكنّ هذه التجربة، مع ما فيها من أفق واعد، جعلتني أكثر وعيًا أيضًا بأنّ استعمال الذكاء الاصطناعيّ في التربية يحتاج إلى يقظة أخلاقيّة وتربويّة؛ فكلّما اقتربنا من خصوصيّة الطفل، ازدادت مسؤوليّتنا في حماية تلك الخصوصيّة. لذلك كان من الضروريّ بالنسبة إليّ أن أتعامل مع الصور والمعطيات الشخصيّة بحذر شديد، وأن أراجع النصوص المولّدة مراجعة واعية قبل تقديمها، حتّى أتأكّد من ملاءمتها اللغويّة والتربويّة والنفسيّة.

لهذا، لم أنظر إلى الذكاء الاصطناعيّ يومًا باعتباره من ينتج التعلّم بدلًا منّي، بل اعتبرته أداة أوجّهها أنا وفق هدفي التربويّ. فالأستاذة هي التي تعرف تلاميذها، وتفهم حساسيّاتهم، وتقدّر ما يناسبهم وما لا يناسبهم. وهي التي تضبط اللغة، وتختار الزوايا، وتصحّح، وتلائم، وتمنح النصّ بعده الإنسانيّ. وإذا كان الذكاء الاصطناعيّ قادرًا على تسريع الإنتاج وتوسيع إمكانات التخصيص، فإنّ قيمته الحقيقيّة لا تظهر إلّا حين يُدمج في ممارسة مهنيّة واعية، لا حين يُترك يعمل وحده بمعزل عن الحسّ التربويّ.

لقد علّمتني هذه التجربة شيئًا مهمًّا: الطفل لا يحبّ القراءة لأنّنا نطالبه بها فقط، بل لأنّه لا يجد فيها ما يخصّه ويحرّكه ويمنحه معنى. والنصوص الشخصيّة التي ساعدني الذكاء الاصطناعيّ في إنتاجها فتحت أمام بعض التلاميذ هذا الباب. صاروا يسألون عن القصص، ويقترحون شخصيّات وأحداثًا، ويتابعون القراءة بشغف أكبر، لأنّهم وجدوا أنفسهم داخل النصّ لا خارجه. ولعلّ هذا الدرس الأهمّ الذي خرجت به: حين تقترب القراءة من حياة الطفل، يقترب الطفل من القراءة.

 

***

أنا لا أقدّم هذه التجربة باعتبارها نموذجًا مكتملًا أو حلًّا نهائيًّا لمشكلة القراءة، بل باعتبارها محاولة تربويّة نابعة من القسم، ومن ملاحظة يوميّة، ومن رغبة صادقة في أن يصبح النصّ أكثر إنصافًا للمتعلّمين وأكثر قربًا منهم. وقد بدا لي، من ما عشته معهم، أنّ الذكاء الاصطناعيّ يمكن أن يكون في خدمة القراءة فعلًا، لا حين يصنع نصوصًا كثيرة فحسب، بل حين يساعدنا في أن نجعل لكلّ طفل مدخله الخاصّ إلى عالم الحكاية.  

في النهاية، أستطيع القول إنّ أجمل ما في هذه التجربة ليس الجانب التقنيّ فيها، بل ذلك البريق الذي رأيته في عيون بعض التلاميذ حين وجدوا أنفسهم داخل القصّة. هناك فقط أدركت أنّ القراءة قد تبدأ أحيانًا من لحظة تعرّف الطفل إلى نفسه في النصّ. وعندما يحدث ذلك، لا يعود يقرأ لأنّه طُلب إليه أن يقرأ، بل لأنّه يريد أن يعرف ماذا سيحدث له في الصفحة التالية.