نحو بناء إنسان فاعلٍ ومسؤول: معًا لدمج قيم المواطنة في المنهج الدراسيّ
نحو بناء إنسان فاعلٍ ومسؤول: معًا لدمج قيم المواطنة في المنهج الدراسيّ
2026/02/08
نسرين كزبور | باحثة ومدرّبة تربويّة ومعلّمة رياضيّات- لبنان

في ظلّ التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة التي يشهدها العالم المعاصر، بات من الضروريّ أن تتحمّل النظم التربويّة مسؤوليّتها في إعداد جيلٍ يمتلك المهارات المعرفيّة والوجدانيّة والسلوكيّة التي تؤهّله للإسهام الفاعل في مجتمعه. ولا يمكن تحقيق هذا الهدف من دون دمج قيم المواطنة في المنهج الدراسيّ، باعتبارها البوصلة التي تهدي سلوك المتعلّم وتوجّه وعيه تجاه ذاته والآخر والوطن والعالم. فما مفهوم المواطنة وأبعادها التربويّة؟ وما أهمّيّة دمج قيم المواطنة في المناهج الدراسيّة؟ وكيف ندمج قيمها؟ وما التحدّيات التي تواجه دمجها وآليّة مواجهتها؟

تُعرّف المواطنة بأنّها الانتماء الفعليّ والواعي للفرد تجاه وطنه، والمشاركة الفعّالة في تطويره وحمايته، بما يتضمّنه ذلك من احترام القوانين، والمساواة والعدالة والتسامح، والانخراط في الشأن العامّ. والمواطنة قيمة متعدّدة الأبعاد، أهمّها: البُعد المعرفيّ الذي يتصلّ بفهم الحقوق والواجبات؛ والبُعد الوجدانيّ الذي يتمثّل بالشعور بالانتماء والولاء؛ والبُعد السلوكيّ الذي ينعكس بالممارسة اليوميّة والتّفاعل الإيجابيّ مع القضايا المجتمعيّة.

 يُعدُّ دمج قيم المواطنة داخل المنهج الدراسيّ عمليّة استراتيجيّة تتجاوز كونها مطلبًا أخلاقيًّا أو وطنيًّا، ليغدو عنصرًا محوريًا في بناء مجتمع متماسك ومنتج. وتبرز أهمّيّة هذا الدمج في الآتي:

 أوّلًا، بناء الهويّة الوطنيّة وتعزيز الانتماء؛ تضمين القيم الوطنيّة في مختلف الموادّ الدراسيّة يُسهم في ترسيخ الهويّة الوطنيّة لدى المتعلّمين، ويحميهم من التمزق الهُوِّياتيّ في ظلّ العولمة. فتَعلّمهم مفاهيم مثل العدالة والمساواة واحترام القانون يجعلهم أكثر وعيًا بمسؤوليّاتهم تجاه وطنهم.

ثانيًا، مواجهة مظاهر العنف والتطرّف؛ يُعدّ غياب التربية على المواطنة من أسباب شيوع السلوكيّات السلبيّة داخل المدارس، مثل العنف والتنمّر والتمييز. أمّا دمج هذه القيم، فيرسّخ ثقافة التسامح، وقبول الآخر، والحوار البنّاء، ويعزّز روح التعايش داخل المجتمع المدرسيّ.

ثالثًا، تطوير الكفايات الشخصيّة والاجتماعيّة؛ يتيح تعليم المواطنة للمتعلّمين فرصة تطوير مهارات التفكير النقديّ، واتّخاذ القرار، وحلّ المشكلات، والعمل الجماعيّ، وهي مهارات أساسيّة في الحياة المعاصرة. كما إنّه يرسّخ لديهم القيم الاجتماعيّة مثل المسؤوليّة، والمبادرة، والمشاركة في خدمة المجتمع.

رابعًا تحقيق التكامل بين الجوانب المعرفيّة والقيميّة؛ الاقتصار على الجوانب المعرفيّة في التعلّيم يؤدّي إلى إنتاج جيل متعلّم لكنّه غير ملتزم. أما إدماج القيم في المحتوى الدراسيّ، فيُعيد إلى التعلّيم وظيفته التربويّة في بناء الشخصيّة المتكاملة، ويجعل من المعرفة وسيلة لخدمة الإنسان والمجتمع.

دمج قيم المواطنة لا يتمّ فقط بمادّة دراسيّة منفصلة مثل "التربيّة الوطنيّة"، بل يجب أن يُنفّذ بطريقة عرضيّة وشموليّة عبر الموادّ والأنشطة التعليميّة. ومن أبرز آليّات الدمج تحليل المحتوى التعليميّ وإعادة تصميمه؛ ينبغي تحليل محتوى المناهج الحاليّة لرصد الفرص التي يمكن بها إدماج مفاهيم المواطنة، سواء بشكل مباشر (مثل دروس الحقوق والواجبات)، أو غير مباشر (مثل تحليل شخصيّات أدبيّة أو أحداث تاريخيّة تعكس سلوك المواطنة أو احتساب الهدر الغذائيّ بلغة الأرقام لخدمة المواطنة البيئيّة). واستخدام استراتيجيّات تدريس تفاعليّة، على سبيل المثال: التعلّم القائم على المشروع، والتعلّم بالخدمة المجتمعيّة، والمحاكاة والعصف الذهنيّ، وحلقات النّقاش. هذه الأساليب تساعد المتعلّمين على ممارسة المواطنة لا على حفظها فقط.

إضافة إلى ذلك، تهيئة البيئة المدرسيّة كمساحة للمواطنة، يجب أن تكون المدرسة نفسها نموذجًا حيًّا لقيم المواطنة، بتطبيق مبادئ العدالة والمساواة، وتحفيز المتعلّمين على المشاركة في صنع القرار، وتنفيذ مبادرات تطوعيّة داخل المدرسة والمجتمع المحلّيّ.

كما يجب تأهيل المعلّمين وتدريبهم، فالمعلّم هو المحرّك الأساسيّ في تفعيل قيم المواطنة. لذا، لا بدّ من تقديم برامج تدريبيّة تساعده على دمج هذه القيم في الممارسات الصفّيّة، وتطوير قدراته في توظيف مواقف تعليميّة داعمة للمواطنة الفاعلة.

على رغم الأهمّيّة البالغة لدمج القيم، إلا أنّ هذه العمليّة قد تواجه مجموعة من التحدّيات، منها: غلبة التوجّه المعرفيّ في المناهج على حساب القيم. وضعف تكوين المعلّمين في المجال القيميّ. ونقص الموارد التربويّة والتقنيّة الداعمة للتطبيق. وعدم وجود مؤشّرات واضحة لتقييم مدى تحقّق قيم المواطنة. ولمواجهة هذه التحدّيات، لا بدّ من تبنّي رؤية شموليّة تربط بين السياسات التربويّة والممارسات الصفّيّة، وتفعيل التعاون بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدنيّ.

يشير ما سبق إلى إنّ دمج قيم المواطنة في المنهج الدراسيّ ليس خيارًا تربويًّا بل ضرورة وجوديّة تفرضها التحوّلات المتسارعة في عالم اليوم. فبناء مجتمع ديمقراطيّ متماسك يبدأ من المدرسة، ومن خلال مناهج تُربّي على القيم، لا تكتفي بنقل المعارف. الاستثمار في المواطنة داخل الصفّ الدراسيّ استثمار في مستقبل الوطن. فهل يستطيع المجتمع التربويّ إعادة رسم ملامح التعليم ليكون الحاضن الأوّل لقيم المواطنة في عصر العولمة الرقميّة؟