في بداية مسيرتي التعليميّة، كنت أتعامل مع أنواع الذكاء عند الطلبة بطريقة عفويّة، نابعة من ملاحظاتي اليوميّة وتحليلي لتصرفاتهم واحتياجاتهم؛ إذ كنت دائمًا أضع الطالب في مركز اهتمامي، وأعتبر الحوار معه أداة أساسيّة لفهمه وتوجيهه، من دون إدراك لمفهوم الذكاءات.
وفي سنة 2018، حضرت ندوة بعنوان "كيف تقرأ طفلك ككتاب مفتوح"، قدّمها مدرّب دوليّ، تحدّث فيها عن كيفيّة فهم عقليّة الطفل منذ ولادته وحتّى مرحلة المراهقة، موضّحًا بالتفصيل كيف يعمل دماغه، وكيف يتلقّى المعلومات ويحلّلها ويتفاعل مع محيطه. كما تطرّق إلى مفهوم الذكاءات المتعدّدة، وهو ما فتح أمامي أفقًا جديدًا في فهم طبيعة كلّ طالب واحتياجاته.
في ذلك الوقت، لم يكن الذكاء الاصطناعيّ قد دخل إلى المجال التعليميّ، وكانت وسائل التواصل الاجتماعيّ هي السائدة، وفي أوج استخدامها، فكان لغوغل وفيس بوك دور أساسيّ في فهم بعض من الذكاءات، عبر متابعة صفحات مدرّبين وتربويّين يشاركون خبراتهم وتجاربهم.
في العام التالي، واجهت تحدّيًا حقيقيًّا مع إحدى طالباتي، التي كانت تعاني قصورًا حركيًّا يمنعها من المشي، بالإضافة إلى تأخّر نمائيّ واضح؛ حيث كانت في الصفّ الثامن وعمرها 19 سنة. كانت قادرة على القراءة والتحليل، لكنّ قدرتها على استيعاب كمّ كبير من المعلومات كانت محدودة.
هذا الموقف دفعني إلى التساؤل: كيف يمكنني تبسيط مفاهيم الفيزياء المعقّدة لها، باستخدام أدوات تعليميّة بسيطة ومحدودة؟
ومن هُنا بدأت رحلتي الحقيقيّة في البحث عن إمكانيّات كلّ طالب، ومحاولة استكشاف قدراتهم الفرديّة وتفعيلها، مستندة إلى فهم أعمق لمفهوم الذكاءات المتعدّدة، وبسعي دائم لتقديم تعليم شامل وإنسانيّ.
لنربح الطالب، لا بدّ من الإحاطة به من جميع النواحي. قد يرى البعض أنّ العلامة هي الأساس في عمليّة تقييم الطالب، لكنّي لا أراها كذلك. فالطالب في نظري كُتلة متكاملة متشعّبة الجوانب. وما أودّ التطرّق إليه لفهم أحد هذه التشعّبات هو: أنواع الذكاءات لديه.
تعريف الذكاء في السياق التربويّ
هو القدرة العقليّة على التعلّم والفهم واكتساب المعرفة واستخدامها في الحياة اليوميّة والمواقف الدراسيّة، ما يتطلّب التفكير النقديّ، وحلّ المشكلات والابتكار، والتفاعل الاجتماعيّ الفعّال. ومن المهمّ أن نلاحظ أنّ الذكاء ليس سمة ثابتة، بل هو قابل للتطوير عبر التعلّم والممارسة. كما إنّ مظاهره تختلف من شخص إلى آخر، حيث يتميّز كلّ فرد بنوع معيّن من الذكاء، سواء كان أكاديميًّا أو اجتماعيًّا أو غيره.
نظريّة الذكاءات المتعدّدة - هوارد غاردنر (Howard Gardner):
تشير النظريّة إلى وجود أنواع متعدّدة من الذكاء، وكلّ فرد يمتلك مزيجًا مختلفًا منها. وهذه الأنواع تشمل:
- 1. الذكاء اللغويّ .(Linguistic Intelligence) :
القدرة على استخدام اللغة بفعاليّة في الكتابة أو التحدّث. - 2. الذكاء المنطقيّ- الرياضيّ .(Logical-Mathematical Intelligence) :
القدرة على التحليل المنطقيّ، وحلّ المشكلات، والتفكير النقديّ، واستخدام الأرقام.
- 3. الذكاء البصريّ- المكانيّ .(Visual-Spatial Intelligence) :
القدرة على تصوّر الأشكال والأبعاد والتعامل مع الصور ذهنيًّا. - 4. الذكاء الجسديّ- الحركيّ .(Bodily-Kinesthetic Intelligence) :
القدرة على استخدام الجسم بمهارة للتعبير أو حلّ المشكلات. - 5. الذكاء الموسيقيّ .(Musical Intelligence) :
القدرة على التمييز بين الأصوات والإيقاعات والنغمات. - 6. الذكاء الشخصيّ .(Intrapersonal Intelligence) :
القدرة على فهم الذات والأفكار والدوافع. - 7. الذكاء الاجتماعيّ .(Interpersonal Intelligence) :
القدرة على فهم الآخرين والتفاعل معهم بفاعليّة. - 8. الذكاء الطبيعيّ .(Naturalist Intelligence) :
القدرة على التمييز بين الكائنات الحيّة وفهم البيئة الطبيعيّة.
أدرج التربويين لاحقًا أنّ الذكاء العاطفيّ يدخل من ضمن الذكاء الاجتماعيّ والذكاء الشخصيّ، ليأتي بعدها دانيال جولمان (Daniel Goleman) ويوضّح مفهوم الذكاء العاطفيّ ويقسّمه خمسة عناصر: الوعي بالذات، وتنظيم الذات، والدافعيّة، والتعاطف، والمهارات الاجتماعيّة. حيث ركّز على دور المشاعر في النجاح العمليّ والاجتماعيّ، وليس فقط التفوّق الأكاديميّ.
تطبيقات عمليّة في الصفّ:
إدراك أنّ لكلّ طالب نوع ذكاء مميّزًا يفتح أمام المعلّم بابًا عريضًا يدخل منه إلى ذهنيّة الطالب ويتجوّل في أعماقه؛ حيث تتغيّر استراتيجيّاته وطريقة تعاطيه مع الطالب بناء على الذكاءات المتعدّدة. وهنا تكمن براعة المعلّم باختيار ما يتلاءم مع الجميع، وبطريقة تعاطيه مع هذه الذكاءات، من دون أن تشكّل له عائقًا في التكيّف مع طلّابه. وهذا ينتج عن خبرة تراكميّة مع السنين، ولا سيّما إذا كانت خبرة المعلّم في المدرسة ذاتها؛ إذ تتشكّل لديه قاعدة بيانات تمكن الاستفادة منها من سنة لأخرى، مع تحليل عميق للشخصيّات الموجودة وإدراك الجوانب المختلفة عند الطالب، فيتحوّل الصفّ إلى مجتمع تعليميّ ينبض بالحياة، ينمو فيه الجميع، ويوثّر إيجابيًّا في المحصول الدراسيّ.
أتعامل بكلّ صفّ بشكل منفرد، لا أوحّد الاستراتيجيّات، ولا أخطّط لها. هي تنبع في لحظتها بحسب ما يتكيّف معي داخل الصفّ وما يلائم مادّتي ودرسي الذي يُعرض، أو المسألة المراد حلّها. أركّز على المفاهيم العلميّة كلّ مرة بطريقة مختلفة وبأسلوب مختلف، لأصل إلى أكبر عدد ممكن من الذكاءات المتواجدة. ولا شكّ أنّ التركيز على من هم في مستوى متوسّط أو أقلّ هو الأساس، إضافة إلى التركيز مع الطلّاب غير المتفاعلين الذين يمتلكون تحدّيات تعيق من فهمهم الدرس. كما إنّ متابعة الأهل لأولادهم لا يقلّ أهمّيّة عن دور المعلّم في فهم ذكاء الطالب؛ وذلك بالاستناد إلى هواياته وعاداته في البيت، وطريقة تعامله مع أهله. وكلّه يصبّ في الحجر الأساس.
في هذه الرحلة الفكريّة والتربويّة، يتّضح أنّ التعليم هو فهم الطالب بوصفه كائنًا متكاملًا مختلف الجوانب، يحمل مزيجًا مثل البصمة الوراثيّة، يجعل كلّ طالب فريدًا ومختلفًا. وفهم هذا الاختلاف يمكّن المعلّم من تصميم أساليب تعليميّة تراعي الجميع، وتعزّز عند الطالب نقاط القوّة وتحسّن نقاط الضعف، وتبنيه ليخرج الى مجتمعه كاملًا متكاملًا، قادرًا على استخدام ذكاءاته ببراعة وتوظيفها بمجتمعه ومحيطه.


