من المشروع المثاليّ إلى التعلّم الحقيقيّ: تجربة صفّيّة مع الأهل
من المشروع المثاليّ إلى التعلّم الحقيقيّ: تجربة صفّيّة مع الأهل
Sun, 26 Jul 2026 - 11:20
إيمان الزين | معلّمة رياضيّات - لبنان

انتشر مؤخّرًا على وسائل التواصل الاجتماعيّ إعلان لافت يقول: "من تريد أن أنفّذ مشروع أو نشاط طفلها للمدرسة… أنا جاهزة بمقابل مادّيّ". وتحت الإعلان، ظهرت عشرات التعليقات لأمّهات يشتكين من تعب المشاريع المنزليّة، وضيق الوقت، وكثرة المتطلّبات. ومع تكرار هذه المشاهد، بدا واضحًا أنّ كثيرًا من الأنشطة المدرسيّة فقدت معناها التربويّ، وتحوّلت من فرصة تعلّم إلى عبء ثقيل على الأسرة.

وهنا تبرز أسئلة جوهريّة:

•    إذا لم يكن الطفل شريكًا في المشروع، فما الهدف منه؟
•    كيف يمكن لتلميذ أن يستفيد من عمل لا دور له فيه سوى حمله إلى المدرسة؟
•    كيف نقوّم إنتاجًا لم يُنجزه؟
•    ماذا نزرع فيه عندما نُشعره أن هناك دائمًا من يقوم بالمهمّة عنه؟

من الشكوى إلى الفهم

في كثير من النقاشات، برّرت الأمّهات تدخّلهنّ بالإرهاق، أو الخوف من الفوضى في المنزل، أو القلق على العلامات. هذه أسباب مفهومة إنسانيًّا، لكنّها لا تغيّر النتيجة التربويّة:
مشروع بلا قيمة تعليميّة حقيقيّة، وطفل بلا تجربة شخصيّة تنمّيه.
فالمشاريع التي تُنفّذ بأيدي الكبار: لا تبني مهارة، ولا تعزّز ثقة، ولا تساعد طفلًا على تحمّل مسؤوليّة.

تجربة من الواقع التربويّ

من عملي داخل الصفّ، لاحظت أنّ بعض المشاريع لا تعكس مستوى التلميذ الحقيقيّ، بل تحمل بصمة الأهل أكثر ممّا تحمل بصمته. وبدل الاكتفاء بالملاحظة أو الرفض، اخترت أن أعالج المشكلة من عندي أوّلًا.
طلبتُ بوضوح من الأهالي عدم مساعدة التلاميذ في إعداد الأبحاث والمشاريع، لكنني لم أكتف بالطلب، بل فتحت باب الحوار. التقيت ببعض الأهالي الذين لاحظت أنّهم ينفّذون المشاريع بأنفسهم، وسألتهم عن مخاوفهم الحقيقيّة.
أكثر المخاوف تكرارًا كانت: الخوف من أن يخسر الطفل العلامات، والخوف من أن يكون العمل غير مرتّب، والقلق من أن خطّ الطفل غير جميل.

التوضيح التربويّ: لا للعلامة.. نعم للتعلّم

كان لا بدّ من التوضيح:
أكّدت لهم أنّ البحث والمشروع وسيلة تقييم لأداء التلميذ نفسه، لا للأهل. وأنّ التقييم لا يقوم على جمال الخطّ، ولا على الترتيب الشكليّ، ولا على المثاليّة، بل على: محاولة الطفل وفهمه، وقدرته على التعبير.
قلت لهم بوضوح: أنا لا أبحث عن عمل مثاليّ، بل عن عمل صادق، أريد من الطفل أن يخطئ، لأنّ التعلّم لا يحدث بلا خطأ.
فالخطّ غير الجميل، والعمل البسيط، والمشروع غير "المزخرف"، كلّها أمور مقبولة، بل مطلوبة، لأنّها تعبّر عن جهد التلميذ الحقيقيّ، وتمنحه الثقة بأنّ محاولته لها قيمة.

وماذا عن الذكاء الاصطناعيّ؟

أحد الاعتراضات التي طُرحت كانت: ما الفائدة من بحث يخرجه التلميذ من الذكاء الاصطناعيّ؟
كان الجواب تربويًّا وواقعيًّا: نحن الكبار، عندما نريد تعلّم معلومة جديدة، ماذا نفعل؟
نبحث ونقرأ، ونشاهد الفيديوهات، ونستخدم الأدوات رقميّة، ونستعين بالذكاء الاصطناعيّ.
المشكلة ليست في الأداة، بل في طريقة استخدامها.
دورنا نحن المربّين، ليس منع الأدوات الحديثة، بل تعليم الطفل: كيف يبحث؟ كيف يفهم؟ كيف يعيد صياغة المعلومة بلغته؟ وكيف يناقش ما توصّل إليه؟
وهنا يصبح البحث أداة تعلّم حقيقيّة، لا مجرّد نسخ.

ماذا نزرع في الطفل من دون أن نشعر؟

خلال التوعية، كان من المهمّ توضيح الأثر الأعمق لمساعدة الأهل الزائدة. فحين نقوم بالمهمّة بدل الطفل، فإننا نزرع فيه:
•    ضعف تحمّل المسؤوليّة.
•    الاتكاليّة على الغير.
•    عدم الاعتماد على النفس.
•    المفاخرة بإنجاز لم يصنعه، ونسبته إلى نفسه.
هذه ليست مشكلة مدرسيّة فقط، بل مشكلة تمتدّ إلى الحياة.

الخوف الأبويّ.. مفهوم لكنّه يحتاج إلى توجيه

كان واضحًا أنّ كثيرًا من الأهالي يتصرّفون بدافع الحبّ والخوف. هم معتادون على أن يكونوا "في ظهر أولادهم" في كلّ شيء، ويخشون أن يتركوا أيديهم فجأة فيفشل الطفل أو يُحبط.
هنا كان الإقناع بالمنطق لا باللوم. أوضحت لهم أن ترك مساحة للطفل ليعتمد على نفسه لا يعني التخلّي عنه، بل هو انتقال واعٍ من الحماية إلى التمكين. نحن لا ننسحب، بل نراقب ونوجّه ونطمئن، من دون أن نأخذ مكانه في المحاولة.

أثر التوعية

هذا اللقاء والحوار الصادق أحدث فرقًا حقيقيًّا، عندما فهم الأهالي أنّ:
•    العلامة ليست الهدف.
•    الشكل ليس المعيار.
•    الخطأ جزء من التعلّم.
خفّ ضغطهم، وتراجع تدخّلهم. هل بدأ التلاميذ يقدّمون أعمالًا أبسط؟ نعم، لكنّها أكثر صدقًا، وأكثر فائدة.

خلاصة منهجيّة

المشروع المدرسيّ ليس للعرض، ولا للمقارنة، ولا للتفاخر. هو مساحة آمنة يتدرّب فيها الطفل على:
•    المحاولة
•    التنظيم
•    التفكير
•    الاستقلاليّة
ويبقى السؤال المفتوح لكلّ مربّ ووالد: هل نريد مشروعًا مثاليًّا صنعه الكبار بدل الطفل؟ أم طفلًا اكتسب تجربة تعلّم حقيقيّة، ولو بمشروع بسيط صنعه بيده؟