عندما يختلف العمر داخل الصفّ: نحو تعليم شامل ينصف الجميع
عندما يختلف العمر داخل الصفّ: نحو تعليم شامل ينصف الجميع
أمينة بلعيد | أستاذة التعليم الابتدائيّ - المغرب

يعتبر الصفّ الدراسيّ مرآة مصغّرة للمجتمع، بكلّ ما يحمله من تنوّع واختلاف. وقد وجدت نفسي، ذات سنة دراسيّة، أمام قسم يجمع تلميذات وتلاميذ مختلفين في أعمارهم ونضجهم ومستوياتهم المعرفيّة، يدرسون في الصفّ السادس الابتدائيّ. خلق هذا التفاوت العمريّ تحدّيات يوميّة، على مستوى التخطيط والتقويم وإدارة الأنشطة، لكنّه فتح أيضًا آفاقًا جديدة للتفكير في معنى التعليم الشامل، وكيف تمكن مساعدة كلّ متعلّم في العثور على مكانه داخل المجموعة، مهما كان عمره أو مستواه، خصوصًا وأنّ بعضهم يعيشون في عزلة تامّة عن المجموعة الصفّيّة.  

 

ملامح التنوّع العمريّ داخل الصفّ 

حين التحقتُ بالفصل، كان أوّل ما شدّ انتباهي التفاوت الواضح في أعمار المتعلّمين. فبينما لم يتجاوز بعضهم سنّ الحادية عشرة، كان آخرون قد تجاوزوا الرابعة عشرة. لم يقتصر هذا التفاوت على العمر والملامح والقامة فقط، بل تجاوزه إلى النضج والاهتمامات وطريقة التفاعل مع الدرس. فالأكبر سنًّا، كان بعضهم أكثر جرأة في النقاش وأسرع في الفهم، وبعضهم الآخر منعزلين عن المجموعة، يعتريهم الخجل والإحباط. بينما الأصغر سنًّا كانوا أكثر حاجة إلى التوجيه عند شرح الدرس، وكانوا أكثر تفاعلًا في ما بينهم، ومعي أيضًا داخل الصفّ. 

خلق هذا التنوّع ديناميّة خاصّة داخل القسم: فبين الحماس الطفوليّ للبعض، والرغبة في التميّز لدى البعض الآخر، كان عليّ أن أجد توازنًا يجعل الجميع يشعرون بالانتماء والقدرة على المشاركة. كما لاحظتُ أنّ الاختلاف في الأعمار ينعكس أيضًا على العلاقات الاجتماعيّة داخل القسم، إذ يتّخذ الكبار أدوارًا قياديّة، ويركّزون على الاهتمام بالمظهر الخارجيّ بدل القيم الجوهريّة، مع إظهار سلوكيّات تقلّل من احترام الأصغر سنًّا. في حين يتّكل الصغار على الكبار في بعض المهامّ، ما يكسب الموقف طابعًا شبه "أسريّ"، يمكن استثماره تربويًّا إذا أُحسن توجيهه. 

أدركتُ مع مرور الوقت أنّ هذا الواقع ليس عائقًا، بقدر ما هو فرصة للتعليم الشامل، إذ يمكن تحويل الفروق العمريّة إلى موارد للتعلّم التعاونيّ باعتماد استراتيجيّات تعلّميّة، إذا توفّرت رؤية بيداغوجيّة مرنة، تضع المتعلّم في مركز الفعل التعلّميّ. 

بعد تفاعلي مع التلاميذ الكبار، وبناءً على ملاحظاتي اليوميّة، لاحظت أنّ هذه الفئة تتميّز بتفاوت واضح في سلوكها واهتماماتها داخل الصفّ. ويمكن تقسيم هذه المجموعة إلى قسمين رئيسين، يشملان كلا الجنسين، ذكورًا وإناثًا، لتسهيل فهم طبيعة تفاعلهم واحتياجاتهم التعليميّة، قبل الخوض في تحليل مفصّل لاستراتيجيّات التعليم الشامل. 

 

الفئة الخجولة والمنعزلة بسبب الفارق العمريّ 

لم ينعكس اختلاف الأعمار فقط على مستويات الفهم أو الإيقاع الدراسيّ، بل كان له أثر نفسيّ واجتماعيّ واضح. فقد لاحظتُ أنّ بعض التلاميذ الأكبر سنًّا يشعرون بنوع من الحرج والانعزال داخل القسم، إذ كانوا يدركون أنّهم أكبر من زملائهم، فيحاولون أحيانًا إخفاء ذلك بالصمت، أو التظاهر بعدم الاهتمام. ولم يكن هذا الخجل دائمًا ضعفًا في الشخصيّة، بل كان في أحيان كثيرة ردّ فعل طبيعيًّا لاختلاف يشعر به المتعلّم داخل جماعة لا تشبهه تمامًا. وقد بدا لي أنّ كسر هذا الحاجز يحتاج إلى مقاربات بيداغوجيّة وإنسانيّة، تعيد بناء الثقة داخل القسم، وتُشعر التلميذ بأنّ قيمته لا تقاس بعمره، بل بجهده ومشاركته. لذلك، حاولتُ خلق مواقف تعلّم جماعيّة، تشجّع الجميع على التفاعل والتعاون، لا سيّما تبنّي ديناميّة الجماعة والاشتغال على شكل مجموعات مختلطة، أقوم بتغييرها كلّ مرّة، ما سمح باندماج المتعلّمين المنعزلين تدريجيًّا، واستعادتهم الحافز والثقة بأنفسهم. 

 

الفئة القياديّة والاندفاعيّة 

يتصرّف بعض التلاميذ الأكبر سنًّا أحيانًا بأسلوب قياديّ داخل الصفّ، بهدف توجيه زملائهم أو فرض آرائهم، وهو سلوك طبيعيّ يرتبط برغبتهم في إثبات الذات والتميّز عن الأصغر سنًّا، خصوصًا في مرحلة المراهقة. كما يظهر لديهم اهتمام ملحوظ بالمظهر الشخصيّ، ما يعكس رغبتهم في إبراز هويّتهم الفرديّة داخل المجموعة. لاحظتُ أيضًا أنّ بعضهم يستخدم العنف اللفظيّ، مثل التنمّر أو العدوانيّة الطفيفة، خصوصًا عندما يشعرون بعدم التقدير، أو عند التفاعل من زملائهم الأصغر سنًّا. وتشير هذه الممارسات إلى أنّ الفارق العمريّ لا يؤثّر فقط في الفهم المعرفيّ، بل في الديناميّة الاجتماعيّة داخل الصفّ، ويتطلّب منّي تدخّلًا حسّاسًا، لتوجيه طاقات هؤلاء التلاميذ نحو ممارسات تعاونيّة إيجابيّة، تُعزّز التعليم الشامل. 

 

استراتيجيّات تحقيق التعليم الشامل داخل الصفّ متعدّد الأعمار 

لمواجهة التفاوت العمريّ وما يصاحبه من تحدّيات سلوكيّة ونفسيّة داخل الفصل، اعتمدتُ مجموعة من الاستراتيجيّات البيداغوجيّة المرنة، والتي تهدف إلى جعل كلّ متعلّم يشعر بالاندماج والقدرة على المشاركة: 

  • - أوّلًا، قمتُ بتقسيم الأنشطة إلى مستويات متنوّعة، بحيث يتمكّن المتعلّمون الأكبر سنًّا من تحدّي أنفسهم في مهامّ أكثر تعقيدًا، بينما يجد الأصغر سنًّا فرصة للنجاح والتقدّم، من دون شعور بالضغط أو الإحباط. وكلّفتُ المتعلّمين الخجولين بمسؤوليّات تنظيم القسم والساحة. فعلى سبيل المثال: في نشاط القراءة الموجّهة في مادّة اللغة الفرنسيّة، قدّمتُ فقرة بسيطة من النصّ تحتوي مفردات واضحة للمتعلّمين الأصغر سنًّا، بينما طلبتُ من المتعلّمين الأكبر قراءة فقرة أطول، مع تحديد الفكرة العامّة والأفكار الفرعيّة. وفي الوقت نفسه، كلّفتُ المتعلّمين الخجولين بمهامّ تنظيميّة، مثل تدوين الإجابات على السبّورة على شكل جدول، وهو ما ساعدهم في الشعور بالمسؤوليّة والانخراط من دون ضغط. 
  •  
  • - ثانيًا، استخدمتُ العمل بالمجموعات المختلطة عمريًّا وجنسيًّا، فالكبار يساعدون الصغار ويشجّعونهم، والصغار يضفون حيويّة وحماسًا على النشاط. هذا التفاعل ساعد في كسر حاجز الخجل والانفصال، وجعل التلميذ يشعر بأنّه جزء من العمليّة التعليميّة. فعلى سبيل المثال، في درس العلوم حول "دورة الماء"، طلبتُ من كلّ مجموعة رسم مخطّط تفسيريّ. تولّى المتعلّمون الأكبر شرح المراحل المعقّدة وتوجيه باقي الأفراد، بينما قام الأصغر سنًّا بالرسم والتلوين وإضافة الأسهم. هذا التفاعل جعل الشرح والمشاركة أسهل، وساعد في كسر الخجل وبناء علاقات إيجابيّة داخل المجموعة. 
  •  
  • - ثالثًا، ركّزتُ على التعلّم التعاونيّ والمشاركة في النقاشات، مع منح كلّ متعلّم فرصة التعبير عن رأيه وتقدير مشاركته، مهما كان عمره أو مستوى فهمه. كما حرصتُ على تكييف أسلوب الأسئلة والتوجيهات حسب الفئة العمريّة، مع الحفاظ على روح الوحدة داخل القسم. ويتجلّى هذا التعاون في حصص التعبير الشفهيّ، إذ أطرحُ أسئلة من مستويات مختلفة: أسئلة مباشرة للمتعلّمين الأصغر سنًّا لتشجيعهم على التحدّث، مثل: "ما العنوان الذي تقترحه لهذه الصورة؟" وأسئلة تحليليّة للكبار مثل: "ما الرسالة التي نريد إيصالها من هذا المشهد؟" هذا التدرّج يحافظ على وحدة القسم، ويوفّر لكلّ فئة مساحة آمنة للتعبير ضمن مستوى يناسبها. 
  •  
  • - أخيرًا، كان للدعم النفسيّ والتشجيع الفرديّ دور كبير، إذ إنّ التقدير الصادق والملاحظة الإيجابيّة، ساعدا المتعلّمين المنعزلين في استعادة ثقتهم بأنفسهم والمشاركة بنشاط، ما جعل التعليم الشامل حقيقة واقعيّة وليست مجرّد شعار. فعلى سبيل المثال، لاحظتُ أنّ أحد المتعلّمين الأصغر سنًّا كان يتجنّب المشاركة، خوفًا من الوقوع في الخطأ أمام زملائه الأكبر سنًّا. وأثناء عمله ضمن مجموعة صغيرة، قدّمتُ له تشجيعًا فرديًّا بعد مشاركته في المشروع التعليميّ، ليبرز جهده وتقدّمه. وبعد بضعة أسابيع، بدأ هذا المتعلّم يرفع يده للمشاركة طوعًا أمام القسم بأكمله. ومن هنا، يمكن القول إنّ هذا النموذج يعكس مدى تأثير التشجيع الصادق والملاحظات الإيجابيّة في تغيير سلوك المتعلّمين، وتعزيز اندماجهم داخل الصف. 

 

التعليم الشامل يبدأ من بناء العلاقة الإنسانيّة 

أدركتُ أنّ أساس التعليم الشامل لا يكمن فقط في تنويع الطرائق أو تعديل الأنشطة، بل في بناء علاقة إنسانيّة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل بين المعلّم والمتعلّمين. فقبول المتعلّم كما هو، وإدراك أنّ اختلافه ليس عائقًا، وأنّ إعادة السنة الدراسيّة ليست دليلًا على الفشل، وأنّه باختلافاته وشخصيّته وأسلوبه مصدر غنى للجماعة الصفّيّة، تجعل التعلّم فعلًا مشتركًا، يتجاوز حدود المعرفة إلى تجربة إنسانيّة تُنضج الجميع. فيُعدّل السلوك، وتُهذّب النفس، ويصبح الإقصاء والخجل من الماضي. فالتعليم الشامل في جوهره ليس تقنيّة بيداغوجيّة فحسب، بل رؤية تربويّة تُعيد للإنسان مكانته داخل الفعل التعليميّ. وفي النتيجة، كلّ ما يحتاج إليه الصفّ حسّ العلاقة الإنسانيّة، قبل التدريس وتمرير المعرفة.