في خضم المنظومة التعليميّة السائدة، تترسّخ ثنائيّة مغلوطة وشائعة، ألا وهي الخلط الدائم بين مفهومي التعليم والتربية. يدمج النظامُ الإثنين وكأنّهما وجهان لعملة واحدة. لكنّ الحقيقة تكمن في تميُّزهما الجوهريّ واختلافهما التام. فليسا من طبيعة واحدة بأيّ شكلٍ من الأشكال، وتهدف هذه التدوينة إلى تفكيك هذا الاشتباك وتوضيح السياق الفعليّ لكلّ منهما.
يتمحور التعليم حول نقل المعرفة المنهجيّة من عقلٍ إلى آخر، عبر عمليّة تشاركيّة تفاعليّة. تشمل هذه المعرفة المناهج الدراسيّة بمختلف تخصّصاتها، وما يرتبط بها من معلومات وسياقات إضافيّة. فهو عمليّة أكاديميّة في جوهرها، تهدف إلى إكساب الفرد الأدوات الفكريّة والمهارات المعرفيّة. أمّا التربية، فهي اشتقاق من "الربو" أيّ النموّ والزيادة، لكنّها هنا تُعنى بالنموّ الأخلاقيّ والسلوكيّ. إنّها عمليّة بناء القيم، وتعزيز السلوكيّات المحمودة، وصياغة الضمير الإنسانيّ. والسؤال الجوهريّ: هل المدرسة هي الفضاء المناسب لممارسة هذا الدور؟
في الواقع، تلقّى جيل اليوم - جيل "ألفا" – قدرًا هائلًا من تربيته خارج أسوار المدرسة، تحديدًا عبر أنظمة التكنولوجيا ومنصّات التواصل الرقميّ، التي تشكّل وعيه وقيمه بشكلٍ لا يقلُّ تأثيرًا عن الأسرة ذاتها. بالإضافة إلى ذلك، فإن التربية عمليّة شديدة الخصوصيّة، تستلزم سلطة معنويّة موجبة، ومرتبطة عاطفيًّا واجتماعيًّا بالشخص. فالوالدان هما المسؤولان القانونيّان والاجتماعيّان الأساسيّان عن تربية الولد. فكيف تُستلب هذه الأسبقيّة لصالح النظام المدرسيّ؟ عندما تتبنَّى المدرسةُ خطابًا وقيمًا تتعارض مع ما تربّى عليه الطالب في بيئته الأساسيّة، ينشأ صراع ثلاثيّ حادّ بين المدرسة والأهل والطالب نفسه، ما يخلق هوّة يصعب ردمها.
ما تروّج له المدرسة اليوم تحت مسمّى "التربية"، غالبًا ما يقتصر على قيم أكاديميّة أدائيّة مثل الاجتهاد والصبر والمثابرة، والالتزام بالمواعيد. هذه قيم مهمّة، لكنّها تبقى في إطار الأداء الوظيفيّ، ولا تشكّل تربية أخلاقيّة شاملة. وهذا يطرح تساؤلًا حول جدوى تسمية "وزارات التربية والتعليم"، حيث يكفي بحسب هذا التحليل أن تسمّى "وزارات التعليم" فقط. من تجربتي الشخصيّة، حين أحاول توجيه طالب أو تربيته على سلوك ما، قد ينتهي الأمر بشكوى منه إلى الإدارة، فأتلقّى إنذارًا خطيًّا. فمن يربّي مَن هنا؟ انقلبت الأدوار. لم يعد للمعلّم صلاحيّة توجيهيّة حقيقيّة؛ عليه أن "يقبل" التلميذ كما هو، ويسايره في بعض النواحي، أمّا عمليّة التأسيس الأخلاقيّ فهي مهمّة الأسرة النوويّة في المقام الأوّل.
مع هذا المعطى، تتحوّل تعابير مثل "قائد الصفّ" و"ملهم الطلّاب" و "مربّي الأجيال" إلى شعارات ركيكة وسوقيّة، تحمّل المعلّم ما لا طاقة له به. كانت هذه العبارات فاعلةً في النظام التعليميّ التقليديّ، حيث كان المعلّم محور العمليّة وموضع القدوة والسلطة الطبيعيّة. لكنّ النظام تحوّل إلى نموذج "من الأسفل إلى الأعلى"، حيث سُلبت صلاحيّات المعلّم ومُنحت، شكليًّا وواقعيًّا للتلميذ وذويه، حتّى صار التلميذ مجازًا قادرًا على "تربية" أستاذه! هذا هو الثمن الذي دفعناه نتيجة تبنّي نماذج تعليميّة أوروبيّة وأمريكيّة من دون وعي أو تكييف. استوردنا الشكل وتخليّنا عن السياق الاجتماعيّ والثقافيّ الذي نبتت فيه تلك النماذج، والذي يحفظ توازن الصلاحيّات والمسؤوليّات.
لن أشفق على واقع التعليم ما دمنا قد رضينا بأن يكون المعلّم مجرّد "مطيّة" لصلاحيّات طالب طائش وأهل مستهترين. فلن يستقيم التعليم إلّا في إطاره العربيّ الاجتماعيّ الأصيل. علينا أن نبتكر نموذجًا تعليميًّا عربيًّا خلّاقًا، نابعًا من احتياجاتنا وقيمنا، لا أن نستورد قوالب جاهزة، ثمّ نتباكى لاحقًا على تدهور الأخلاق وهيبة المعلّم ومستوى التعليم في عالمنا العربيّ. فنحن باختياراتنا الخطأ من أسأنا إلى مثقفينا ومربّينا، وحمّلناهم تبعات فشلٍ منهجيّ ليس من صنع أيديهم.



