كيف أتعامل مع الطفل الخجول؟
كيف أتعامل مع الطفل الخجول؟

يعرف الخجل بأنّه الشعور بالارتباك وعدم الراحة والخوف في بعض المواقف أو بالقرب من أشخاص آخرين. وهو سِمة شخصيّة تظهر غالبًا في وقت مبكّر من الطفولة. وتتميّز بالتردّد في المواقف الاجتماعيّة، والتردّد في التفاعل مع الأشخاص غير المألوفين، والميل إلى الانسحاب في البيئات الجديدة. وفي حين قد ينظر بعض الآباء والأمّهات إلى الخجل باعتباره عيبًا يجب تصحيحه، فمن المهمّ أن ندرك أنّ الخجل استجابة طبيعيّة وصحّيّة للتجارب غير المألوفة عند الأطفال، فقد يكبر العديد من الأطفال الخجولين ليصبحوا أشخاصًا لطيفين ومتعاطفين ومبدعين وذوي شخصيّات عميقة. 

ومع هذا كلّه، فإنّ الخجل الشديد، إذا تُرك من دون معالجة، يمكن أن يتداخل مع قدرة الطفل على تكوين العلاقات، والتعبير عن نفسه، واغتنام الفرص للنموّ مستقبلًا. 

سنستكشف معًا في هذا المقال أسباب الخجل، والاستراتيجيّات العمليّة لتربية طفل خجول، وكيف يمكن للوالدين تعزيز الثقة من دون إجباره على تغيير شخصيّته.  

 

أسباب الخجل عند الطفل 

تتعدّد الأسباب التي تجعل الطفل خجولًا، بين مجموعة من الأسباب البيولوجيّة والبيئيّة والنفسيّة. 

  • - العوامل الوراثيّة والمزاج: 

تشير الأبحاث إلى أنّ الخجل قد يكون له مكوّن وراثيّ. وجدت دراسة أجراها كاجان وريزنيك وسنيدمان (1988)، أنّ الأطفال الذين أظهروا استجابات قد تبدو مبالغًا فيها للمثيرات غير المألوفة – مثل البكاء أو التشنّج – كانوا أكثر عرضة لتطوير شخصيّات خجولة أو انطوائيّة في وقت لاحق من الطفولة. تُسلّط هذه النتائج الضوء على كيفيّة تأثير العوامل البيولوجيّة في طباع الشخص منذ سنّ مبكّرة جدًّا. 

  • - الخبرات المبكّرة والبيئة: 

قد يكون الأطفال الذين يكبرون في بيئات محدودة التفاعل الاجتماعيّ، أو يشهدون قلقًا زائدًا أكثر عرضة للخجل. كما إنّ السلوك المُكتسب من الأهل أمر لا مفرّ منه؛ فعندما يكون الوالدان خجولين، فإنّ ذلك لا إراديًّا سيُعلّم الطفل الخجل، وسيتصرّف تلقائيًّا مثل والديه. 

وبالمثل، يمكن لأنماط الأبوّة المفرطة في الحماية، أن تُعزّز عن غير قصد، الخوف من المواقف غير المألوفة. في حين أنّ الافتقار إلى التعرّض للفرص الاجتماعيّة، قد يمنع الأطفال من تطوير الثقة. 

  • - المعايير الثقافيّة والاجتماعيّة: 

في بعض الثقافات، يُنظر إلى الخجل باعتباره علامة على اللباقة والاحترام، بينما في ثقافات أخرى، تحظى الشخصيّات المنفتحة بتقدير أكبر. يمكن أن تُشكّل هذه التوقّعات الثقافيّة كيفيّة إدراك الأطفال للمواقف الاجتماعيّة، وردود أفعالهم تجاهها. 

  • أسباب ذات صلة بالعيوب الجسديّة: 

قد تُؤدّي بعض العيوب الجسديّة إلى شعور الطفل بالخجل: 

  • إصابة الطفل بالتأخّر اللغويّ: قد يُعاني الطفل الذي لديه تأخّر لغويّ إحباطًا بسبب عدم قدرته على الفَهم، وتكوين علاقات اجتماعيّة مع الآخرين. 

  • إصابة الطفل بضعف في السمع: إذ يؤدّي ضعف السمع إلى عدم استجابته لما يقوله الآخرون، ويسبّب له صعوبة في اتّباع التعليمات.  

  • إصابة الطفل بطيف التوحّد: يُواجه الطفل المصاب بطيف التوحّد صعوبة في قراءة الإشارات الاجتماعيّة. 

 

متى يصبح الخجل مصدر قلق عند الأطفال؟ 

الخجل في حدّ ذاته ليس مشكلة، لكنّه قد يصبح مشكلة حقيقيّة أو مصدر قلق عند الأهل، عندما يمنع الطفل من المشاركة في الأنشطة اليوميّة، أو تكوين صداقات، أو التعبير عن احتياجاته. قد يتطلّب الخجل الشديد، والذي يُشار إليه غالبًا بالقلق الاجتماعيّ، اهتمامًا إضافيًّا إذا تسبّب في: 

  • - التجنّب المستمرّ للمواقف الاجتماعيّة، بما في ذلك الأنشطة المدرسيّة أو الجماعيّة. 

  • - الخوف الشديد من الحكم أو الإحراج. 

  • - الأعراض الجسديّة، مثل آلام المعدة أو الغثيان أو التعرّق أثناء التفاعلات الاجتماعيّة. 

  • - إذا بدا أنّ الخجل يتداخل بشكل كبير مع الحياة اليوميّة للطفل، فقد يكون من المفيد استشارة طبيب نفسيّ أو مستشار أطفال. 

 

استراتيجيّات عمليّة للتعامل مع الطفل الخجول 

مساعدة الطفل الخجول على النموّ ليصبح فردًا واثقًا وقادرًا لا تعني تغيير شخصيّته؛ بل تتضمّن تزويده بالأدوات والفرص لإدارة مخاوفه، وبناء المهارات الاجتماعيّة. 

التحقّق من صحّة مشاعر الطفل 

من الضروريّ الاعتراف بمشاعر الطفل وتصديقها، بدلًا من رفض مخاوفه أو التقليل من شأنها. فبدلًا من قول: "لا تكن خجولًا"، حاول أن تقول: "أتفهّم أنّ مقابلة أشخاص جدد قد تكون مخيفة بعض الشيء، وهذا أمر طبيعيّ". يساعد هذا التفهّم الذي ستُظهره لطفلك في شعوره بالدعم، بدلًا من الحكم عليه. 

كن قدوة في السلوك الاجتماعيّ 

قد تكون أغلب السلوكيّات التي تراها في طفلك الصغير انعكاسًا لما رآه منك، فمن أكثر الطرق التي يتعلّم الأطفال الصغار بها مراقبة البالغين وتقليدهم. أظهر الثقة أمام طفلك في المواقف الاجتماعيّة، بتحيّة الجيران، وتعريف نفسك بأشخاص جدد، والحفاظ على التواصل البصريّ. أشِر إلى سلوكيّات معيّنة يمكنهم تقليدها، مثل قول "مرحبًا" أو طرح الأسئلة لبدء محادثة. 

شجّع التعرّض التدريجيّ إلى المواقف الاجتماعيّة 

  • - بدلًا من إجبار الطفل الخجول على الانخراط في بيئات اجتماعيّة صاخبة، قدّم له تجارب جديدة تدريجيًّا. على سبيل المثال: 

  • - ابدأ بمواعيد اللعب الفرديّة قبل الانتقال إلى أنشطة جماعيّة أكبر. 

  • - قُم بزيارة فصل دراسيّ جديد أو نشاط جماعيّ معًا، قبل تركه بمفرده. 

  • - امتدح جهوده، حتّى لو كانت خطوات صغيرة، مثل الابتسام لصديق جديد أو قول "شكرًا" لغريب. 

  •  

ركّز على نقاط قوّة طفلك 

يتمتّع العديد من الأطفال الخجولين بنقاط قوّة، مثل التعاطف والإبداع والاستماع الفعّال. سلّط الضوء على هذه الصفات لبناء ثقة طفلك، وشجّع الأنشطة التي يمكنه فيها التفوّق من دون أن يكون مركز الاهتمام، مثل الفنّ أو الموسيقى أو الرياضات الفرديّة. 

 

علّم طفلك المهارات الاجتماعيّة 

قد يشعر الأطفال بالخجل لأنّهم غير متأكّدين من كيفيّة التعامل مع الآخرين. جرّب أن تُمارس مع طفلك كيف يعرّف بنفسه، وكيف يردّ على المحادثات العامّة التي قد تحصل عند مقابلة أشخاص جدد؛ فالمحادثات القائمة على لعب الأدوار، تجعل الطفل يبني نصًّا يتوقّعه عند التفاعل مع الأشخاص. كما يمكنك تعليمه استراتيجيّات بسيطة، مثل طرح الأسئلة أو تقديم المجاملات أو مشاركة الألعاب لكسر الجمود. 

تجنّب الألقاب 

إنّ تكرار وصف الطفل على أنّه "خجول"، قد يُعزّز تصوّره لذاته ويجعله يشعر وكأنّ به عيبًا دائمًا. بدلًا من ذلك، ركّز على وصف السلوكيّات، مثل: "أنت صبور وتتأنّى في المواقف الجديدة"، وامتدح اللحظات التي يُظهر فيها الشجاعة. 

قدّم الطمأنينة من دون ضغوط 

شجّع طفلك على المشاركة في الأحداث من حوله؛ مثل المشاركة في محادثة بين الأقران، أو المشاركة في اللعب، لكن تجنّب أن تُجبره على هذا، لأنّه قد يأتي بنتائج عكسيّة ويزيد من قلقه. أخبره أنّه من الجيّد أن يأخذ الوقت الكافي للتأقلم مع التجارب الجديدة، وذكّره بأنّ الجميع يشعرون بالتوتّر في بعض الأحيان، حتّى الكبار، لكنّه من المهمّ أن نشاركهم ونتفاعل معهم، سواء بالنشاطات أو الألعاب أو المحادثات، فهذا سيُكسبنا شعورًا جميلًا. 

منح الطفل فرصة للتعبير عن مشاعره  

يواجه الأطفال الخجولون عادة صعوبة في التعبير عن مشاعرهم، ما يُعرّضهم أحيانًا إلى سوء الفَهم. وهنا يأتي دور الأهل بتشجيع أطفالهم على التعبير عن أنفسهم. لكن قد تبدو هذه النقطة تحديدًا تحدّيًا بالنسبة إلى الأهل، فغالبًا ما يعاني الأطفال الخجولون هذه الصعوبة. لذلك، حاول أن تُمارس مع طفلك أنشطة معيّنة تسمح له بالتعبير عن نفسه بشكل عفويّ، مثل الرسم أو رواية قصّة أو سؤاله عن أحداث يومه. يُساعد ذلك الطفل في الشعور بأنّه مسموع ومقبول، وذلك سيمنحه شعورًا أكبر بالراحة، وحرّيّة أكبر في التعامل مع محيطه من دون خجل. 

 

*** 

تتطلّب تربية طفل خجول الصبر والتعاطف والتشجيع. وبدلًا من النظر إلى الخجل باعتباره مشكلة عليه إصلاحها، ينبغي للوالدين أن ينظروا إليه باعتباره سِمة تمكن رعايتها وإدارتها بالدعم المناسب، بل وتحويلها إلى ميزة ونقطة قوّة لدى الطفل. 

إذ تظهر الدراسات العلميّة أنّ الأطفال الخجولين عندما يُدعمون بشكل مناسب، يمكن أن ينموا ليُصبحوا بالغين ناجحين وأكثر تكيّفًا مع الظروف. 

 

المراجع

https://mamanet.net/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%81%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%AC%D9%88%D9%84/ 

https://www.huffpost.com/entry/5-ways-to-support-your-shy-kid-without-forcing-them-to-change_l_60c8c1c1e4b0eb9a6944a62a 

https://www.betterhealth.vic.gov.au/health/healthyliving/shyness-and-children