القيم.. جوهر الفلسفة التربويّة والتعليميّة
القيم.. جوهر الفلسفة التربويّة والتعليميّة
Sun, 3 May 2026 - 11:05
محمّد تيسير الزعبي | خبير مناهج اللغة العربيّة وأساليب تدريسها، ومصمم برامج تدريبيّة - الأردن

نقول دومًا التربية قبل التعليم، ويصيبنا انزعاج من السلوكات غير المُرضية، حتّى لو كانت من متفوّقين في تحصيلهم العلميّ والمعرفيّ، وغالبًا لا يشفع التحصيل العلميّ لصاحبه إذا كان مُتكبّرًا، أو لا ينخرط في الأنشطة الاجتماعيّة النافعة لمجتمعه، ويمتلك مهارات التواصل الفعّال مع بقيّة أفراده.

لا أحد منّا يعيش وحده منعزلًا 

تطرق منهجيّات في العدد الرابع والعشرين باب القيم في العمليّة التربويّة التعليميّة، مُسلّطة الضوء على هذه الناحية التي يجب أن يمتلكها الطلبة بالدرجة الأولى، وبأولويّة لا تقلّ أهمّيّة عن رغبة الأهل والمعلّمين بحصول أبنائهم وطلبتهم على الدرجات العالية والعلامات المميّزة. ذلك لأنّ المبالغة في التركيز والاهتمام بالعلامات والدرجات، وقياس معدّلات الطلبة في المجالات المعرفيّة فقط، تثير سؤالًا مهمًّا وضروريًّا: هل دور المدرسة يقتصر على تقديم طالب متفوّق في تعليمه من دون أن يكون ملتزمًا بقيم مجتمعه وأعرافه؟ 

لماذا التربية قبل التعليم؟ 

التربية هي الاسم الشائع للوزارات المعنيّة بالطلبة وشؤونهم في بلداننا العربيّة، وقديمًا كان اسمها وزارة المعارف. وهذا التحوّل له ما يبرّره، فالتربية عامّة تستهدف الإنسان بكلّيّته، وتسعى لصناعته في الجوانب كلّها، بينما التعليم يُكسبه المعارف والمهارات والأدوات. وما يختزنه العقل من التعلّم يجب أن يوظّف في جوانب أخلاقيّة تُضفي على الإنسان وجودًا مهمًّا يخدم الصالح العام. وهذا الوجود مرتبط بجوهر العمليّة التربويّة التي ترمي لتشكيل وعي الإنسان وفكره وقيمه، وتعويده على إظهار السلوك الإيجابيّ في كلّ زمان ومكان. 
وفي حياتنا اليوميّة، نحرص على تنشئة الطفل على الصدق، وعدم الأذى أو الشتم مع أنّه لم يذهب بعد إلى المدرسة. وهذا في تقديري عائد إلى إدراكنا خطورة غياب القيم عن تصرّفات الإنسان، فتخيّلوا لو أننا نخرّج طبيبًا بلا رحمة، أو مهندسًا بلا أمانة!
غياب القيم عن سلوكات المتعلّمين يُضعف الثقة بهم. ويعكس صورة سلبيّة عن النجاح والتميّز، ويجعلنا نُخرّج إلى المجتمع أجيالًا مشوّهة. بينما ربط القيم بالتفوّق أدعى لأن ترافق التربية تدريس المباحث كلّها، وأن يمثّلها المعلّمون في أدائهم كي يكونوا قدوات صالحة يفعلون أمام الطلبة ما يقولونه لهم؛ فأطراف المجتمع التعليميّ تطمح كلّها للوصول إلى الطالب الناجح المتوازن، والمتفوّق المسؤول، والمتميّز الأمين، الذي يرى في مصلحته الفرديّة بُعدًا مجتمعيًّا ضروريًّا. وهذا لن يحدث إلّا إذا كان الربط بين التربية والتعليم عميقًا وثيقًا مستدامًا.
التركيز على الجانب القيميّ، لا يعني بالضرورة ولا بأيّ حال من الأحوال إهمال الجانب المعرفيّ، إنّما بناء علاقة متكاملة ومنطقيّة بينهما لا تُفقد عمليّة تنشئة الأجيال توازنها؛ فالمجتمع برمّته هو الخاسر عندما نُقدّم جانبًا على آخر، وليس المدرسة وحدها أو الأهل وحدهم، أو المجتمع وحده. ذلك لأنّ رسالة التعليم النوعيّ الجادّ هي توظيف المعارف والعلوم في خدمة الإنسان والمجتمع، وبناء الحضارة البشريّة التي تُسهم في إسعاد البشر وبناء المواطن الصالح، لا الفرد المتفوّق وحسب.