حين تحدّثت لغة الإشارة
حين تحدّثت لغة الإشارة
هداية الرزوق | مستشارة تعليم ومناهج في منظّمة دوليّة - الأردن
رابعة العكور | مستشار ورئيس باحثي تطوير القرائيّة العربيّة – السعوديّة

لم أكن أؤمن أنّ اللغة لا تُكتسب في مناخ من القلق أو العزلة، بل في فضاء إنسانيّ يسمح للمتعلّم أن يجرّب ويشارك من دون خوف، إلّا بعد أن التقيتُ ملاك في مدرسة ماركا للطلبة ذوي التحدّيات السمعيّة.

كانت ملاك تجلس في الصفّ بهدوء يليق بطفلة اعتادت أن تُنصت بعينيها. لم تكن حزينة، ولم تكن أقلّ قدرة من زميلاتها، لكنّها لم تكن تشعر براحة كاملة في حصّة اللغة العربيّة. كان الاختلاف بينها وبين الآخرين يُقيم جدارًا خفيًّا، لا يُرى ولا يُسمع، لكنّه يُحسّ في طريقة جلوسها، وفي تردّدها قبل أن تشارك؛ إذ لا تتشابه الخبرات اللغويّة في مدارس الطلبة ذوي الإعاقة السمعيّة، كما قد يتبادر إلى الذهن، فالطلبة يختلفون بحسب درجة فقدان السمع. بعضهم لديه بقايا سمعيّة تمكّنه من نطق جزئيّ، وبعضهم خضع لزراعة قوقعة وتلقّى تدريبًا مبكّرًا على النطق، فأصبح قادرًا على التعبير الشفهيّ بدرجة جيّدة، فيما يعاني آخرون صممًا كاملًا يجعل لغة الإشارة قناتهم الرئيسة، بل الوحيدة، للتواصل، وهذا ما ميّز ملاك، تلك الطفلة الذكيّة الصمّاء البكماء.

 

كانت المعلّمات في المدرسة يتّبعن ما يُعرف بالطريقة الكلّيّة في التعليم؛ أي توظيف الإشارة مع النطق الشفهيّ وتعابير الوجه وحركة الجسد في آن واحد، مراعاة للفروق الفرديّة بين الطالبات. هذه الطريقة تُتيح للطالبة التي تمتلك بقايا سمعيّة أن تستفيد من النطق، وللطالبة التي تعتمد على البصر أن تتلقّى المعنى عبر الإشارة ولغة الجسد. غير أنّ هذا التنوّع، على أهمّيّته، لا يعني بالضرورة أنّ جميع الطالبات يشعرن بالمستوى ذاته من الأمان أو التمكين داخل حصّة اللغة العربيّة.

بالنسبة إلى ملاك، كانت الحصّة تمرّ غالبًا بإيقاع لا يُقصيها، لكنّه لا يُشعرها بالمبادرة الكاملة. كانت تفهم الإشارة، وتتابع الشرح، غير أنّ حضور زميلات يستطعن النطق والمشاركة الشفهيّة جعلها تميل إلى الصمت، وكأنّ مساحة التعبير محجوزة لمن يملك صوتًا مسموعًا. هنا لا تكمن الإشكاليّة في الطريقة الكلّيّة ذاتها، بل في الأثر الانفعاليّ الخفيّ الذي قد ينشأ حين يشعر المتعلّم بأنّ دوره أقلّ بروزًا. تنسجم هذه الحالة مع ما يطرحه ستيفن كراشن في فرضيّة "المرشّح الانفعاليّ"، إذ يؤكّد أنّ القلق أو انخفاض الثقة بالنفس، قد يُعيق اكتساب اللغة حتّى في بيئة تتوافر فيها المدخلات المناسبة (Krashen, 1982). كما تشير أدبيّات التعلّم الأكاديميّ والاجتماعيّ والعاطفيّ، إلى أنّ شعور المتعلّم بالكفاءة والانتماء شرط لنموّه الأكاديميّ (CASEL, 2020).

 

لحظة التحوّل: حين دخلت التكنولوجيا إلى المشهد

في أحد الأيّام، عرضت معلّمة اللغة العربيّة مقطعًا لنصّ مكتوب من نصوص اللغة العربيّة، وقد ظهر طالب أصمّ يترجم نصًّا من نصوص منهاج الموادّ الداعمة لمبحث اللغة العربيّة بلغة الإشارة. لم يكن المشهد مجرّد ترجمة بالنسبة إلى ملاك. كان أداءً حيًّا، تتحوّل فيه الجملة إلى حركة، ويصير المعنى إيقاعًا بصريًّا يتشكّل بين اليدين والوجه.

لم يكن هذا التحوّل تقنيًّا فحسب، ولم تتمثّل أهمّيّته في مجرّد عرض فيديو داخل الصفّ، بل في كونه يمثّل، ولأوّل مرّة في المملكة الأردنيّة الهاشميّة، إدخال فيديوهات بلغة الإشارة، تترجم نصوص المنهاج نفسها بوصفها جزءًا من بنيته الداعمة، بعد أن ظلّت هذه الحاجة سابقًا تُلبّى عن طريق اجتهادات فرديّة، أو مبادرات محدودة خارج إطار المنهاج. وتشير نماذج التصميم الشامل للتعلّم، كما طوّرها كلّ من ديفيد ه. روز وآن ماير، إلى أنّ تنويع قنوات تقديم المحتوى ليس خيارًا تقنيًّا، بل مدخل لتحقيق العدالة التعليميّة؛ إذ يسهم في خفض العبء الانفعاليّ ورفع قابليّة الفهم، ولا سيّما لدى المتعلّمين ذوي الإعاقات السمعيّة (Rose & Meyer, 2002). فحين انخفض التوتّر لدى ملاك، أصبحت اللغة أكثر قابليّة للاكتساب، لأنّها صارت مأمونة نفسيًّا قبل أن تكون واضحة معرفيًّا. رأت ملاك أمامها طفلًا يشبهها تمامًا: أصمّ، لا يعتمد على النطق، ومع ذلك يقف بثقة ليشرح نصًّا مكتوبًا باللغة العربيّة بلغة الإشارة. في تلك اللحظة، لم تكن تشاهد ترجمة فحسب، بل كانت ترى إمكانًا شخصيًّا يتجسّد.

 

حين صار التعلّم تجربة إنسانيّة  

مع مرور الأسابيع، تغيّر حضور ملاك داخل الصفّ بطريقة لافتة؛ إذ لم تعد تكتفي بالمراقبة، بل صارت تميل نحو زميلاتها في العمل الجماعيّ، تشير وتتابع وتشارك بإيماءات واثقة. وحين تعثّرت في نشاط ما، أعادت مشاهدة الفيديو باستخدام رمز الاستجابة السريعة (QR Code)، بدل أن تنسحب إلى صمتها المعتاد. كان ذلك انتقالًا من التلقّي إلى المشاركة، ومن الهامش إلى القلب، إذ لم يقتصر أثر الفيديو في تحسين الفهم، بل أحدث تحوّلًا في صورة الذات لدى ملاك؛ فبدأت تُعيد مشاهدة المقاطع، ثمّ تُحاول تقمّص دور الطفل الذي شاهدته. وفي أحد الأنشطة، بادرت، ولأوّل مرّة، إلى شرح فقرة قصيرة بلغة الإشارة أمام زميلاتها. لم تكن تنطق، ولم تحتج إلى أن تفعل، كانت الإشارة وحدها كافية لتمنحها سلطة المعنى!

وفي اليوم التالي، وظّفت المعلّمة الأنشطة التمثيليّة في حصّة اللغة العربيّة، وأدّت ملاك دورًا صغيرًا، لكنّها شرحت لزميلاتها بلغة الإشارة كيف يمكن لحركة اليد أن تعبّر عن الفرح أو الخوف. عندها، لم تكن تلك الطفلة التي تنتظر الشرح، بل صارت معلّمة بارعة ووسيطة للمعنى. ثمّ لم تلبث ملاك أن انتقلت من موقع المتلقّية إلى موقع المشاركة، فصارت واحدة من الطلبة الصمّ الذين أسهموا في ترجمة نصوص المنهاج، وسجّلت فيديوهات تترجم فيها نصوص المنهاج بلغة الإشارة، ليُدرج داخل المنهاج نفسه. لم تعد ملاك متلقّية للمعرفة، بل شريكة في صنعها. وفي هذا الصدد تشير نظريّات التعلّم الاجتماعيّ البنائيّ إلى أنّ اللغة تُكتسب بفاعليّة أكبر، حين تُمارَس داخل تفاعل اجتماعيّ هادف، يسمح للمتعلّم بأن يكون منتجًا للمعنى لا متلقّيًا له (Vygotsky, 1978).

 

حين تُبنى الثقة، تُولد اللغة من جديد

تُظهر تجربة ملاك أنّ مراعاة الفروق الفرديّة لا تقتصر على تنويع الوسائل، بل تمتدّ إلى تمكين كلّ متعلّم من رؤية ذاته فاعلًا داخل المشهد التعليميّ. فالطريقة الكلّيّة كانت ضروريّة لمراعاة تباين درجات الإعاقة السمعيّة. غير أنّ إدخال الموادّ التكنولوجيّة المرئيّة التفاعليّة أتاح لملاك، بوصفها صمّاء بكماء، أن ترى نموذجًا يُشبهها، فاستعادت ثقتها بقدرتها على شرح النصوص والمشاركة. وعليه، فإنّ تعليم اللغة، ولا سيّما للطلبة ذوي الإعاقة السمعيّة، لا ينفصل عن بناء بيئة صفّيّة عادلة، ترى المتعلّم، وتمنحه صوتًا يُرى قبل أن يُسمع.

 

المراجع

- CASEL. (2020). What is social and emotional learning? Collaborative for Academic, Social, and Emotional Learning.

- Krashen, S. D. (1982). Principles and practice in second language acquisition. Pergamon Press.

- Rose, D. H., & Meyer, A. (2002). Teaching every student in the digital age: Universal design for learning. ASCD.

- Vygotsky, L. S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes. Harvard University Press.