القيم الإنسانيّة وبناء المتعلّم الإنسان: رؤية استشرافيّة انطلاقًا من الواقع الصفّيّ
القيم الإنسانيّة وبناء المتعلّم الإنسان: رؤية استشرافيّة انطلاقًا من الواقع الصفّيّ
Sun, 10 May 2026 - 11:36
عبد الجبّار جاوي | أستاذ التعليم الابتدائيّ - الجزائر

في مجتمعاتنا العربيّة، وانطلاقًا من الواقع التربويّ العربيّ، لم يعد للتعليم التقليديّ مكانَ في الأوساط التعليميّة. وإنّما تعدّى ليصبح تعليمًا حديثًا يحمل في طيّاته صناعة المتعلّم الإنسان وبنائه، وجعله يجسّد قيميّة المتعلّم الجادّ، الذي يبني ذاته ومجتمعه ويعيش واقعه بالمعادلة القيميّة لثلاثيّة الوعي والمسؤوليّة والأخلاق.
ومن هُنا ظهرت الأهمّيّة البالغة للتعليم القيميّ المبنيّ على تربية الذات، وإنشائها انطلاقًا من بناء جيل واع عبر منظومة عربيّة تربويّة تعليميّة، تكرّس النهج القيميّ في الحياة خارج المدرسة للمتعلّم.

 

نحو تعليم قيميّ يرسّخ القيم الإنسانيّة للمتعلّم

في تعريف التعليم القيميّ يذهب الأستاذ المستشار حمزة علاء الدين الاستشاريّ بالمعهد العربيّ للاعتماد، في مقالته الموسومة بـ"التعليم القيميّ وبناء الإنسان، الطريق نحو مجتمع مسؤول"(2025)، إلى القول بأنّ التعليم القيميّ "نهج تربويّ يسعى إلى دمج القيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة، في كلّ مراحل التعليم ومجالاته ليصبح الطالب فاعلًا ايجابيًّا، لا مجردّ متلقّ للمعلومات".
ومن هنا يتداخل التعليم القيميّ مع شبكة العلاقات الإنسانيّة، والتي تحكمها قيم الاحترام والصدق والمسؤوليّة والتسامح والعدل والتعاون والرحمة، ما نتج عنه إطار قيميّ معرفيّ وأخلاقيّ تحكمه:

1. الفروقات والاختلافات بين الوعي المعرفيّ والسلوك الإنسانيّ؛ حيث تصادفنا في الواقع الصفّيّ، والحيّز الخاصّ به، أمور تتعلّق بالمتعلّمين الذين يحقّقون تفوّقًا تعلّميًّا، ويفتقرون إلى صناعة السلوك الذاتيّ، والوعي المجتمعيّ.

2. إعطاء الأولويّة للبناء القيميّ للمتعلّمين، ورسم جسر تواصليّ يمهّد الطريق للتحصين من الاختلالات والانحرافات القيميّة المتعدّدة. خصوصًا ونحن في عالم افتراضيّ شائك ومفتوح، تحكمه الاختلافات والثقافات المتنوّعة والتعدّد القائم على التكنولوجيا المتشعّبة، ما يعطي المتعلّمين الرغبة في الوصول إلى الجديد. وعليه فمن الضرورة الملحّة بناء سلوك قيميّ أخلاقيّ متين ينطلق من الذات للمتعلّمين، وصولًا إلى الضمير الجمعيّ للمجتمع.

4. بناء شخصيّة المتعلّم القدوة، القادر على القيادة وصناعة المعرفة والقيم والنهوض بأواصر ترابط المجتمعات، بدءًا من التعاون والتشارك والتعامل مع الأقران، داخل الصفّ وخارجه.

5. تمتين القيم الإنسانيّة للمتعلّم بترسيخ مبادئ الانتماء الوطنيّ، ومظاهر الهويّة، انطلاقًا من المناسبات الوطنيّة كأعياد الثورة والاستقلال وغيرها من المظاهر التي تسهم في صناعة قيم المتعلّم الإنسان وبنائها.

 

الأنشطة الصفّيّة وتعزيز مفهوم القيم الإنسانيّة

تظهر قيمة الأنشطة الصفّيّة بإضفاء الواقع المعزّز للقيم الإنسانيّة داخل الوسط الصفّيّ، والمتمثّل في نقل التعليم من إطاره النظريّ، إلى إطار الواقع المعزّز المعترف بمفاهيم قيميّة أخلاقيّة مرتبطة بالمسؤوليّة والإخلاص والتعاون والعدل لدى المتعلّمين. وتظهر أيضًا عبر تكريس جملة من النشاطات الصفّيّة القائمة على مشاريع جماعيّة، وتشجيع النشاطات التطوعيّة الداخليّة، وبناء روح المشاركة المتبادلة في إطار بناء نموذج المتعلّم الإنسان الصالح، داخل الصفّ وفي المجتمع العام. 
إضافة إلى ذلك تسهم الأنشطة التربويّة المختلفة من توظيف لمساقات قصصيّة، ونصوص هادفة، وربط لمفاهيم رياضيّة معرفيّة متعلّقة بالجوانب المعزّزة للقيم الإنسانيّة للمتعلّم الإنسان، في صناعة تعليم قيميّ منتج صفّيًّا ومجتمعيًّا، تتشارك فيه المدرسة والأهل والمتعلّم.

كيف نصنع متعلّمًا إنسانًا قادرًا على صناعة نجاحه ونجاح مجتمعه؟
تسند مهمّة النجاح لمن يرغب فيه، والنجاح لا يضلّ طريقه بل يقصده. والمتعلّم الإنسان هو البذرة المسقيّة من مطر القيم المنسوجة داخل الصفّ. ومنه تزرع القيمة الإنسانيّة عبر قنوات اتّصاليّة متعدّدة، يُشرك عبرها المتعلّمون في اتّخاذ مبادرات داخل الصفّ، والإحساس بروح الانتماء والهويّة الوطنيّة، والتمييز بين الحقّ والواجب، انطلاقًا من السعي لبناء المجتمعات عبر تمتين السلوك القيميّ داخل الصفّ وتثمينه فتعميمه خارج الصفّ، في إطار مستقبل مزهر يجمع بين القيم والأداء، والمتعلّم والأقران، وأفراد المجتمع.

 

قراءة استشرافيّة للمتعلّم الإنسان المستقبليّ

قبل طرح القيمة الإنسانيّة للمتعلّم الإنسان، وحدود الجانب القيميّ لديه، يجب ترسيخ مفهوم السلوك الإيجابيّ لديه؛ بالانتقال معه من النطاق النظريّ الشفويّ، إلى نطاق فهم الواقع وتعزيزه عبر تلقينه أبجديّات القيم الأخلاقيّة المختلفة؛ بدءًا من التعاون والتعاطف والإخلاص والاحترام والتعامل الحسن والتسامح والصدق والرحمة، وصولًا إلى القيم المكتسبة خارج رقعة صفّه كاحترام الكبير وتقديم العون للمحتاج. وعليه، وحتّى نبني متعلّمًا إنسانًا مستقبليًّا يجب:

1. فتح مساحة كبيرة للاحتفالات المناسباتيّة الخاصّة بالتاريخ الوطنيّ، والحاملة لقيم الولاء والانتماء وطلب العلم، والهويّة والثقافة عبر المسرح، لكونه ركح الحياة المجتمعيّة وفهمها.

2. إشراك المتعلّم في أعمال التطوّع الإيجابيّ مع مجتمعه؛ من خلال الجمعيّات الخاصّة بأمور العمل الجماعيّ المشترك.

3. دروس تدريبيّة تلقينيّة، تُعرّف القيم الإنسانيّة للمتعلّم بغرض تهيئته للحياة المجتمعيّة العامّة، والنجاح فيها.

4. صناعة المتعلّم الإنسان، تستدعي ضرورة فهمه أنّ النجاح في المجتمع مرتبط بالنجاح داخل الصفّ، عبر معادلة القيم والأخلاق والأداء.

 

***
بناء القيم الإنسانيّة وصناعة المتعلّم الإنسان يتداخلان مع تعليميّة التعليم القيميّ الأخلاقيّ، وفق نظام تربويّ متشابك، بات ضرورة ملحّة للرقيّ بالأمم وبناء حضاراتها، ففي كلّ تعليم قيميّ للمتعلّم نبني فكرة، وبكلّ فكرة نبني إنسانًا، وبكلّ إنسان نبني مجتمعًا متينًا صلبًا، وبكلّ مجتمع نصنع جيلًا قويًّا قادرًا على تحمّل مسؤوليّاته تجاه ذاته ومجتمعه ووطنه.


المرجع
علاء الدين، حمزة. (2025). التعليم القيميّ وبناء الإنسان الطريق نحو مجتمع مسؤول. المعهد العربيّ للاعتماد.