ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتكِ إلى التعليم؟
منظورنا الفلسطينيّ للتعليم تشكّل عبر عقود من النزاع. التعليم ليس مجرّد وسيلة للتحصيل العلميّ أو تحسين الوضع الاجتماعيّ، بل قضيّة وجوديّة؛ فالمدرسة ليست مجرّد بناء فقط، بل حصن. والتعليم لم يعد "حقًّا" مُسلّمًا به، بل هو كفاح يوميّ من أجل انتزاع هذا الحقّ تحت الاحتلال. الأزمات علّمتنا أنّ التعليم أقوى شكل من أشكال "المقاومة الناعمة"، يبني العقول لبناء الوطن، ولإنشاء جيل واعٍ بجذوره ومساره رغم كلّ محاولات طمس التاريخ والهويّة. التعليم ضمان استمرارنا.
ما الذي تتمنّين لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ ولماذا؟
أتمنّى أن يعلموا أنّ المعلّم الفلسطينيّ جنديّ في الصفّ الأماميّ يحتاج إلى التقدير. هو معالج لطلبة يعانون صدمات الحرب والاحتلال. فالقرارات التي تُتّخذ في مكاتب مكيّفة، لا تأخذ في الاعتبار أنّ المعلّم ليصل إلى مدرسته يواجه حواجز عسكريّة، وأنّ طالبًا في صفّه فقد منزله أو أحد أفراد أسرته ليلة أمس. يجب أن تكون السياسات التعليميّة مرنة وتراعي الصحّة النفسيّة للمعلّم والمتعلّم، ليعالج هذه الجروح غير المرئيّة.
هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟
الكتاب المدرسيّ هو الهيكل العظميّ للدرس، لكنّه لم يعد الروح. في سياقنا، غالبًا ما تكون المناهج مقيّدة أو خاضعة لرقابة. لذلك، أصبح دوري مُعلّمةً، "تطعيم" هذا الكتاب بموادّ إضافيّة: قصص من التاريخ، مقالات من صحف، فيديوهات توثّق الواقع، ونقاشات حول قضايا معاصرة. الكتاب نقطة الانطلاق، لكنّ رحلتنا التعليميّة تمتدّ إلى ما هو أبعد من غلافه، لتعكس صوتنا وحقيقتنا.
هل سبق وفكّرتِ بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلكِ تبقين؟
نعم، مثل كلّ إنسان يئنّ تحت وطأة الضغوط. ولكن أبقى لبريق من نظرة ذلك الطفل الذي يرى في المدرسة ملاذه الآمن من صخب العالم الخارجيّ. ولطفولتي التي علّمتني قساوة الحاجة لابتسامة معلّم في زمن الفقر. في فلسطين، التعليم رسالة وطنيّة وإنسانيّة قبل أن يكون وظيفة. الاستقالة تعني التخلّي عن جزء من مسؤوليّتي تجاه بناء مستقبل هذا المكان.
ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟
في عصر الذكاء الاصطناعيّ، يجب أن تكون مهاراتنا أكثر إنسانيّة: ومن الأهمّيّة المحافظة على تراثنا وثقافتنا.
من المهارات التي يجب أن ندرّب المتعلّم عليها:
- - التفكير النقديّ والتمييز: القدرة على التمييز بين المعلومات والحقائق، بين الآلة والإنسان.
- - الذكاء العاطفيّ والاجتماعيّ: هذه هي المهارات الليّنة، التي لا تمتلكها الآلات.
- - المبادرة والإبداع: أن نكون قادرين على ابتكار حلول من لا شيء، ولدينا روح المبادرة.
ما أهمّ استراتيجيّاتكِ في شدّ انتباه المتعلّمين؟
- - التعليم القائم على المشاريع: التحوّل من "التعلّم من أجل الامتحان" إلى "التعلّم من أجل الفهم والتطبيق"، وربط الدروس بالواقع.
- - استراتيجيّات قائمة على التكنولوجيا وفهم الواقع الافتراضيّ، واستطلاعات الرأي والمسابقات التفاعليّة.
- - التعلّم القائم على السيناريوهات: وضع المتعلّمين في سيناريو افتراضيّ يتّخذون فيه قرارات.
هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟
لسنا حرّاسًا في سجون، فتعبير ضبط الصفّ يحمل بعضًا من السلطويّة والقمع. وكوني موجّهة ومرشدة ومديرة في مؤسّستي، تعزّز وجود بيئة آمنة يحترم فيها الجميع بعضهم البعض، وتبنّى علاقات التعاون من دون فرض السلطة. من هنا، يشعر الطالب بأنّه مقدّر وآمن، فيأتي الضبط تلقائيًّا، وهكذا دور المعلّم.
ما الذي يجعلك تضحكين في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ ولماذا؟
براءة الأطفال وتلقائيّتهم عندما نواجه اجتياحًا من المستعمرين أثناء الدوام المدرسيّ، وطفلة تسألني: هل ستقتلينهم حتّى لا يقتلونني؟ أضحك، لأنّني أعرف أنّني أستطيع قتلهم بالعلم وصناعة الأجيال. ولكنّني أطمئنها بالقول: نعم لا تخافي سأقتلهم. على رغم الخوف الذي يسود المكان. هذا الضحك تنفيس وعلاج، وهو ما يجعلنا نستمرّ.
أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأتِه في صفّحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟
مقالة التعليم التحرّريّ: نحو وعي نقديّ يتحدّى منطق القوّة والقهر، لنضال الحاج سليمان في منهجيّات. إذ ذكرت كيف يكون إعداد معلّم منخرط في تعليم تحرّريّ وفق نظريّة "باولو فريري". كما أشارت إلى أنّ التعليم يبدأ من فهم الواقع الاجتماعيّ، ثمّ ينطلق منه إلى العمل في بيئة التعلّم أو الحجرة الصفّيّة، حيث يتفاعل المعلّمون مع الطلّاب في حالة بناء المعرفة، بعيدًا عن التعليم التلقينيّ "البنكيّ". هذا النموذج جوهر ما نحتاج إليه لبناء جيل قادر على المواجهة والبناء. في السياق الفلسطينيّ لنحرّر العقل من الخوف والخضوع.
إذا كتبتِ يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ ولماذا؟
سيكون عنوانه "الكرّاسة والقلم: أسلحة لا تُقهر"، هذا العنوان يلخّص فلسفتنا. في خضم كلّ الدبابات والصواريخ والصوت العالي للعنف. يظلّ صوت قلم يكتب على ورقة، هو الصوت الأعلى.



