كيف يمكن أن نُؤسِّس لعلاقة مُستقرّة بلغتنا العربيّة؟
كيف يمكن أن نُؤسِّس لعلاقة مُستقرّة بلغتنا العربيّة؟
2024/01/14
محمّد تيسير الزعبي | خبير تطوير أساليب تدريس اللغة العربيّة - الأردن

ما نفعله بأنفسنا يشبه الانتحار الجماعيّ البشع، فتعريب العلوم والتعليم الجامعيّ أصبح ضرورة بقاء، تستدعي من المؤسّسات اللغويّة في الدول العربيّة استنفار الجهود، وتجنيد الطاقات للتصدّي لهذه المهمّة القوميّة.

خطرت في بالي كلمات عبّاس محمود العقّاد التي يرى فيها أنّ عدم الاهتمام الكافي باللغة العربيّة، لا يعني ضياع اللسان العربيّ فحسب، بل يعني أيضًا حرمان العالم من أداة مهمّة من أدوات المنطق الإنسانيّ، بلغت درجة رفيعة من التطوّر والكمال. لكنّ أهل اللغة اليوم قبلوا إدخال كلمة (ترند) إليها، دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء قراءة مفردات مثل: شائع؛ رائج؛ منتشر؛ ذائع؛ سائد؛ متداول؛ مشتهر؛ بارز؛ دارج؛ فاشٍ.

 

أين الاشتقاق؟

تتفرّد اللغة العربيّة عن غيرها من اللغات بمرونة هائلة، واتتها بفضل الاشتقاق؛ فهذه الميّزة لم تبلغ في أيّ لغة أخرى ما بلغته في العربيّة من سعة وانضباط واطّراد، إضافة إلى عموديّة اللغة العربيّة التي تدور حول الجذر، فتصبح عمليّة زيادة الحروف وحذفها، أو الحركات وإضافتها، وسيلة أخرى لتوالد المفردات والتراكيب. هذه المرونة المنضبطة هي التي مكّنت اللغة من استيعاب علوم الفرس والهند واليونان وغيرهم. 

مرونة العربيّة هي التي جعلت لغات البلاد المفتوحة تتقبّل وجود اللغة الجديدة على ألسنة الناس، إذ صارت تلك الأمم تعبّر عن أفكارها بالعربيّة، وتأخذ منها ما أفرزته من نتاج أدبيّ ودينيّ.

جهاز النطق في العربيّة آلة موسيقيّة، فهو يوفّر عددًا كبيرًا من الأصوات التي يمكن توظيفها للتعبير عن أيّ معنى بدقّة، إضافة إلى أنّ المخارج لا يوجد فيها تكرار للأصوات، فلا مخرج واحد لصوتين، وهذا الأمر يضفي دقّة لغويّة في النطق والسمع من دون حدوث التباس، أو ازدواجيّة الأداء.

هذه الخصائص تثبت أنّ اللغة العربيّة ليست عاجزة، ومن يتّهمها هو العاجز الذي ركن إلى الجمود والاتّكالية، والكسل العقليّ والانهزاميّة، نتيجة سياسات عقود طويلة من التجهيل التي لا بدّ أن تتوقّف اليوم. وأظنّ أنّ البداية من الغرفة الصفّيّة، ذلك أنّ على المعلّمين والمعلّمات الاقتناع بعمق بأهمّيّة استخدام اللغة العربيّة الفصحى في التدريس، حتّى في مباحث غير اللغة العربيّة. يكون الحديث بالعربيّة السليمة، وهذا الأمر ليس معناه عدم تعلّم لغات أخرى، بل المقصود ألّا يقلّل الحرصُ على إتقان اللغات الأخرى إتقانَ العربيّة التام. فمن غير المنطقيّ أن تجد كثيرًا من المختصّين في وظائف معيّنة، يعرفون كتابة رسالة إلكترونيّة بالإنجليزيّة، ولا يخجلون من الاعتراف بأنّهم لا يجيدون كتابتها بالعربيّة.

هذه البداية تحتاج مواظبة مستمرّة؛ ذلك أنّ اللغة العربيّة بحر لن نحيط به في مدّة زمنيّة قصيرة، بل نحتاج كي يتقنه الطلبة إلى صبر طويل، وإلى أن يتعرّض الطلبة إلى الأنشطة اللغويّة بأنفسهم، لا أن يكونوا مجرّد متلقّين فقط. وهذا الأمر يعني أنّ على المعلّمين والمعلّمات انتقاء المضمون الجاذب والمشوّق للطلبة، وأن يقدّموا اللغة العربيّة بعيدًا عن التلقين والتعقيد والمفردات المنفّرة، بل إظهار اللغة العربيّة بأنّها لغة للوعي والتأمّل، تتضمّن نمطًا فريدًا من المعاني الذي تفتقر إليه الكثير من اللغات الأخرى.

لن يستعيد العقل العربيّ استقلاله وحرّيّته إلّا بلغته. وهذه الاستعادة تكون عبر استعمال اللغة وتجديدها، وإدخالها مجالات المعرفة والتطوّر والاكتشاف؛ لتعطي وتتفاعل وتتحاور. وبغير ذلك فإنّها ستبقى تابعة ومُطيعة ومُنقادة، وهذا الأمر يحتّم على مجامع اللغة العربيّة التصدّي لواجب تعريب المصطلحات الناتجة عن الاختراعات، وسنّ القوانين التي تفرض حضور اللغة العربيّة في ميادين التكنولوجيا والمال والأعمال.

نحن اليوم كما يقول طه حسين "بين اثنتين: إمّا أن نيسّر علوم اللغة العربيّة لتحيا، وإمّا أن نحتفظ بها كما هي لتموت".