ظلّ الكتاب المدرسيّ لعقود طويلة القلب النابض للمؤسّسة التربويّة، فهو الإطار المرجعيّ الذي ينظّم التعلّمات، ويوجّه الممارسة البيداغوجيّة. وليس مجرّد وسيلة لنقل المعارف، بل أداة لبناء العلاقة التربويّة، وتوجيهها نحو مشروع تعلّميّ.
غير أنّ الثورة الرقميّة، وخصوصًا تطوّر الذكاء الاصطناعيّ، فرضت تحدّيات جديدة على المدرسة، وأثارت أسئلة حول مكانة الكتاب الورقيّ في بيئة تعلّم أصبحت متعدّدة الوسائط ومفتوحة، وسريعة التغيّر.
فهل ما يزال الكتاب المدرسيّ أداة فعّالة لتكوين المتعلّم؟ أم أنّ الذكاء الاصطناعيّ سيسحب منه البساط، باعتباره مصدرًا أكثر آنيّة وثراءً للمعلومة؟
أوّلًا: الكتاب المدرسيّ مصدرًا للمعلومة الموثوقة
بملاحظة تعامل المتعلّمين مع الإنترنت، في البحث عن المعلومات التي يحتاجون إليها، لاحظت ضعف قدرتهم على التمييز بين المعلومة الدقيقة والموثوقة، والأخرى غير الدقيقة، والمجانبة للحقيقة، أو غير المنطقيّة بتاتًا. الأمر الذي يجعلني أعتقد أنّه ورغم كثافة المعلومات المتاحة عبر الإنترنت، يبقى الكتاب المدرسيّ أكثر المصادر التعليميّة توثيقًا وتنظيمًا.
يخضع الكتاب المدرسيّ لمراجعة علميّة وبيداغوجيّة دقيقة قبل اعتماده رسميًّا من وزارة التربية. ويقدّم المعلومة في تسلسل منطقيّ، يراعي تطوّرات المتعلّم. إلى جانب ضمان العدالة المعرفيّة بين مختلف الجهات والمستويات التعليميّة؛ فهو غير مرتبط بالقدرة على الوصول لمصادر المعلومة بالإنترنت، لضعف تغطية الإنترنت في العديد من الأماكن.
في هذا إلإطار، يقول عالم الاجتماع السويسريّ فيليب بيرنو (Philippe Perrenoud): صاحب كتاب سوسيولوجيا التربية: "في زمن الانفجار المعلوماتيّ، لا يكمن دور المدرسة في إغراق المتعلّم بالمعارف، بل في منحه أدوات لتمييز المعلومة الصحيحة من الزائفة."
كما يضيف المفكر التربويّ البرازيليّ باولو فريري، صاحب كتاب تعليم المقهورين، أنّ" الأدوات لا تغيّر التعليم، بل الطريقة التي نستخدمها بها".
وبهذا المعنى نرى أنّ الكتاب المدرسيّ لا يزال ضمانًا لمصداقيّة المعلومة، في حين يظلّ الذكاء الاصطناعيّ أداة مساعدة تحتاج إلى توجيه نقديّ، ومرافقة بيداغوجيّة. لذلك لابدّ أن نعرف كيف نتعامل مع هذه الأداة.
ثانيًا: الكتاب المدرسيّ وسيلة بيداغوجيّة لتنظيم التعلّم
الكتاب المدرسيّ ليس مجرّد ناقل للمعرفة، بل هو وسيلة بيداغوجيّة تدمج بين المعلومة والأنشطة والتقويم.
فهو يوجّه سير الدرس من خلال، تحديد الكفاءات والأهداف التعليميّة. وتقديم أنشطة تطبيقيّة وأمثلة متدرّجة في الصعوبة، تتوافق مع قدرة المتعلّم، وتوفير صور ورسوم توضيحيّة تُبسّط المفاهيم المجرّدة.
ويرى التربويّ الكنديّ كلود لافوا (Claude Lavoie) أنّ: "الكتاب المدرسيّ الناجح هو ذاك الذي لا يُلقّن، بل يُحفّز المتعلّم على التساؤل، ويخلق لديه رغبة في البحث والاكتشاف."
في المقابل، أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعيّ مثل ChatGPT و Deep seek وغيرها، قادرة على أن تُكيّف المعلومة حسب مستوى المتعلّم وسرعته، وتقدّم تفسيرات فوريّة للأخطاء. لكنّها لا تستطيع، على رغم قوّتها، أن تُعوّض القيمة التفاعليّة الحقيقيّة للعلاقة بين المربّي والمتعلّم، والتي ينظّمها الكتاب المدرسيّ كوسيط بين الاثنين.
ثالثًا: بين الكتاب الذكيّ والذكاء الاصطناعيّ: نحو تكامل لا تناقض
يرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسيّ إدغار موران (Edgar Morin) أنّ: "الذكاء الإنسانيّ يجب أن يظلّ موجّهًا للذكاء الاصطناعيّ، لا خاضعًا له". هذا القول يُلخّص العلاقة المنشودة بين الكتاب المدرسيّ التقليديّ، والأدوات الرقميّة الحديثة: علاقة تكامل وليست إقصاء.
فيمكن للكتاب أن يتحوّل إلى كتاب ذكيّ عبر:
- إضافة رموز رقميّة (تُسمّى QR Codes) داخل صفحات الكتاب المدرسيّ الورقيّ، بحيث يمكن للتلميذ أو المدرّس أن يمسح هذا الرمز بواسطة الهاتف، أو الجهاز اللوحيّ، فيتوجه مباشرة إلى محتوى رقميّ مكمّل للدرس.
- أن نجعل من الكتاب المدرسيّ حيًّا ومتفاعلًا من خلال تقنية الواقع المعزّز (AR : La réalité augmentée)، وهي تقنية رقميّة تدمج بين العالم الحقيقيّ، والعالم الافتراضيّ. بمعنى آخر، تُضيف عناصر رقميّة (صور، مجسّمات ثلاثيّة الأبعاد، فيديوهات، أصوات) على ما يراه المتعلّم في الواقع عادة، بالهاتف أو الجهاز اللوحيّ؛ فحين يوجه التلميذ الكاميرا نحو صفحة من الكتاب أو صورة معيّنة، تظهر له على الشاشة معلومات إضافيّة تفاعليّة فوق الصفحة نفسها، كأنّ الصورة تتحرّك أو تشرح نفسها.
- توفير تطبيقات مصاحبة تسمح بالتفاعل الفوريّ مع النصوص والتمارين.
وتعتبر تجربة فنلندا في التعليم مثالًا رائدًا على هذا التكامل؛ إذ تعتمد الكتب المدرسيّة الورقيّة، جنبًا إلى جنب مع موارد رقميّة تفاعليّة، من دون أن تتخلّى عن الأولى. والنتائج أظهرت أنّ الدمج بين الوسيلتين يُنمّي التفكير النقديّ، ويُعزّز استقلاليّة المتعلّم، وبناء بقيّة مهاراته المتعدّدة.
رابعًا: آراء وتجارب تربويّة داعمة
يرى الفرنسيّ فيليب ميريو (Philippe Meirieu)، أحد أبرز مفكّري التربية في أوروبا، أنّ متعة التعلّم أساس جميع أنواع التربية، وأنّ التعلّم يجب أن يكون تجربة ممتعة تعزّز قدرة المتعلّمين على اكتساب المعرفة ونقلها. ويقول في السياق ذاته أنّ: " الكتاب المدرسيّ ليس مجرّد وسيلة لنقل المعارف، بل هو أداة لبناء العلاقة التربويّة، وتوجيهها نحو مشروع تعلّم إنسانيّ."
بينما يرى الخبير المغربيّ محمد الدريج أنّ: "الكتاب المدرسيّ العربيّ بحاجة إلى ثورة رقميّة داخليّة تجعل منه منصّة معرفيّة تفاعليّة، لا مجرّد مطبوعة مدرسيّة جامدة."
وتشير دراسة تونسيّة (المركز الوطنيّ للتجديد التربويّ، 2023) إلى أنّ 82% من المربّين يعتبرون أنّ الكتاب المدرسيّ يظلّ أداة أساسيّة لتنظيم الدروس، على رغم اعتماد الوسائط الرقميّة، بشرط تطوير محتواه ليواكب المناهج الجديدة.
***
الذكاء الاصطناعيّ لا يهدّد وجود الكتاب المدرسيّ، بقدر ما يحفّزه ويدفعه إلى التجديد والتحوّل. فالكتاب يقدّم العمق والمنهجيّة والانضباط، وينمّي مهارة التركيز والقراءة العميقة. بينما يمنح الذكاء الاصطناعيّ التنوّع والسرعة والتكيّف.
وبالجمع بين الاثنين، يمكن للمدرسة أن تؤسّس لتعلّم إنسانيّ يجمع بين صلابة المعرفة، ومرونة التكنولوجيا، ويثير المتعة، يحفّز فضول المتعلّم ويبني مهاراته. ولا تنسى كما قال باولو فريري أنّ "الأدوات لا تغيّر التعليم، بل الطريقة التي نستخدمها بها".



