يحظى العمل الفريقيّ بمكانة خاصّة في مجالات الإدارة والتربية والحياة المعاصرة، إذ يُقدَّم غالبًا باعتباره النموذج الأمثل للإنجاز وتحقيق الأهداف. ولا شكّ في وجود مزايا عديدة للعمل الفريقيّ، تتمثّل في توحيد الجهود، والاستفادة من تنوّع الخبرات، وتعزيز التواصل والتعاون. غير أنّ هذه الصورة الإيجابيّة لا تعني خلوّ العمل الفريقيّ من التحدّيات، أو حسم أنّه الخيار الأمثل في جميع الأحوال.
وفي المجال التربويّ، ندعو التربويّين دائمًا إلى إشراك المتعلّمين، في كلّ المراحل العمريّة، في العمل الفريقيّ ضمن مجموعة. وبغضّ النظر عن الدراسات التي تدعم بالأرقام والأدلّة أهمّيّة العمل الفريقيّ، مع الأخذ بالطرائق والوسائل التي يُنصح بها. للتأكّد من أنّ لكلّ فرد في مجموعته دورًا مميّزًا يؤدّيه، إلّا أنّنا كثيرًا ما نجد اعتراضًا على هذا النمط في العمل. ففي البيئة التربويّة، يتذمّر بعض الطلّاب من الظلم اللاحق بهم، لأنّ العمل قد يوفّر فرصة لنجاح البعض من دون بذل المجهود اللازم، بينما يتحمّل الجادّون وذوو الإصرار والمثابرة العبء الأكبر، وربّما العمل كاملًا.
وينطبق الأمر ذاته على بيئة العمل؛ فقد يُنسَب الإنجاز إلى أفراد، مع أنّ عبء التخطيط والتنفيذ تحمَّله شخص أو اثنان. وقد يكون التقدير والثناء لمن تحدّث عن العمل أو عرضه، لا لمن أنجزه حقيقة وبذل الجهد فيه.
وهناك سيناريو لا يقلّ إشكاليّة، وهو أن يتفرّد شخص ما في الفريق بالعمل، ويقوم به على طريقته الخاصّة من دون الأخذ برأي الآخرين، ويُيسّر العمل وفق أجندته أو فهمه أو رغباته. وفي كلتا الحالتين، لا يعطي العمل الفريقيّ الثمار المرجوّة كما تذكر الأدبيّات والنظريّات، بل يترك خلفه شعورًا بالغبن أو الاستغلال، أو التهميش والاستهتار.
ما العمل إذًا؟ كيف يمكننا أن نحافظ على تضافر الجهود من غير أن يتحوّل العمل إلى مجهود أفراد محدّدين، يختبئ غيرهم في ثناياه، وربّما يحصلون على التقدير والثناء ذاته، من دون أن يحقّقوا ناتجًا تعلّميًّا أو ناتجًا في العمل؟ وكيف نتجنّب في الوقت نفسه، أن يتفرّد شخص واحد في المجموعة بالقرار وأسلوب العمل والإجراءات؟
في هذا السياق، أقترح وجهًا آخر للعمل الفريقيّ، وهو التعاون القائم على المسؤوليّة الفرديّة؛ تعاون لا يلغي الفرادة ولا يتجاوز تبادل الخبرة، إذ يعمل كلّ فرد على مشروعه أو مهمّته الخاصّة، ضمن الأهداف المرجوّة، سواء كان مشروعًا دراسيًّا أو مؤسّسيًّا. وفي الوقت نفسه، يتواصل مع زملاء فريقه ويتبادل الرأي معهم، بالشكل الذي يراه مناسبًا للمهمّة، فيغني أفكاره، ولا يخسر آراء الآخرين، لتمرّ التغذية الراجعة في مصفاة: كلّ فردّ يأخذ منها أو يترك، بناء على رأيه وخبرته وما يناسب مشروعه.
قد يكون من متطلّبات الناتج النهائيّ أن يوضّح الفرد هذه العمليّة بجلاء في نصّ تأمّلي تفكّريّ: من استشار؟ ما نوع التغذية الراجعة التي تلقّاها؟ كيف أثّرت النقاشات في تطوير العمل؟ وما التعديلات التي طرأت على الناتج النهائيّ نتيجة هذا التفاعل؟ وبهذا يكون العمل الجماعيّ فاعلًا في إغناء التجربة وتبادل الرأي، لا مجرّد شعار يُرفَع، وممارسه واضحة يمكن تتبّع أثرها وقياس خطواتها ونواتجها.
قد يكون هذا الأسلوب أكثر عدلًا ونفعًا، فهو يحفظ للمُجِدّ حقّه في إبراز جهده، من دون أن يشعر بأنّ أحدًا يسلبه ثمرة عمله. وفي الوقت نفسه، ينمّي مهارات الفرد في التفكير الذاتيّ، والإنجاز الشخصيّ، والإفادة من الموارد، ويجنّبه الشعور بالتواكل والسلبيّة وقطف ثمار لم يتعب في جنيها. كما إنّه يحدّ من هيمنة الفرد الواحد على العمل، لأنّ كلّ شخص يبقى مسؤولًا عن منتجه الخاصّ، مع انفتاحه على آراء الآخرين وخبراتهم.
وأخيرًا يتيح هذا النمط الحفاظ على التفاعل والتواصل والاستفادة من الآخرين، ويُخرج الأفراد من العزلة التي يفرضها العمل الفرديّ، من دون إذابة جهودهم الفرديّة في منتج جماعيّ لا يُعرف فيه من عمل ومن لم يعمل. وبهذا يمكن أن نسهم في إيجاد بيئات تعلّميّة أو مهنيّة أكثر تعاونًا وعدلًا وفاعليّة.
النظريّات التي نتدارسها في الأدبيّات ونحاول تطبيقها في الواقع، لا ينبغي أن تتحوّل إلى مسلّمات لا تناقش، بل علينا أن نتحدّاها أحيانًا، وأن نستمع إلى المعنيين بها، سواء كانوا طلّابًا أو موظّفين، لنتعرّف إلى تجاربهم ومواقفهم، علّنا نفهم الواقع التطبيقيّ بصورة أفضل، ونحسّن من أداء الجميع، ونرتقي بالتجربة العمليّة وجودة المنتج النهائيّ.



