نشأ مفهوم عقليّة التساؤل في أواخر القرن العشرين، من رحم علم النفس المعرفيّ وعلم التربية، حين بدأ الباحثون بطرح تساؤلات مثل: لماذا ينجح بعض المتعلّمين على الرغم من قلّة مواردهم، بينما يتوقّف آخرون عند أوّل عقبة؟ واكتشفوا أنّ الفارق في ما يحمله المتعلّم من افتراضات حول المعرفة نفسها. وهكذا طرحت الباحثة كارول دِوك سنة 1986 مصطلح "العقليّة" لتصف تلك الافتراضات، وبعد ذلك، اعتُمِد المصطلح في الأوساط الأكاديميّة ليتحوّل إلى "عقليّة التساؤل"، بوصفه حالة ذهنيّة تفترض أنّ الأسئلة أغلى من الأجوبة، وأنّ الخطأ منعطف تعليميّ وليس خطأً. وقد انتقل المفهوم إلى حقل التعليم، فظهرت برامج مثل الفصول المستقصية ومختبرات التفكير، والتي تُدرّب المتعلّمين على طرح أسئلة ملاحظة ومقارنة واستدلال، بدلًا من الاكتفاء باستيعاب إجابات جاهزة (Mackenzie, 2021).
تُعرّف عقليّة التساؤل بأنّها منظومة من التصوّرات والمهارات التي تُحوّل المتعلّم إلى صانع معنى، يطرح أسئلته الخاصّة، ويُعيد صياغة العالم من حوله. وعلى خلاف النماذج التقليديّة التي تبدأ بالإجابة وتنتهي بالحفظ، تبدأ عقليّة التساؤل بسؤال حقيقيّ يُشعل الفضول، ثمّ تُتيح للمتعلّم خوض دورة التساؤل التي تتدرّج من التحريض على السؤال، إلى صياغته، ثمّ استكشافه، وأخيرًا التعبير عنه بأشكال متعدّدة، منها العروض أو الأفلام أو التصميم أو المدوّنات أو غيرها. ولا يظلّ التساؤل حبيس الفصل الدراسيّ، إذ يُعاد تصميم المكتبة لتصبح مختبر تساؤل، ويُستحدث اليوم المفتوح الذي تُعرض فيه أسئلة الطلّاب على الجمهور، ويُستعان بالتقنيّات الرقميّة لجعل التساؤل مرئيًّا ومستمرَّا (ماكينزي وبوشبي، 2022).
يتعلّم الطالب في الصفّ التقليديّ ما هو موجود، بينما يتعلّم الطالب ذو عقليّة التساؤل لماذا هو موجود على هذا النحو وليس غيره، ما يجعله يتمتّع بذاكرة لا تُخزّن حشدًا من الحقائق، فهي شبكة عصبيّة من الترابطات، تتيح نقل المعرفة إلى سياقات جديدة من دون تلقين إضافيّ. والفرق بين الطالبَين يشبه الفرق بين من يحمل حقائب مليئة بالكتب، وبين من يحمل مكتبة داخل رأسه، يستخرج منها ما يريد حينما يريد (إسماعيل، 2022). يصبح المتعلّم الذي تربّى على سؤال "لماذا ينبغي أن أطيع القوانين؟" قبل أن يُطلَب إليه الامتثال، هو ذاته الذي سيقف أمام فساد أو تمييز لاحقًا ويقول: "لديّ سؤال". وهذا ما يجعل عقليّة التساؤل وقاية اجتماعيّة من الخنوع، ومناعة ضدّ خطاب الكراهية الذي يُباع على شكل إجابات جاهزة (إسماعيل، 2011).
تبدأ التربية على التساؤل بتعليم قواعدها، إذ يُمنح الطفل حقّ السؤال، ولا بدّ من تعليمه أنّ السؤال الجيّد يحتاج إلى ملاحظة دقيقة، ولغة واضحة، وافتراضات منكشفة. وتُستخدم تقنيّات بسيطة، مثل دقيقة صمت قبل الإجابة، أو جلسة طرح أسئلة اسبوعيّة، أو تحويل الفصل إلى مختبر افتراضيّ، حيث كلّ خطأ يمثّل بيانات جديدة. وبدلًا من أن يكون المعلّم مصدر الإجابة، يصبح مُعدًّا للمفاجآت، يُخرج المتعلّم من منطقة الإجابات المريحة إلى فضاء الأسئلة المُحرجة، لأنّ التعلّم الحقيقيّ يبدأ حيث تنتهي ثقتنا بأنّنا نعرف (Murdoch, 2020).
المراجع
- إسماعيل، بليغ حمدي. (2011). استراتيجيّات تدريس اللغة العربيّة: أطر نظريّة ونماذج تطبيقيّة. دار المناهج للنشر والتوزيع.
- إسماعيل، بليغ حمدي. (2022). استراتيجيّات التفكير فوق المعرفيّ: تنمية مهارات اللغة. وكالة الصحافة العربيّة.
- ماكينزي، تريفور. وبوشبي، ربيكا. (2022). عقليّة التساؤل. (ترجمة: علي عزّ الدين). إصدارات ترشيد التربويّة.
- Mackenzie, T. (2021). Scaffolding a Partnership for Equity and Agency in Learning. Elevate Books Edu.
- Murdoch, K. (2020). A fresh Look: How and why do we use inquiry in today's classrooms. Seastar Education Consulting.





نشر في عدد (24) ربيع 2026