في سياق استثنائيّ يعيشه قطاع غزّة، حيث يتقاطع الدمار المادّيّ مع التآكل المتسارع في الموارد الماليّة، لم يعد التعليم قطاعًا خدميًّا قابلًا للتأجيل أو التهميش ضمن أولويّات السياسات العامّة، بل غدا قضيّة وجود مجتمعيّ، تمسّ صميم القدرة على الصمود، وحفظ الهويّة الوطنيّة، واستمراريّة الوعي الجمعيّ.
ما يمكن توصيفه بالإبادة التعليميّة التي يشهدها القطاع، إلى جانب الاعتماد شبه المطلق على التمويل الخارجيّ، يفرضا سؤالًا مركزيًّا ملحًّا: هل يستطيع المجتمع الفلسطينيّ في غزّة بلورة نموذج تمويليّ مجتمعيّ مستدام، يستند إلى قيم التضامن والمسؤوليّة المجتمعيّة؟
في هذا الصدد لم يعد التعليم مجرّد خدمة تقدّمها المؤسّسات الرسميّة أو الدوليّة، بل تحوّل إلى خطّ الدفاع الأخير عن الوعي، وحاضنة الأمل للأجيال الصاعدة، والمساحة المتبقيّة للحماية النفسيّة والاجتماعيّة، للأطفال والمعلّمين، والمجتمع بأسره.
قراءة من داخل السياق
أوّلًا: تشخيص واقع تمويل التعليم في غزّة
تكشف القراءة التحليليّة للواقع التعليميّ في ظلّ حالة الطوارئ الإنسانيّة عن اختلالات بنيويّة عميقة تهدّد استمراريّة العمليّة التعليميّة، ويمكن إجمال أبرز ملامحها في ما يأتي:
1- تراجع حادّ في رواتب المعلّمين، بما يقوّض استقرارهم المهنيّ والمعيشيّ.
2- فجوة واضحة في العدالة المهنيّة بين المعلّمين النظاميّين، ونظرائهم العاملين في المبادرات المجتمعيّة.
3- إغلاق متزايد للمساحات التعليميّة، نتيجة غياب التمويل المستدام.
4- ضعف القدرة التمويليّة للمبادرات التعليميّة المؤقّتة، وعجزها عن توفير حوافز للعاملين فيها.
5 - صعوبات لوجستيّة متفاقمة، تشمل استئجار مقرّات تعليميّة وتوفير المستلزمات الأساسيّة.
6- تآكل الموارد التشغيليّة، وارتفاع تكاليفها بشكل غير مسبوق.
7- انخفاض دافعيّة المعلّمين المتطوّعين في ظلّ غياب الحوافز.
8- عجز المؤسّسات التعليميّة عن تلبية الاحتياجات الأساسيّة للطلبة.
9 - اتّساع الفجوة بين الطلب المتزايد على التعليم، والقدرة المحدودة على تلبيته.
وعكس هذه المؤشّرات مفارقة حادّة؛ فبينما يتعاظم دور التعليم أداةً للحماية النفسيّة والاجتماعيّة، تتراجع في المقابل مقوّمات استدامته الماليّة.
ثانيًا: إشكاليّة الاعتماد على التمويل الخارجيّ
لطالما شكّل التمويل الخارجيّ ركيزة أساسيّة لدعم التعليم في غزّة، غير أنّ هذا النمط من الاعتماد أفرز هشاشة بنيويّة واضحة، نتيجة تقلّبات الدعم الدوليّ، وتبدّل أولويّات الجهات المانحة.
وعليه، فإنّ استمرار الرهان الحصريّ على التمويل الخارجيّ، لا يضمن استدامة العمليّة التعليميّة، بل يستدعي إعادة التفكير في نماذج تمويل بديلة، يكون المجتمع المحلّيّ أحد مرتكزاتها الأساسيّة، بما يعزّز الاستقلاليّة ويحدّ من قابليّة التأثّر بالتغيّرات الخارجيّة.
ثالثًا: إمكانات التمويل المجتمعيّ للتعليم
يفتح الواقع الراهن المجال أمام تساؤل جوهريّ: هل تمكن إعادة تموضع المجتمع من متلقّ سلبيّ للدعم، إلى فاعل رئيسيّ في تمويل التعليم؟
على المستوى المحلّيّ، تقدّم بعض النماذج في المحافظات الشماليّة من فلسطين (الضفّة الغربيّة)، مؤشّرات أوليّة، مثل نظام ضريبة التربية والتعليم الذي يخصّص نسبة من إيرادات الإيجارات لدعم التعليم. وعلى رغم اختلاف السياق الاقتصاديّ في غزّة، إلّا أنّ هذه التجربة تتيح إمكانات للتفكير في صيغ مرنة ومتكيّفة مع الواقع المحلّيّ.
أمّا على المستوى الدوليّ، فتؤكّد التجارب المقارنة أنّ الأنظمة التعليميّة الأكثر استدامة هي تلك التي تُبنى على شراكة مجتمعيّة واسعة، لا تقتصر على التمويل، بل تمتدّ إلى المشاركة في صنع القرار، وتعزيز المساءلة المجتمعيّة، وثقافة الاستثمار في المعرفة.
رابعًا: كرامة المعلّم مدخلًا للإصلاح
لا يمكن تصوّر أيّ إصلاح تعليميّ فعّال من دون ضمان الاستقرار المهنيّ والمعيشيّ للمعلّم. فالمعلّم يمثّل الركيزة المركزيّة في بناء الإنسان، وأيّ إضعاف لمكانته ينعكس مباشرة على جودة التعليم ومخرجاته.
وعليه، تنبغي إعادة تعريف راتب المعلّم بوصفه استثمارًا استراتيجيًّا في استقرار المنظومة التعليميّة، وليس مجرّد بند ماليّ قابل للتقليص.
ويبرز هنا سؤال محوريّ: هل يمكن أن تتصدّر كرامة المعلّم أولويّات أيّ نموذج تمويليّ مستقبليّ؟
خامسًا: أسئلة إشكاليّة حول المستقبل
تفرض الأزمة الراهنة مجموعة من الأسئلة المفتوحة التي تستدعي تفكيرًا جماعيًّا عميقًا، ومن أبرزها:
• هل يمكن الانتقال التدريجيّ نحو نماذج تمويل مجتمعيّة محلّيّة في غزّة؟
• إلى أيّ مدى يستطيع المجتمع الفلسطينيّ في غزّة، على رغم محدوديّة موارده، بناء منظومة تضامنيّة داعمة للتعليم؟
• هل يمكن ترسيخ تمويل التعليم مسؤوليّةً يوميّة مشتركة؟
• كيف تمكن إعادة الاعتبار للمعلّم بوصفه أولويّة مركزيّة في أيّ مشروع إصلاحيّ؟
هذه التساؤلات بريئة لكنّها شائكة، ولا تقدّم إجابات جاهزة، لكنّها تعكس إرادة واعية لرفض منطق العجز والاستسلام.
سادسًا: مقترحات عمليّة لنموذج تمويل مجتمعيّ
تمكن بلورة مجموعة من التدخّلات العمليّة التي تسهم في دعم التعليم في غزّة، ومن أبرزها:
1. إنشاء صندوق وطنيّ مجتمعيّ للتعليم: يقوم على إسهامات دوريّة من الأفراد والقطاع الخاصّ، بما يضمن موردًا ماليًّا مستدامًا.
2. تبنّي المدارس والمساحات التعليميّة: بمبادرات مجتمعيّة تتكفّل بدعم مؤسّسات تعليميّة أو رواتب معلّمين.
3. تعزيز دور المؤسّسات الماليّة والتجاريّة: بتخصيص جزء من أرباحها لدعم التعليم ضمن أطر المسؤوليّة الاجتماعيّة.
4. تخصيص موارد محلّيّة للتعليم: بتوجيه نسب محدّدة من بعض الإيرادات أو الرسوم المحليّّة لدعم التعليم.
5. مواءمة المبادرات المجتمعيّة مع الأولويّات التعليميّة: بما يعزّز توجيه الموارد نحو دعم التعليم بشكل مباشر.
6. تفعيل دور المؤسّسات الإغاثيّة: بإدماج التعليم ضمن أولويّات التدخّل الإنسانيّ.
***
إعادة تموضع التعليم أولويّةً مجتمعيّة في غزّة تتطلّب تحوّلًا في الوعي الجمعيّ، بحيث يُنظر إليه بوصفه قضيّة أمن مجتمعيّ ورافعة للاستمرار الحضاريّ، لا خدمة قابلة للتأجيل.
ويستدعي ذلك:
ـ دمج التعليم في الخطاب المجتمعيّ العام.
ـ ربطه بكرامة المجتمع وهويته.
ـ تعزيز الشفافيّة في إدارة موارده.
ـ توسيع دائرة المشاركة المجتمعيّة في صنع القرار التعليميّ.
رغم شحّ الموارد، يمتلك المجتمع في غزّة رأسمالًا اجتماعيًّا قادرًا على ابتكار حلول تضامنيّة خلّاقة.
فالتحدّي الحقيقيّ لا يكمن في ندرة الإمكانات فحسب، بل في القدرة على تحويل التعليم إلى أولويّة فعليّة ومستدام؛ فالتعليم في غزّة ليس خيارًا، بل مسألة وجود.



