يعيش العالم اليوم في ظلّ أزمات سياسيّة وإنسانيّة متسارعة، حيث أصبحت الحروب والنزاعات جزءًا من الواقع الذي يتابعه الطلبة يوميًّا عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعيّ. وقد انعكس ذلك على البيئة التعليميّة، لا سيّما في المدارس متعدّدة الثقافات التي تضمّ طلبة من خلفيّات وتجارب مختلفة، بعضهم متأثّر بشكل مباشر بهذه الأزمات. وفي هذا السياق، لم يعد دور المدرسة مقتصرًا على نقل المعرفة، بل أصبح مطالبًا أيضًا بدعم الطلبة نفسيًّا وإنسانيًّا، ومساعدتهم في فهم العالم من حولهم.
يبرز هنا مفهوم التعليم الإنسانيّ الذي يضع القيم في صلب العمليّة التعليميّة، إذ يهدف إلى تنمية التعاطف، وتعزيز الحوار، وفهم أسباب النزاعات بدل الاكتفاء بوصف نتائجها. وتُعدّ موادّ العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وخصوصًا التاريخ ومادّة الأفراد والمجتمعات، مجالًا أساسيًّا لتحقيق هذا الهدف، لما توفّره من فرص لفهم التجارب الإنسانيّة عبر الزمن.
ماذا نقصد بالتعليم الإنسانيّ؟
يُعرّف التعليم الإنسانيّ بوصفه مدخلًا تربويًّا يضع الإنسان في مركز العمليّة التعليميّة، لا يقتصر الهدف منه على نقل المعرفة، بل يتجاوز ذلك إلى تنمية القيم الأخلاقيّة، وبناء الوعي النقديّ، وتعزيز التعاطف واحترام الآخر. ويركّز هذا النوع من التعليم على فهم التجارب الإنسانيّة في سياقاتها المختلفة، وتمكين المتعلّم من تحليل القضايا المعاصرة بطريقة متوازنة، تجمع بين المعرفة والبعد الإنسانيّ. وتتجلّى أهمّيّة التعليم الإنسانيّ بشكل خاصّ في ظلّ ما يعيشه العالم اليوم من أزمات سياسيّة وإنسانيّة متسارعة، حيث أصبح الطلبة على تماسّ مباشر مع قضايا الحرب والنزاع عبر الإعلام ووسائل التواصل. وفي هذا السياق، لا يكفي أن تلتزم المدرسة بتقديم المعلومات وحسب، بل تصبح مطالبة بمساعدة الطلبة في فهم هذه الأحداث، والتعامل معها بوعي، وتطوير مواقف قائمة على التعاطف والحوار بدل الانقسام. ومن هنا، يُعدّ التعليم الإنسانيّ مدخلًا أساسيًّا لبناء ثقافة السلام داخل المدرسة، عن طريق ربط المعرفة بالواقع، وتحويل التعلّم إلى تجربة ذات معنى تعكس تحدّيات العالم المعاصر. "المهمّ أن نتّجه إلى التعليم الإنسانيّ الذي يلبّي احتياجات الأطفال والشباب واهتماماتهم، والذي يركّز على نموّ الشخصيّة وتطوّرها" (خليل، 2021)، وهو ما حاولتُ العمل عليه وتطبيقه.
من النظريّة إلى الممارسة: كيف نبني ثقافة السلام داخل الصفّ؟
بوصفي معلّمة، إذا أردت تناول ما يحدث اليوم من جانب إيجابيّ، على الرغم من مساوئ الصراعات والحروب، فالنقطة المضيئة تتمثّل في زيادة وعي الطلبة واهتمامهم بما يحدث اليوم، والذي يظهر من أسئلتهم المتكرّرة واعتمادهم مصطلحات أكاديميّة. فكلّ حصّة أصبحت تبدأ: "أستاذة، رأيتِ ماذا حصل أمس؟ سمعتِ ماذا قالت الحكومة؟ برأيك ما أسباب هذا الصراع؟" لذلك تزداد المسؤوليّة في هذه الظرفيّة، لا سيّما في البيئات التعليميّة متعدّدة الثقافات، حيث يصبح الصفّ مساحة تربويّة حسّاسة تتطلّب ممارسات تعليميّة واعية. ومن تجربتي في تدريس مادّة الأفراد والمجتمعات، حاولتُ تحويل الصفّ – حتّى في التعليم عن بُعد – إلى مساحة للحوار والفهم وبناء المعنى، وليس فقط لتلقّي المعلومات، "فالمؤسّسات التعليميّة لا تقتصر مهمّتها على نقل المعرفة فحسب، بل تُسهم أيضًا في تعزيز شعور الأطفال بالأمان والاستقرار، وترسّخ في نفوسهم الثقة والقدرة على التكيّف مع التحدّيات. ومن هنا يصبح التعليم رسالة إنسانيّة عميقة، تؤكّد أنّ بناء الإنسان يظلّ أولويّة ثابتة مهما تغيّرت الظروف" (القحطانيّ، 2026). وفي ما يأتي مجموعة من الممارسات التطبيقيّة التي اعتمدتها:
1- إعادة توظيف دراسة الصراعات التاريخيّة
بدل تقديم الصراعات التاريخيّة بوصفها أحداثًا منفصلة، قمتُ بتوجيه الطلبة إلى تحليلها بوصفها ظواهر إنسانيّة مرتبطة بأسباب ونتائج. فمثلًا درّستُ الصفّ السابع بعض الصراعات التي عرفتها الحضارة الرومانيّة، في سياق دراستنا لهذه الوحدة، ولم يكن الهدف من ذلك التركيز على "ما حدث" فقط، بل أيضًا فهم لماذا نشأت هذه الصراعات، وما العوامل السياسيّة أو الاقتصاديّة أو الثقافيّة التي أدّت إليها؟ وكيف انتهت؟ وهل كان يمكن تجنّبها؟ ثمّ حاولنا الإجابة عن هذه الأسئلة بالانطلاق إلى خطوة أعمق. طلبتُ إلى الطلبة مقارنة هذه الصراعات التاريخيّة بواقعهم الراهن، وفي مثال على ذلك، فكّر أحد الطلبة في الحرب الجارية بين إيران وأمريكا. وفي السياق ذاته، قارنت طالبة تلك الصراعات مع الحرب العالميّة (الأسباب والنتائج والتأثيرات). وقد ساعد هذا الربط الطلبة في إدراك أنّ هذه الصراعات ليست دائمة، بل تمرّ بدورات تاريخيّة تنتهي بزوال أسبابها، ما أسهم في تخفيف القلق لديهم، ومنحهم أفقًا من الأمل بأنّ المستقبل يمكن أن يكون أكثر سلامًا.
2- توظيف استراتيجيّة "أرى – أفكّر – أتساءل" بشكل معمّق
لم تقتصر هذه الاستراتيجيّة على نشاط بسيط، بل وُظِّفت بشكل منهجيّ في تحليل مصادر متنوّعة (صور، وثائق، شهادات إنسانيّة)، خصوصًا مع الصفّ السادس في الصفوف الافتراضيّة، إذ كنتُ أبدأ بعرض صورة مرتبطة بموضوع الحرب أو السلام، ثمّ أوجّه الطلبة عبر ثلاث مراحل:
• أرى: وصف دقيق لكلّ ما يظهر في الصورة من دون تفسير.
• أفكّر: محاولة تفسير ما تعنيه الصورة وربطها بسياق أوسع.
• أتساءل: طرح أسئلة نقديّة حول الأسباب والنتائج أو الأطراف المعنيّة.
ومع التكرار، بدأ الطلبة ينتقلون تدريجيًّا من الملاحظة السطحيّة إلى التفكير التحليليّ، وأصبحوا يطرحون أسئلة أكثر عمقًا، مثل: "من غائب عن الصورة؟" أو "كيف يمكن أن تختلف هذه القصّة من منظور آخر؟" هذا التحوّل يعكس انتقال الطالب من متلقٍّ إلى مفكّر ناقد.
العمل الجماعيّ
انطلاقًا من حرصي على توظيف التعلّم التعاونيّ في سياق إنسانيّ، عملتُ على تصميم مشاريع رقميّة تعاونيّة تستفيد من التنوّع الثقافيّ داخل الصفّ، خصوصًا وأنّ المدرسة التي أنتمي إليها تضمّ طلبة من جنسيّات وثقافات مختلفة. ومن أبرز هذه التجارب مشروع بعنوان "تجارب الشعوب في مواجهة الأزمات"، قمتُ فيه بتقسيم الطلبة إلى مجموعات صغيرة متعدّدة الجنسيّات، وطلبتُ إلى كلّ منهم أن يقدّم تجربة من بلده أو مجتمعه تتعلّق بالأزمة التي مرّ فيها، وبكيفيّة التعامل معها، سواء في مبادرات إنسانيّة، أو أشكال من التضامن الاجتماعيّ، أو نماذج للتعايش وإعادة البناء. ثمّ عملت كلّ مجموعة على دمج هذه التجارب في منتج رقميّ مشترك. فتحدّث طلبة عن الحرب الأهليّة في لبنان، وكيف أنّ التقسيم وعدم الوحدة يؤدّيان إلى صراعات. وآخرون تناولوا في عرض تقديميّ الاستعمار الفرنسيّ للجزائر، وكيف تشابهت هذه التجربة مع بقيّة التجارب الاستعماريّة. كانت النقاط المشتركة بين هذه العروض تتمحور حول نجاح هذه الدول في تجاوز الأزمات. وقد لاحظتُ من هذا النشاط أنّ الطلبة بدؤوا يتجاوزون النظرة الفرديّة الضيّقة، ليكتشفوا أنّ التجارب الإنسانيّة متقاربة على الرغم من اختلاف السياقات، ما عزّز لديهم الشعور بالانتماء إلى إنسانيّة مشتركة.
ولتعميق هذا التعلّم، قمتُ بتوظيف أدوات رقميّة تفاعليّة، إذ طلبتُ إلى الطلبة الإسهام في إنشاء خريطة عالميّة رقميّة، يضيفون عليها مواقع تمثّل مبادرات إنسانيّة أو تجارب إيجابيّة في نشر قيم التعاون والسلام. وكان على كلّ طالب أن يرفق إضافته بتعليق تحليليّ، أو قصّة قصيرة توضّح أهمّيّة هذه المبادرة وسياقها. وقد تحوّلت هذه الخريطة تدريجيًّا إلى مساحة معرفيّة مشتركة تعكس تنوّع التجارب الإنسانيّة، وأسهمت في تنمية مهارات البحث الرقميّ، والعمل التعاونيّ، وربط المعرفة بالواقع. بهذه الممارسات، لم يعد التعلّم مجرّد نقل للمعلومات، بل أصبح تجربة إنسانيّة مشتركة، يُسهم فيها الطلبة بفاعليّة، ويعيدون عن طريقها بناء فهمهم للعالم بطريقة أكثر وعيًا وتوازنًا.
وإيمانًا منّي بأهمّيّة الاستماع إلى صوت الطالب، حرصتُ على تخصيص مساحات تعبيريّة تُمكّن الطلبة من مشاركة مشاعرهم وأفكارهم تجاه ما يحدث في العالم، وربط ذلك بقيمهم الشخصيّة والوطنيّة. فكان السؤال الدائم في أوّل الحصّة عن أحوالهم، وما أهمّ المستجدّات، وما رأيهم بها؟ وماذا يتابعون؟ وأخصّص الدقائق الخمسة الأولى للاطمئنان عليهم، ومشاركة مشاعرهم وأفكارهم في ظلّ هذه الأوضاع.
ولترسيخ ثقافة السلام في ظلّ الصراعات، استخدمتُ في مادّة تاريخ قطر درس "السلام العالميّ" لطلبة الصفّ الثامن، فطلبتُ إليهم كتابة رسائل سلام إلى مجتمعات تعيش أزمات، أو إلى منظّمات دوليّة، أو حتّى إلى العالم بشكل عامّ، يعبّرون فيها عن رؤيتهم إلى السلام ومواقفهم من الأحداث الجارية. أتذكّر أنّ طالبة كتبت رسالة إلى الأمم المتّحدة، وطالبة كتبت رسالتها إلى الشعب الفلسطينيّ، وطالبًا كتب رسالة إلى رؤساء العالم... وكان المشترك بينهم الدعوة إلى السلام. ولم يقتصر هذا النشاط على التعبير الكتابيّ، بل شجّعتُهم أيضًا على استخدام الرسم والرموز البصريّة للتعبير عن أفكارهم، ما أتاح لهم مساحة أوسع للتعبير الإبداعيّ، ثمّ قمنا بتجميع هذه الأعمال في مجلّة صفّيّة بعنوان "أصوات من أجل السلام"، تحوّلت إلى منصّة تعكس تنوّع أصوات الطلبة وتعبيراتهم الإنسانيّة.
وفي سياق مادّة تاريخ قطر، عملتُ على ربط هذه التعبيرات بالقيم الوطنيّة، بتناول موضوعات مثل هيئات المجتمع المدنيّ ودورها في تعزيز التضامن الاجتماعيّ. شجّعتُ الطلبة على مشاركة تجاربهم الشخصيّة في العمل الإنسانيّ، سواء عن طريق مبادرات فرديّة أو مشاركات مدرسيّة أو مجتمعيّة، ومناقشة أثر هذه المبادرات في دعم الأفراد والمجتمعات أثناء الأزمات. فتنوّعت التجارب وأثارت نقاشات جميلة بين مشاركة طالب تجربة تطوّعه في حملة الإفطار الجماعيّ، ومشاركة طلبة آخرين تبرّعاتهم لفائدة أطفال فلسطين ودول أخرى. كما شاركت طالبة مبادرة فرديّة تقوم بها أمّها في شهر رمضان، وهي إطعام الناس، وإسهام الطالبة في هذه المبادرة. أسهم هذا الربط في تعميق وعي الطلبة بأنّ القيم التي يتعلّمونها ليست مجرّد مفاهيم نظريّة، بل ممارسات حيّة يمكن أن تُسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وإنسانيّة. كما عزّز لديهم الشعور بالمسؤوليّة تجاه الآخرين، والربط بين انتمائهم الوطنيّ وانتمائهم الإنسانيّ الأوسع.
بين الطموح التربويّ وواقع الصفّ: حدود التعليم الإنسانيّ في زمن الأزمات
على الرغم من أهمّيّة التعليم الإنسانيّ في زمن الأزمات، فإنّ تطبيقه داخل الصفّ لا يخلو من تحدّيات. فمن تجربتي، يتطلّب تناول موضوعات الحروب والنزاعات حساسيّة تربويّة عالية، خصوصًا في البيئات متعدّدة الثقافات؛ حيث قد يكون بعض الطلبة متأثّرين بشكل مباشر بهذه الأحداث، وهو ما يفرض على المعلّم الموازنة بين فتح المجال للحوار والتعبير، وبين الحفاظ على بيئة آمنة لا تعيد إنتاج القلق أو التوتّر داخل الصفّ. كما إنّ ضيق الوقت الدراسيّ، والتركيز على تحقيق متطلّبات المنهج والتقييم، قد يحدّ من التوسّع في الأنشطة التأمّليّة التي تحتاج إلى وقت للنقاش والتفكير العميق. ويُضاف إلى ذلك تفاوت تفاعل الطلبة، إذ لا يمتلك جميعهم القدرة أو الاستعداد نفسيهما للتعبير عن مشاعرهم، أو الانخراط في نقاشات ذات بعد إنسانيّ. وفي سياق التعليم عن بُعد، تظهر تحدّيات إضافيّة مرتبطة بضعف التفاعل أحيانًا، وصعوبة بناء مستوى التواصل الإنسانيّ نفسه الذي يتوفّر في الصفّ الحضوريّ. ومع ذلك، فإنّ الوعي بهذه التحدّيات لا يقلّل من أهمّيّة هذا التوجّه، بل يساعد في تطبيقه بشكل أكثر مرونة ووعيًا، بما يتناسب مع خصوصيّة كلّ صفّ وسياق تعليميّ.
***
في زمن تتسارع فيه الأزمات وتتشابك فيه التحدّيات الإنسانيّة مع حياة الطلبة اليوميّة، لم يعد دور المدرسة مقتصرًا على نقل المعرفة، بل أصبح مرتبطًا ببناء وعي إنسانيّ، يساعد الطلبة في فهم العالم والتفاعل معه بشكل مسؤول. وبتوظيف موادّ العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، يمكن للمعلّم أن يحوّل الصفّ إلى مساحة للحوار والتفكير والتعبير، بحيث يتعلّم الطلبة احترام التنوّع، وفهم الاختلاف، والإيمان بإمكانيّة بناء السلام. وتُظهر التجارب الصفّيّة أنّ هذا النوع من التعليم لا يحتاج بالضرورة إلى تغييرات جذريّة، بل إلى ممارسات تربويّة واعية تضع الطالب في مركز التعلّم، وتمنحه مساحة للتفكير والتعبير والمشاركة. وعندما يصبح التعلّم مرتبطًا بواقع الطلبة وتجاربهم، فإنّه يتحوّل إلى تجربة ذات معنى، تُسهم في بناء شخصيّة متوازنة قادرة على التفاعل الإيجابيّ مع العالم.
المراجع
- القحطانيّ، نوير دبسان. (2026). حين تشتدّ الأزمات.. يبقى التعليم رسالة أمل. جريدة الشرق.
- خليل، سعاد. (2021). مبادئ التعليم الإنسانيّ وأشكاله. دار ناشري.





نشر في عدد (25) صيف 2026