من الدمج الشكليّ إلى الدمج الحقيقيّ: كيف يصنع المعلّم تعليمًا شاملًا داخل الصفّ؟
من الدمج الشكليّ إلى الدمج الحقيقيّ: كيف يصنع المعلّم تعليمًا شاملًا داخل الصفّ؟
هاني جرجس عيّاد | أستاذ علم الاجتماع - كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة – الجامعة الإسلاميّة في منيسوتا- الولايات المتحدة الأمريكيّة/ مصر

الدمج التعليميّ لم يعد مجرّد تواجد الطلّاب ذوي الاحتياجات الخاصّة في الصفوف العاديّة، بل أصبح عمليّة تربويّة شاملة، تهدف إلى تمكين كلّ طالب من المشاركة الفعليّة في التعلّم. وتشير الدراسات، مثل برادلي وآخرون (2000)، إلى أنّ كثيرًا من المدارس تعتمد ما يعرَف بالدمج الشكليّ، والذي يكون فيه الطالب حاضرًا جسديًّا فقط، من دون تعديل أساليب التدريس لتتناسب مع قدراته واحتياجاته، ما يؤدّي غالبًا إلى شعوره بالعزلة أو الانعزال عن العمليّة التعليميّة، ويؤثّر في تحفيزه ورغبته في التعلّم. في المقابل، يركّز الدمج الحقيقيّ على خلق بيئة تعليميّة عادلة وتفاعليّة، والتي تنتج من تعديل المحتوى، وإعادة هيكلة طرق التعلّم، وتوزيع الأدوار داخل الصفّ بما يتوافق مع تنوّع قدرات الطلّاب، ليصبح كلّ طالب جزءًا فاعلًا من المجتمع الصفّيّ.

يهدف هذا المقال إلى استكشاف الفروق بين الدمج الشكليّ والدمج الحقيقيّ، وتسليط الضوء على الدور الحاسم للمعلّم في تحويل الصفّ إلى بيئة شاملة لجميع الطلّاب. كما يقدّم استراتيجيّات وأساليب عمليّة، تمكّن المعلّمين من ضمان مشاركة فعّالة ومتساوية، بما يعزّز نموّ الطلّاب ومشاركتهم داخل المجتمع الصفّيّ، ويحوّل الصفّ من مجرّد مساحة حضور جسديّ، إلى بيئة تعليميّة متكاملة وحيّة.

 

عندما يتحوّل المحتوى: نموذج من حصّة اللغة العربيّة

يشكّل المحتوى الدراسيّ نقطة الانطلاق لتطبيق الدمج الحقيقيّ. ففي أحد الصفوف الابتدائيّة الدامجة في القاهرة، واجه المعلّم تفاوتًا واضحًا في القدرات القرائيّة بين الطلّاب، الأمر الذي جعل تقديم نصّ واحد للجميع ممارسة شكليّة، لا تعكس احتياجات المتعلّمين. ولتجاوز هذا التحدّي، أعدّ المعلّم ثلاث نسخ متدرّجة من النصّ ذاته، بحيث تتباين النسخ في طول الجمل، ومستوى المفردات، وكثافة المعلومات. هذا التدرّج مكّن كلّ طالب من متابعة الدرس من نقطة مناسبة لقدراته، من دون الشعور بالنقص أو الإقصاء.

إضافة إلى ذلك، اعتمد المعلّم وسائط بصريّة داعمة، مثل الخرائط الذهنيّة والصور التوضيحيّة، تحديدًا مع الطلّاب الذين يعانون صعوبات في القراءة، أو يحتاجون إلى تعزيز بصريّ لفهم المفاهيم. اختُتمت الحصّة بنشاط تعاونيّ يجمع الطلّاب من مستويات مختلفة، لإعداد ملخّص جماعيّ للنصّ، بعد أن أصبح التنوّع مصدرًا للتفاعل والإبداع، لا حاجزًا يمنع التواصل. هذا النموذج يوضّح أنّ الدمج الحقيقيّ يتحقّق عندما يُعاد تشكيل المحتوى ليصبح متاحًا للجميع، من دون المساس بالعمق المعرفيّ للدرس.

عندما تتغيّر طريقة التعلّم: نموذج من حصّة الرياضيّات

لا يقتصر الدمج الحقيقيّ على تعديل المحتوى فحسب، بل يمتدّ إلى إعادة هيكلة طريقة التعلّم نفسها. في أحد صفوف الرياضيّات للمرحلة المتوسّطة، لاحظ المعلّم اختلافات كبيرة في قدرة الطلّاب على استخدام الرموز الرياضيّة، وفهم العلاقات العدديّة. لمواجهة هذا التفاوت، اعتمد المعلّم استراتيجيّة محطّات التعلّم، والتي توزّع الطلّاب في أربع محطّات مختلفة، تتطلّب كلّ منها مهارة محدّدة.

في المحطّة الحسّيّة، استخدم الطلّاب المكعّبات والمجسّمات لإجراء عمليّات الجمع والطرح بطريقة ملموسة، ما ساعد الطلّاب الذين يفضّلون التعلّم العمليّ في فهم المفاهيم بسهولة أكبر. في المحطّة الرقميّة، عمل الطلّاب على تطبيقات تفاعليّة، توفّر تمارين مباشرة مع تغذية راجعة فوريّة، ما عزّز التعلّم الذاتيّ والتكرار الفرديّ. أمّا المحطّة المخصّصة للطلّاب المتقدّمين، فقد احتوت مهامًّا أعلى مستوى، بينما حصل الطلّاب الذين يحتاجون إلى دعم إضافيّ، على متابعة فرديّة في المحطّة التوجيهيّة تحت إشراف المعلّم. منح هذا الأسلوب الطلّاب حرّيّة الحركة وتنوّعًا في الخيارات، وخلق توازنًا بين الاستقلاليّة والدعم، ليصبح درس الرياضيّات تجربة جماعيّة مشتركة، بدلًا من اختبار لقدرات متباينة.

 

عندما يُعاد توزيع الأدوار: نموذج من حصّة العلوم

توفّر حصص العلوم مساحة مثاليّة لتطبيق الدمج الحقيقيّ، عن طريق توزيع الأدوار وفق نقاط القوّة لدى الطلّاب. في درس حول دورة الماء، قسّم المعلّم الطلّاب إلى مجموعات صغيرة، وحدّد لكلّ عضو دورًا محدّدًا، مثل قارئ للنصّ العلميّ، ومسؤول عن الأدوات، ورسّام للمخطّط، ومتحدّث للعرض النهائيّ.

هذا التوزيع لم يكن عشوائيًّا، بل استند إلى قدرات كلّ طالب، ما أتاح مشاركة عادلة للجميع. تمكّن طالب يعاني إعاقة سمعيّة من أداء دور الرسّام بدقّة، بينما تولّى طالب خجول مسؤوليّة الأدوات، من دون الحاجة إلى التحدّث أمام المجموعة. كما ساعد الطلّاب المتقدّمون زملاءهم أثناء النشاط، ما عزّز روح التعاون والتكامل. بهذا الشكل، تحوّل النشاط العلميّ من تجربة فرديّة إلى خبرة جماعيّة حقيقيّة، إذ أصبح كلّ طالب جزءًا فاعلًا من العمليّة التعليميّة، متجاوزًا الدمج الشكليّ نحو الدمج الحقيقيّ، المبنيّ على المشاركة الفعليّة.

 

عندما تتحوّل الخرائط إلى قصص: نموذج من حصّة الدراسات الاجتماعيّة

في بداية الحصّة، طلب المعلّم إلى الطلّاب تخيّل أنّهم مستكشفون، يسافرون عبر المدن والقرى المصريّة القديمة، لمعرفة تأثير الجغرافيا في حياة السكّان وتطوّر الحضارات، ما جعل الطلّاب متحمّسين منذ اللحظة الأولى. أظهر لهم هذا أنّ درس الدراسات الاجتماعيّة ليس مجرّد قراءة نصوص، بل رحلة لفهم الزمن والمكان. لاحظ المعلّم تفاوتًا واضحًا بين قدرة كلّ واحد من الطلّاب على فهم الخرائط والمخطّطات التاريخيّة والجغرافيّة، فبعضهم يتقن القراءة السريعة والتحليل، بينما يحتاج آخرون إلى وسائل بصريّة، أو نشاط عمليّ لتثبيت المعلومات.

لتطبيق الدمج الحقيقيّ، أعدّ المعلّم موادّ متنوّعة، تشمل خرائط مبسّطة للطلّاب الذين يحتاجون إلى دعم إضافيّ، ونصوص متدرّجة للطلّاب المتوسّطين، وتحليلات معمّقة للطلّاب الأكثر قدرة على التفكير النقديّ. وزّع المعلّم الطلّاب إلى مجموعات صغيرة، وحدّد لكلّ طالب دورًا يتناسب مع قدراته: قراءة النصوص وتحليلها، ورسم خرائط ومخطّطات، وإعداد بطاقات زمنيّة، أو عرض النتائج أمام الصفّ. أدمج المعلّم نشاطًا تمثيليًّا، لتوضيح انتقال القوافل وتأثير التضاريس في التجارة والزراعة، واختتم الحصّة بنشاط جماعيّ لإعداد تقرير قصصيّ، يربط بين المكان والزمن وتأثيرهما في الحياة اليوميّة للسكّان، ليصبح الدرس تجربة حيّة، يشارك فيها جميع الطلّاب بنشاط وإبداع.

 

عندما تتنوّع المهامّ: نموذج من التربية الإسلاميّة والاجتماعيّة

تُظهر موادّ التربية الإسلاميّة والدراسات الاجتماعيّة قابليّة عالية للتطبيق الدامج، بسبب طبيعتها التفاعليّة. في درس عن قيمة التعاون، أعدّ المعلّم مجموعة من المهامّ متعدّدة المستويات، لتلبية أساليب تعلّم مختلفة. للطلّاب ذوي القدرة العالية، قُدّمت مهمّة بحثيّة قصيرة، تتضمّن دراسة مفهوم التعاون في السيرة النبويّة أو مواقف تاريخيّة. أمّا للمتعلّمين البصريّين، فصُمّمت بطاقات تحتوي على صور ومشاهد توضّح مواقف تعاونيّة لتحليلها.

في المقابل، استُخدمت بطاقات لعب تمثّل مواقف حياتيّة للمتعلّمين الحركيّين، لتشجيعهم على تمثيل المواقف واقتراح حلول تعاونيّة. اختُتم الدرس بنشاط جماعيّ، يطلب من الطلّاب بناء قصّة مشتركة تعكس قيمة التعاون، ما عزّز المشاركة الجماعيّة وروح الدعم بين الطلّاب. يوضّح هذا النموذج كيف يمكن تحويل درس قيم إلى تجربة تعليميّة حيّة، تتفاعل مع قدرات الطلّاب وميولهم المختلفة، من دون تفضيل نمط تعلّم على آخر.

 

ما الذي يجعل هذه الممارسات دمجًا حقيقيًّا؟

يتجاوز الدمج الحقيقيّ مجرّد حضور الطلّاب في الصفوف العاديّة، ليصبح عمليّة تعليميّة متكاملة، تهدف إلى تمكين كلّ طالب من المشاركة الفعليّة في التعلّم. ويشير شواهين (2014) إلى أنّ أساس هذا الدمج يقوم على التعليم المتمايز، والذي يأخذ في الاعتبار اختلاف القدرات وأنماط التعلّم بين الطلّاب، ويتيح للمعلّم تقديم المحتوى بطرق وأساليب متنوّعة، تتناسب مع احتياجات كلّ طالب، مع التركيز على تطوير مهاراته الفرديّة. كما يبرز شواهين أهمّيّة استخدام أساليب تقويم متعدّدة، تركّز على الجهد والتقدّم الشخصيّين، بدلًا من الاقتصار على الاختبارات الموحّدة التي قد لا تعكس التنوّع الحقيقيّ في قدرات الطلّاب.

وعلى الرغم من ذلك، يواجه تطبيق الدمج الحقيقيّ عدّة تحدّيات. تشير الرفاعي (2018) إلى أنّ من أبرز هذه التحدّيات، مقاومة بعض المعلّمين لتغيير أساليب التدريس التقليديّة، إلى جانب محدوديّة الموارد والدعم اللازم لتكييف المناهج وموادّ التعلّم، ما قد يحدّ من قدرة الطلّاب على المشاركة بفاعليّة. وللتغلّب على هذه العقبات، يحتاج المعلّم إلى تخطيط دقيق للأنشطة التعليميّة، وتبنّي استراتيجيّات مبتكرة، واستخدام أدوات وتقنيّات متعدّدة، لضمان تلبية احتياجات جميع الطلّاب وتحقيق مشاركة حقيقيّة.

تكتمل قوّة الدمج الحقيقيّ بالمرونة الصفّيّة والتفاعلات الاجتماعيّة بين الطلّاب، إذ تسمح إعادة ترتيب المجموعات وتغيير الأدوار وتوظيف مصادر تعلّم متنوّعة، بكسر الحواجز وبناء مجتمع صفّيّ متكامل، يتعاون فيه الجميع ويتبادلون الخبرات والمعرفة، بدلًا من بيئة تنافسيّة تهمّش الأضعف. تعزّز هذه البيئة التفاعليّة مهارات التواصل الاجتماعيّ، والثقة بالنفس، والشعور بالانتماء لدى كلّ طالب، ما يجعل الصفّ بيئة تعليميّة حيّة وشاملة، تدعم نموّ جميع الطلّاب.

 

دعم المدرسة والمشرفين

لا يمكن تحقيق الدمج الحقيقيّ بجهود المعلّم وحده فحسب، بل يتطلّب دعمًا مؤسّسيًّا متكاملًا ومتضافرًا. يتيح التعاون بين معلّم الصفّ ومعلّم التربية الخاصّة، تصميم خطط تعليميّة فرديّة، تتناسب مع قدرات الطلّاب واحتياجاتهم المتنوّعة، إلى جانب تكييف الأنشطة التعليميّة، لتكون شاملة وتفاعليّة لجميع الطلّاب. يشدّد العوران (2010) على أنّ الإشراف التربويّ يشكل عنصرًا حيويًّا في هذه العمليّة، إذ يقدّم التوجيه المستمرّ للمعلّمين، ويتيح لهم التغذية الراجعة حول أساليب التعليم المتمايز، ويساعد في معالجة الصعوبات الصفّيّة التي قد تحدّ من مشاركة الطلّاب ذوي الاحتياجات الخاصّة. كما يسهم الإشراف الفعّال في تعزيز مهارات المعلّمين في استخدام استراتيجيّات مبتكرة، وتطبيق خطط دمج حقيقيّة، ما يضمن تحقيق التعلّم الشامل، ويعزّز جودة التعليم داخل الصفوف الدامجة.

تعتبر البيئة المدرسيّة الداعمة أيضًا ركيزة أساسيّة لنجاح الدمج الحقيقيّ، فهي تشمل توفير غرف موارد مجهّزة بالأدوات التعليميّة والتقنيّات المساعدة، والتي تمكّن المعلّم من تنفيذ خطط الدمج بفاعليّة. كما تؤدّي الثقافة المدرسيّة التي تشجّع على الدمج الإيجابيّ والممارسات التفاعليّة بين الطلّاب، دورًا كبيرًا في تعزيز شعور الطلّاب بالانتماء والاستقلاليّة، وتشجيعهم على المساهمة الفعليّة في العمليّة التعليميّة. يتيح هذا الدعم المؤسّسيّ للمعلّمين الاستمرار في ابتكار أساليب تدريس متنوّعة، ويعزّز التفاعل الاجتماعيّ بين جميع الطلّاب داخل الصفوف الدامجة، بما يحقّق أهداف التعلّم الشاملة، ويجعل الصفّ بيئة تعليميّة حيّة وشاملة لجميع الطلّاب.

***

الفارق بين الدمج الشكليّ والدمج الحقيقيّ ليس مجرّد فرق اصطلاحيّ، بل يعكس جوهر العمليّة التعليميّة في الصفوف الدامجة. فالدمج الشكليّ قد يحقّق حضور الطلّاب جسديًّا، لكنّه لا يضمن تعلّمًا فعليًّا ولا مشاركة حقيقيّة، إذ يبقى بعض الطلّاب هامشيّين أو عاجزين عن متابعة الدروس وفق قدراتهم. أمّا الدمج الحقيقيّ، فيقوم على تصميم واعٍ للتعلّم، يأخذ في الاعتبار احتياجات الطلّاب المختلفة، ويعتمد على تنوّع الاستراتيجيّات التعليميّة التي تتناسب مع أنماط التعلّم المتعدّدة، مع استثمار فعّال للفروق الفرديّة بين الطلّاب، ما يحوّل الصفّ إلى بيئة تعليميّة شاملة، يشارك فيها الجميع بفاعليّة.

وعندما ينجح المعلّم في تحويل كلّ درس إلى مساحة للتفاعل والتمكين، فإنّ كلّ نشاط ومهمّة تعليميّة تصبح فرصة لإشراك الطلّاب وإبراز قدراتهم، سواء بالعمل الجماعيّ أو الأنشطة العمليّة أو المناقشات التفاعليّة. بهذا الشكل، لا يعود الدمج مجرّد وجود جسديّ للطلّاب في الصفوف، بل ممارسة حيّة تثري التجربة التعليميّة، وتحقّق مبدأ العدالة التعليميّة بعمق وفاعليّة، بحيث يشعر كلّ طالب بالانتماء، ويصبح قادرًا على الإسهام في بناء المعرفة، وتنمية مهاراته الفرديّة والاجتماعيّة في آن واحد.

 

المراجع

- الرفاعي، ع. (2018). معوّقات دمج التلاميذ ذوي الإعاقة في المدارس الدامجة في مدينة دمشق من وجهة نظر معلّميهم. مجلّة اتّحاد الجامعات العربيّة للتربية وعلم النفس، 16(3).

- العوران، إبراهيم. (2010). الإشراف التربويّ ومشكلاته: دراسة ميدانيّة تقويميّة. دار يافا العلميّة للنشر والتوزيع.

- برادلي، ديان، وسيرز، مارغريت، وسوتلك، ديان. (2000). الدمج الشامل لذوي الاحتياجات الخاصّة وتطبيقاته التربويّة (ترجمة: السرطاوي، زيدان، والسيّد الشخص، عبد العزيز، ومحمّد العبد الجبّار، عبد العزيز). دار الكتاب الجامعيّ للنشر والتوزيع والطباعة.

- شواهين، خير. (2014). التعليم المتمايز وتصميم المناهج المدرسيّة. عالم الكتب الحديث.