من المناهج الموحّدة إلى المعايير المتفق عليها
من المناهج الموحّدة إلى المعايير المتفق عليها
2023/06/18
محمّد تيسير الزعبي | خبير تطوير أساليب تدريس اللغة العربيّة - الأردن

تبدو مسألة الاتّفاق على معايير واضحة ينبغي أن يحقّقها الطالب العربيّ في تعلّم اللغة العربيّة ضمن مرحلته العمريّة، أكثر واقعيّة من مسألة توفير منهاج موحّد للدول العربيّة.

يثير الروائيّ المصريّ إبراهيم فرغلي في مقاله المنشور في العدد الثاني عشر من مجلّة منهجيّات، النقاش حول مناهج اللغة العربيّة، والمأزق الذي أدّى إلى افتقار الشباب العربيّ إلى مهارات أساسيّة في القراءة والكتابة، وحول البُعد الواضح عن أصول النحو العربيّ. وهو يرجع السبب في هذا الاغتراب الثقافيّ الذي يعيشه طلبتنا، رغم انفتاحهم على كثير من الثقافات العالميّة وإتقانهم لغات أخرى، إلى فقر مناهج اللغة العربيّة الحديثة، ويقترح حلًّا لهذه الإشكاليّة بتوحيد المناهج بين الدول العربيّة.

عادات كثيرة تختلف بين الدول العربيّة، ولكلّ مجتمع عاداته وتقاليده وتراثه التي تحرص النظم العربيّة على أن تظهر في المناهج الدراسيّة، فضلًا عن الاتّجاهات السياسيّة والاقتصاديّة، والأفكار الفلسفيّة التي تتباين بين النظم الحاكمة في كل دولة عربيّة، واختلاف نظرتها نحو القضايا العالميّة والحوادث التاريخيّة؛ فهذه الجوانب يُعبّر عنها في المناهج الدراسيّة ووسائل الإعلام وأيّ وسيلة تخاطب مع الناس. من هنا، يبدو من الصعوبة بمكان توفير منهاج واحد لتدريس اللغة العربيّة في المراحل الدراسيّة، رغم معاناة الدول العربيّة كافّة في هذا الجانب، والتحدّيات الكثيرة التي تواجهها في مجال تدريس اللغة العربيّة في مدارسها.

نحن بحاجة إلى حلّ جذريّ وناجع لمسألة الاغتراب اللغويّ الذي تعاني منه الأجيال الناشئة في بلداننا العربيّة.

أعتقد أنّ اتّفاق النظم التعليميّة العربيّة على معايير موحّدة لتدريس اللغة العربيّة للناطقين بها سيكون أكثر جدوى. فهذا الأمر يتيح للنظم التعليميّة العربيّة اختيار ما تشاء من النصوص التي تُضمّنها في مناهجها، ويترك لها المجال واسعًا لإدراج ما تشاء من مواقف وعادات وتراث، فضلًا عن تنوع آليّات اختيار تلك النصوص المرنة. وفي جانب آخر، فإنّ وجود المدارس التي تعتمد نظم التعليم الأجنبيّة في الدول العربية، لن يصبح سببًا في حدوث الاغتراب اللغويّ - كما يرى فرغلي؛ فالطالب، في النهاية، يجب أن يحقّق معاير التعلّم أو جزءًا منها يمكّنه من الانتقال إلى المستوى اللاحق.

 

ما يميّز التعلّم المستند إلى المعايير أنّه يجسّر الفجوات بين مناهج اللغة العربيّة في البلدان العربيّة، فالمناهج وإن كانت في ظاهرها تركّز على مهارات الاستماع والتحدّث والقراءة والكتابة، إلّا أنّها تتباين وبشدّة في المتوقَّع من الطالب بعد إنهاء جزء من المنهاج؛ فما هو متوقّع في مهارة الكتابة من طالب في الصفّ الثالث في بلد عربيّ، على سبيل المثال، مختلف عنه في بلد عربيّ آخر. وكذا الأمر مع بقيّة المهارات اللغويّة الأخرى، الأمر الذي يفرض وضع معيار محدّد يصل إليه طلبة العربيّة في الدول العربيّة، بعد اجتياز تعلّم محدّد وفي المهارات اللغويّة كلّها.

حتّى يؤتي نهج المعايير أُكله، فإنّه لا بدّ أن ينبثق من خصائص اللغة العربيّة ذاتها، فلا تكون مترجمة ولا معرّبة. وهذا الأمر لفت انتباه أكاديميّة الملكة رانيا لتدريب المعلمين في الأردن التي شكّلت فريقًا عربيًّا  بقيادة الدكتورة هنادي ديّة التي تمتلك تجربة تربويّة عميقة عابرة لنظم تربويّة كثيرة، وضع معايير تعليم اللغة العربيّة للناطقين بها؛ حيث درس الفريق مناهج وزارات التربية في عدد من البلدان العربيّة دراسة شاملة، للمقارنة بين هذه المناهج، والتوصّل إلى المشترك بينها. ثمّ حدّد ثلاث ركائز استند إليها في صياغة المعايير، هي: البحوث التي تجرى في ميدان التربية، وبخاصّة البحوث العربيّة في مجال اكتساب اللغة وعلم النفس التربويّ؛ والركيزة الثانية دراسة المناهج العربيّة والتوصّل إلى المشترك بينها؛ والركيزة الثالثة هي وضع المعايير باللغة العربيّة وعدم ترجمتها.

تكتسب هذه المعايير أهمّيّتها من كونها تحدّد المعارف التي يجب أن يكتسبها الطالب، والمهارات التي يجب أن يتقنها في كلّ مرحلة دراسيّة يتخطّاها، ثمّ تقيس مدى تحقّق المعيار في تعلّم الطالب، بحيث يخرج المعلّم في نهاية كل مرحلة دراسيّة بتصوّر شامل وحقيقيّ لما حقّقه الطالب من أهداف التعلّم المحدّدة في كلّ معيار.

جهود أكاديميّة الملكة رانيا في توفير معايير واضحة ليست الوحيدة في منطقتنا العربيّة، بل يوجد الكثير من المبادرات. لكن، ما يميّز هذه المعايير أنّها لا تختصّ بدولة أو منطقة أو نظام تعليميّ، بل هي معايير موحَّدة لتعليم اللغة العربيّة للناطقين بها، تُبيّن المعارفَ والمهارات التي يجب أن يكتسبها متعلّمُ اللغة العربيّة في نهاية تعلّمه المدرسيّ، وذلك بغضّ النظر عن الدولة أو المنطقة أو المدرسة التي يدرّس فيها.

 

في النهاية، تفرض طبيعة تعليم اللغة العربيّة تشابه المهارات المتوقّعة من الطلبة، بغضّ النظر عن المنهاج الذي يدرسونه، وفي أيّ دولة وتحت أيّ نظام تعليميّ. لكنّ هذه المهارات المتوقّعة يمكن تحقيقها وقياسها باستخدام معايير واضحة، وليس باستخدام منهاج موحّد يفتقر إلى رؤية واضحة للتوقّعات النهائيّة، ولا يتضمّن تحديد معارف المتعلّم ومهاراته بعد انتهاء مرحلة تعلّمه المدرسيّ. وبناء على هذا فهو قاصرٌ عن قياسها قياسًا موحّدا يبيّن تحقّقَ التعلّم في مهارات اللغة العربيّة المستهدفة.