ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتك إلى التعليم؟
أحدثت الحروب والأزمات المتلاحقة في العالم العربيّ، منذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تغييرات جذريّة وعميقة في بنية المنظومة التعليميّة، لم تقتصر على تدمير المدارس، بل امتدّت لتطال جودة التعليم وهويّته، بل ومستقبل أجيال كاملة.
ومن أبرز هذه التحوّلات:
• التسرّب المدرسيّ، وما ترتّب عليه من ضياع فرص تعليميّة ومصيريّة لعدد كبير من المتعلّمين.
• التحوّل القسري نحو "التعليم البديل"، نتيجة استحالة استمرار التعليم في المناطق غير الآمنة، ما فرض ظهور نماذج جديدة، من بينها التعليم عن بُعد (E-Learning)، على الرغم من ضعف خدمات الإنترنت في كثير من السياقات، ليغدو التعليم الرقميّ خيارًا اضطراريًّا لا ترفًا، كما حدث في لبنان وعدد من البلدان العربيّة في محاولة لإنقاذ العام الدراسيّ.
• تعزيز الدعم النفسيّ والاجتماعيّ داخل المدارس، حيث باتت المؤسّسات التعليميّة مطالبة بتأمين بيئة آمنة وداعمة للمتعلّمين في ظلّ الصدمات المستمرّة.
• إدراج التوعية من المخاطر ضمن الأنشطة المدرسيّة، بما في ذلك الإرشادات حول التصرّف أثناء القصف، والإسعافات الأوّليّة، إضافة إلى برامج تدريبيّة تتضمّن خطط طوارئ للتعامل مع الأزمات والمخاطر.
• هجرة عدد كبير من أفراد الهيئات التعليميّة إلى مناطق أكثر أمانًا، ما أدّى إلى نقصٍ حادّ في الموارد البشريّة المؤهّلة وذات الخبرة.
كما فرضت هذه التحوّلات على المدرسة أدوارًا جديدة تتجاوز التعليم والتربية التقليديّة، لتشمل أيضًا الحماية والدعم النفسيّ والاجتماعيّ للمتعلّمين، في سياقات بات فيها التعليم نفسه جزءًا من إدارة الأزمة.
ما الذي تتمنّين لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ لماذا؟
التعليم ليس مجرّد نقلٍ للمعلومات، بل هو عمليّة إنسانيّة معقّدة، تختبئ خلفها حقائق جوهريّة عن واقع المعلّم المعاصر تتجاوز لغة الأرقام والإحصائيّات. ومن هنا، فإنّ ما نتمنّى أن يدركه صنّاع القرار يتمثّل في الآتي:
• الفجوة بين التخطيط النظريّ والتطبيق الصفّيّ؛ فما يُرسم على الورق داخل المكاتب قد يصطدم بواقع مختلف تمامًا داخل الصفوف والمدارس.
• استنزاف الطاقة النفسيّة للمعلّم وما يرافقه من احتراق مهنيّ؛ فالمعلّم لم يعد مجرّد ناقلٍ للمعرفة، بل أصبح مرشدًا نفسيًّا، ومدير أزمات، ومربّيًا، ومقوّمًا للسلوك في آنٍ.
• الأعباء والمسؤوليّات الإداريّة التي تُرهق كاهل المعلّم؛ إذ يقضي ساعات طويلة بين التدريس، والتحضير، والتصحيح، وإعداد الأنشطة والمسابقات، بينما يفترض أن ينصرف جوهر دوره إلى بناء العلاقة مع المتعلّمين وتعزيزها داخل الغرفة الصفّيّة.
• ضرورة إشراك المعلّمين في صياغة السياسات التعليميّة وتطوير المناهج الدراسيّة؛ لأنّ المعلّم هو الخبير الحقيقيّ بخصائص الطلبة واحتياجاتهم، ومشاركته تضمن قرارات أكثر واقعيّة وقابليّة للتطبيق، وأثرًا أكثر استدامة.
• اعتبار تحسين وضع المعلّم أولويّةً قصوى لجذب الكفاءات والحفاظ عليها؛ فعندما يشعر المعلّم بالأمان المادّيّ والتقدير المجتمعيّ، ينخفض معدّل التسرّب الوظيفيّ، وتتحسّن جودة العمليّة التعليميّة ومخرجاتها.
هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟
ما يزال الكتاب المصدر الأساس لمنح التعليم تنظيمًا منطقيًّا، فهو الذي يضع الخارطة الذهنيّة للموضوعات (من البداية إلى الاحتراف). ومن دون الكتاب أو المنهج المنظّم، يصبح التعليم مشتّتًا ومجرّد معلومات مبعثرة.
في صفّي، مثلًا، ليس الكتاب مجرّد نصوص تُقرأ، بل هو نقطة انطلاق. ويقوم دوري على تبسيط المفاهيم المعقّدة، وتحديث المعلومات القديمة، وتحويل جمود الكتاب إلى حوار تفاعليّ حيّ. ومع التحوّل السريع في أدوات التعلّم، والانفتاح على التقنيّات الحديثة، ولا سيّما خلال فترة التعليم عن بُعد، عملتُ على إدخال وسائل حديثة مثل الأفلام الوثائقيّة والأدوات الإلكترونيّة، من دون التخلّي عن الكتاب، إذ يبقى نقطة البداية ونقطة الختام في كلّ درس.
هل سبق وفكّرتِ بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلك تبقى؟
قد تبدو إجابتي مبالغًا فيها، وقد يعتقد البعض أنّها غير واقعيّة، لا سيّما في ظلّ الأوضاع والظروف الصعبة التي يعيشها المعلّمون على الصعيدين المادّيّ والمهنيّ. إلّا أنّني، ومن دون أيّ تردّد، لم أفكّر يومًا في تقديم استقالتي من مهنة التعليم.
هذه المهنة التي طالما أحببتها حتّى الشغف، مهنة إنسانيّة بامتياز، رسالتها "بناء الإنسان". وكلّما تسلّل إليّ التعب أو الملل، وجدتني أعود إلى وجوه تلامذتي، فأستمدّ منها الحياة والقوّة، وأنهض من جديد لأتابع الطريق معهم وبهم.
ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟
لم يعد التعلّم قائمًا على التلقين، ولم يعد التركيز منصبًّا على كمّ المعلومات التي يحفظها المتعلّم، بل على كيفيّة التعامل مع هذه المعلومات، وتوظيف الآلة في خدمة الإبداع الإنسانيّ. ومن أهمّ المهارات التي ينبغي التركيز عليها لإعداد جيلٍ متمكّنٍ وقادرٍ على اتّخاذ القرارات وتوظيف التعلّم في الحياة:
• الذكاء الرقميّ والتعامل مع التقنيّات الحديثة بدلًا من الخوف من الذكاء الاصطناعيّ، بحيث يتعلّم الطلّاب كيفية توظيفه أداةً مساعدة في التعلّم والإنتاج.
• هندسة الأوامر (Prompt Engineering): أي القدرة على صياغة الأسئلة والتعليمات بشكل دقيق للحصول على أفضل النتائج من نماذج الذكاء الاصطناعيّ.
• فهم كيفيّة عمل البيانات، وقراءة مخرجات الخوارزميّات، وتحليلها وتفسيرها بشكل نقديّ.
• التفكير النقديّ، والقدرة على التحليل والتوليف والتحقّق من المعلومات قبل تبنّيها أو استخدامها.
• المهارات الإنسانيّة، ومنها الذكاء العاطفيّ وبناء العلاقات الاجتماعيّة عبر التواصل الفعّال، إضافة إلى الإبداع والابتكار وحلّ المشكلات والتفكير خارج الصندوق، إلى جانب الوعي بالأخلاقيّات الرقميّة المتعلّقة باستخدام التكنولوجيا، وتأثيرها في العلاقات الإنسانيّة والاجتماعيّة.
ما أهمّ استراتيجيّاتكِ في شدّ انتباه المتعلّمين؟
تعلّمت من تعاملي مع طلّابي أن أعمل على استخدام عدّة طرائق أو استّراتيجيّات لجذب انتباههم، كالتهيئة المحفزّة، أو اعتماد السؤال المحفّز، وأحيانًا القصّة القصيرة، أو العرض البصريّ، والتعلّم من الأقران، أو المناظرة. ولكنّ أفضل الاستراتيجيّات التي شدّت انتباه المتّعلمين، هي: استراتيجيّة لعب الأدوار، إذ يقوم المتّعلّم بدور المعلّم، ويتحوّل الصفّ إلى فرق تتشارك البحث والتقصّي وتوليد الأفكار، وتعمل على بناء آليّة لعرض المعلومات، وتتبنّى كلّ مجموعة طريقة لتقديم إنتاجها، وتعمل للدفاع عن أفكارها، ويتحوّل المتّعلّم إلى منتج للمعرفة بدلًا من تلقّيها.
هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟
لا يمكن للتعلّم أن يُعطي ثماره ضمن بيئة تعمّها الفوضى. ولكن، مع التحوّل الرقميّ والتطوّر في الوسائل والاستراتيجيّات، لم يعد المعلّم المصدر الوحيد للمعلومة. كما لم يعد مألوفًا أن يجلس المتعلّم بوصفه مستمعًا ومتلقّيًا فقط. من هنا، باتت عبارة "ضبط الصفّ" لا تتلاءم ومفهوم متعلّم للحياة؛ فالصفّ المنتج هو الذي يضجّ بالحركة والتواصل الفعّال، ويقوم على مشاركة المتعلّمين الفاعلة. فالضجيج المنتج أفضل من الصمت الراكد. والإجابات المرفقة بالحركة الجسديّة والحسّيّة دليل على حيويّة المتعلّمين واستجابتهم للتواصل مع المعلّم، مع الإبقاء على الإيقاع المنظّم داخل الغرفة الصفّيّة.
ما الذي يجعلك تضحكين في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ لماذا؟
تبقى المدرسة المكان الذي نقضي فيه معظم وقتنا مع أشخاص يمرّون بالظروف نفسها التي نمرّ فيها. وهذا ما يمكن تسميته بالمصير المشترك، الذي يولّد بيننا مشاعر لا يفهمها إلّا من تجمعهم التجارب ذاتها والتفاصيل المتشابهة. فقد نضحك على عبارة لطيفة يتفوّه بها متعلّم بعفويّة، أو على موقف طريف يحدث داخل الصفّ. وأحيانًا يكون الضحك وسيلة لكسر الجمود مع المتعلّمين أو الزملاء.
وتبقى المفارقة بين "صرامة الموقف" و"عفويّة اللحظة" وقودًا لهذا الضحك، بوصفه محاولة لاستعادة السيطرة على بعض المواقف الصعبة، وتقوية العلاقات داخل المدرسة، والتخفيف من الأعباء الاجتماعيّة. فالضحك في المدرسة استراحة المحارب التي يحتاج إليها العقل ليستكمل اليوم الدراسيّ بحيويّة وإنتاجيّة.
أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأتهِ في صفحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟
هناك تدوينة لي كتبتها منذ فترة في مدوّنة منهجيّات تحت عنوان: "أهمّيّة إشراك الأهل في المدرسة في النظام التربويّ"، لاقت استحسانًا لدى قرّاء المجلّة ومتابعيها. كما عُقدت العديد من المؤتمرات التي تناولت هذا العنوان لما له من أهمّيّة في بناء الشراكة بين المدرسة والأهل والمجتمع.
وقد تضمّنت المجلّة أيضًا العديد من المقالات المتنوّعة التي تناولت قضايا تربويّة واجتماعيّة وعلميّة مختلفة، غير أنّ العلاقة بين الأهل والمدرسة تبقى الأساس في تطوّر المجتمع وبناء الإنسان.
إذا كتبتِ يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ لماذا؟
لا أجد عنوانًا أجمل وأرقى يختزل تجربتي الطويلة في التعليم أكثر من "هندسة العقول" أو "الرسالة". فهما الأقرب إلى ما عملت له وما زلت أؤمن به في مسيرتي في هذا السلك الذي أعدّه رسالةً مقدّسة، غايتها بناء الإنسان: عقلًا، وفكرًا، ومشاعر، وإنسانيّة.



