في غزّة، لم يعد النزوح حدثًا عابرًا في ذاكرة الطفل، بل صار أسلوب حياة قسريًا.
طفلٌ يحمل حقّيبته الصغيرة، لا ليذهب إلى المدرسة، بل ليهرب من الموت.
ينام وهو لا يعرف أين سيستيقظ، ويستيقظ وهو لا يعلم إن كان هذا المكان سيبقى قائمًا حتّى المساء.
النزوح هنا ليس فقدان بيتٍ فقط، بل فقدان الإحساس بالأمان وبالاستقرار، وبالزمن نفسه.
ومع هذا الفقد المتكرّر، لا تُسلب الأرض وحدها، بل تُنتهك تباعًا حقوق الطفولة الأساسيّة:
الحقّ في الأمان وفي السكن وفي التعليم وفي اللعب وفي الصحّة النفسيّة. وهي حقوق نصّت عليها موادّ متعدّدة من اتفاقيّة حقوق الطفل، خصوصًا الموادّ (6) الحقّ في الحياة والنموّ، و(19) الحماية من العنف، و(28) التعليم، و(31) اللعب والراحة.
في هذا الفراغ القاسي، يتشكّل سلوك طفل النزوح؛ سلوكٌ لا يُقرأ بوصفه مشكلة، بل يُفهم على حقيقته: لغة نجاة لطفل حُرم من حقوقه في عالمٍ ينهار.
أولًا: الخوف… حين يسكن الجسد قبل الوعي
الخوف هو السلوك الأوّل والأكثر حضورًا لدى طفل النزوح في غزّة.
ليس خوفًا عابرًا، بل خوف متراكم، يتغلغل في الجسد ويعيد تشكيل الحياة اليوميّة.
طفل يتشبّث بيد أمه كأنّها آخر ما يربطه بالحياة. فزع عند أيّ صوت مرتفع، وبكاء بلا سبب واضح، وعيون تراقب السماء أكثر ممّا تراقب اللعب.
هذا الخوف لا يولد من فراغ، بل من حرمان الطفل حقّه في الأمان والحماية.
وحين يُنتهك هذا الحقّ، يصبح الخوف استجابة طبيعية لا اضطرابًا.
الحقّ في الأمان والحماية، ما تؤكّد عليه المادّة (19) من اتّفاقيّة حقوق الطفل التي تُلزم بحماية الطفل من جميع أشكال العنف أو الأذى.
ثانيًا: اضطراب النوم… حين يتحوّل الليل إلى ساحة حرب
في أماكن النزوح، لا يعرف الليل معنى الراحة.
طفل غزّة:
يستيقظ مرعوبًا من كوابيس القصف.
يتبوّل لا إراديًّا بعد أن كان متحكّمًا.
يرفض النوم منفردًا. ينام وهو متوتّر، كأنّ جسده في حالة استعداد دائم للهروب.
هذه الاضطرابات ليست ضعفًا، بل ردّ فعل عصبيّ طبيعيّ لطفل حُرم من حقّه في سكن آمن ومستقرّ، وهو ما يرتبط بالمادّة (27) التي تنصّ على حقّ الطفل في مستوى معيشيّ ملائم لنموّه الجسديّ والنفسيّ.
ثالثًا: السلوك المضطرب… حين يتحوّل الألم إلى فعل
في كثير من الأحيان، لا يبكي طفل النزوح… بل يضرُب.
لا يشتكي… بل يصرخ.
لا يشرح خوفه… بل يهاجم.
شجار متكرّر.
تكسير أدوات.
غضب مفاجئ.
فرط حركة وتشتّت.
هذه السلوكيّات لا تعبّر عن سوء أخلاق، بل عن عجز نفسيّ ولغويّ لطفل لا يجد من يسمعه.
وتشير المادة (39) من اتّفاقيّة حقوق الطفل إلى حقّ الأطفال المتضرّرين من النزاعات في التعافي النفسيّ وإعادة الاندماج الاجتماعيّ.
رابعًا: الصمت والانسحاب… حين يختفي الطفل من الداخل
في الجهة الأخرى، هناك أطفال لا يصرخون.. بل ينسحبون:
صمت طويل.
عزلة.
فقدان الاهتمام باللعب.
نظرات شاردة.
برود عاطفيّ.
هذا الصمت ليس هدوءًا، بل انسحاب دفاعيّ لطفل أثقله الألم، ويعكس حرمانًا من حقّه في الصحّة النفسيّة والدعم الاجتماعيّ، كما تؤكّد المادّة (24) المتعلّقة بالصحّة.
خامسًا: اللعب الصدميّ… حين تُسلب الطفولة حقّها في اللعب
يلعب طفل النزوح في غزّة، نعم…
لكن لعبه مختلف:
طائرات تقصف، إسعاف ينقل جرحى، دُمًى تموت وتُدفن.
حين يُحرم الطفل من حقّه في اللعب الآمن، لا يختفي اللعب، بل يتحوّل إلى مرآة للصدمة.
وتؤكّد المادّة (31) من اتّفاقية حقوق الطفل على حقّ الطفل في اللعب والترفيه، باعتباره جزءًا أساسيًّا من نموّه النفسيّ.
سادسًا: النضج القاسي… حين يُجبر الطفل على التخلّي عن طفولته
كثير من أطفال النزوح:
يتحمّلون مسؤوليّة إخوة أصغر.
يساعدون في جلب الماء أو الطعام.
يكبتون خوفهم "ليكونوا أقوياء".
هذا النضج القسريّ قد يبدو إيجابيًّا، لكنّه في حقيقته حرمان صامت من حقّ الطفولة، ويتعارض مع المادّة (32) التي تحمي الأطفال من الأعباء التي قد تضرّ بنموّهم وسلامتهم.
خاتمة: السلوك شهادة على حقّ منتهَك
المشكلات النفسيّة والسلوكيّة والاجتماعيّة لدى طفل النزوح في غزّة:
ليست خللًا فرديًّا، ولا فشلًا أسريًّا، ولا مشكلة تربويّة.
إنّها نتيجة مباشرة لحرمانٍ متواصل من حقوق الطفولة.
سلوك طفل النزوح ليس مشكلة…
بل رسالة تقول:
"أنا خائف، لكنّي ما زلت أريد أن أعيش".



