يشهد التعليم اليوم تحوّل جذريّ، تدفعه قوّتين هائلتين في محاولة لتشكيل ملامح عالمنا من جديد: العولمة التي أخفت الحواجز بين المجتمعات والذكاء الاصطناعيّ وإمكانيّاته التي تعدّت الحدود. هذا التقاطع المؤكّد بينهما جعل الأنظمة التعليميّة في مهبّ عاصفة من الفرص والتحدّيات. في الوقت الذي يفتح الذكاء الاصطناعيّ أبوابًا للتجارب الثريّة والمخصّصة في التعلّم مع وجود العولمة، سيكون بلا شكّ أداة تسريع للمخاطر الكامنة فيها، وأبرزها تآكل الهويّات الثقافيّة وزيادة الفجوات المعرفيّة. وكوننا مربّيين، من واجبنا الغوص في هذا الواقع الجديد بمنتهى الحكمة، حيث نعمل على تسخير التكنولوجيا من أجل أهداف تربويّة نرجوها بعيدًا عن فقدان بوصلتنا الثقافيّة.
الذكاء الاصطناعيّ: شريك التعلّم الجديد في الفصل الدراسيّ
انتهى عصر الذكاء الاصطناعيّ في روايات الخيال العلميّ، وأصبح واقعًا نلامسه في الفصول الدراسيّة في أرجاء العالم. تتّضح إسهامات هذا الذكاء في القدرة التي يتملّكها في تخصيص مسارات التعلّم
(Personalized Learning Paths)، فأنظمة الذكاء الاصطناعيّ التكيّفيّّة تقوم بتحليل أداء كلّ طالب منفردًا، وتحدّد نقاط قوّته وضعفه، لتقديم أنشطة تعليميّة تتناسب مع مستواه والسرعة في التعلّم UNESCO 2021)). هذا النهج يتجاوز نموذج "مقاس واحد يناسب الجميع" التقليديّ، ويعد بتعليم أكثر فعّاليّة وإنصافًا.
كما يسهم الذكاء الاصطناعيّ في أتمتة المهامّ الإداريّة للمعلّمين، مثل تدوين العلامات وجدولة الحصص. ما يصبّ مجمل وقتهم للتركيز على الجوانب الإنسانيّة الأهمّ في التعليم، في مجال الإرشاد والتوجيه وبناء علاقات داعمة مع الطلّاب (Miao et al., 2021). هذه الأدوات تعزّز ممارسات المعلّم التربويّة وتمكّنه، وتزوّده برؤًى مستقبليّة قائمة على بيانات حقيقيّة ولا تهدف إلى استبدال المعلّم.
عندما يضخّم الذكاء الاصطناعيّ مخاطر العولمة
مع هذه الإمكانات الواعدة، يثير دمج الذكاء الاصطناعيّ في التعليم في سياق العولمة، قلقًا عميقًا لا يمكن تجاهله:
- 1. التحيّز الخوارزميّ والهيمنة الثقافيّة: تُطوّر معظم أنظمة الذكاء الاصطناعيّ وتُدرَّب على مجموعات بيانات ضخمة مصدرها دول غربيّة في المقام الأول. هذا الواقع يخلق خطرًا حقيقيًّا يتمثّل في "التحيّز الخوارزميّ" (Algorithmic Bias)، حيث تعكس هذه الأنظمة القيم ووجهات النظر والتصوّر التاريخيّ لمطوّريها مع الافتراض أنّها موضوعيّة، لكنّها غالبًا ما تكون مبرمجة بتحيّزات بشريّة كامنة (O'Neil, 2016). عندما تُطبّق هذه الأدوات عالميًّا، فإنّها قد تفرض سرديّة ثقافيّة مهيمنة، وتقدّم محتوًى تعليميًّا لا يعكس التنوّع الثقافيّ واللغويّ للمجتمعات الأخرى، ما يهدّد الهويّة المحليّة للطلّاب(Punyashloke, 2023).
- 2. تفاقم الفجوة الرقميّة إلى فجوة معرفيّة: لطالما كانت "الفجوة الرقميّة" تحدّيًا رئيسًّا في التعليم العالميّ. ومع ظهور الذكاء الاصطناعيّ، تتطوّر هذه الفجوة لتصبح أكثر تعقيدًا. فالدول والمؤسّسات التي تمتلك الموارد للاستثمار في البنية التحتيّة وتدريب الكوادر وتطوير المحتوى المحلّيّ؛ ستجني ثمار هذه الثورة التكنولوجيّة، بينما ستتخلّف الدول الأخرى عن الركب. هذا لا يؤدّي فقط إلى عدم المساواة في الوصول إلى التكنولوجيا، بل إلى فجوة معرفيّة عميقة بين من يستطيعون استخدام الذكاء الاصطناعيّ لتنمية المهارات ومن لا يستطيعون ((Holmes et al., 2022.
- 3. توحيد الفكر وتآكل الإبداع المحلّيّ: في سعيه لتحقيق الكفاءة، قد يدفع الذكاء الاصطناعيّ نحو تبنّي منصّات ومناهج تعليميّة موحّدة عالميًّا. وعلى رغم أنّ هذا قد يسهّل تقييم المهارات دوليًّا، إلّا أنّه يهدّد التنوّع الغنيّ في الفلسفات التربويّة والمناهج المحليّة التي تمثّل استجابة لاحتياجات مجتمعاتها وسياقاتها الفريدة. الاعتماد المفرط على حلول جاهزة قد يقود إلى "تعليم معلّب" يحدّ من قدرة الأنظمة التعليميّة على الابتكار ومعالجة تحدّياتها الخاصّة (Selwyn, 2019).
- 4. استراتيجيّة للمستقبل: نحو ذكاء اصطناعيّ واعٍ ثقافيًّا
مواجهة هذه المشكلات لا تعني رفض واقع نشأ منذ تطوّر الثورة الرقميّة. على النقيض، تتطلّب نهجًا استراتيجيًّا وواقعيًّا. ولهذا يجب على الأنظمة التعليميّة – وبخاصّة في العالم العربيّ - العمل في المجالات الآتية:
- يجب أن يتضمّن البناء الوطنيّ نماذج من الكفاءات على الأقلّ للسيادة الرقميّة: على العالم العربيّ الاستثمار بشكل جديّ أكبر في تنمية نماذج ذكاء اصطناعيّ عربيّة، وتدريبها على بيانات محلّيّة تعكس ثقافتنا ولغتنا وتاريخنا وقيمنا.
- تعزيز الوعي الإعلاميّ والتأمّل العميق؛ أيّ التفكير الناقد والتربية الإعلاميّة: على المتلقّين والمعلّمين تعلّم المهارات التي من شأنها زيادة فرص تقييم ما يُقدّم إليهم، وتحديد التحيّزات فيه، وعدم ثقتهم بدورها ٍبوصفها حقيقة ثابتة من دون إبصار.
- وضع أطر تنظيميّة وأخلاقيّة: بات من الضروريّ وضع سياسات وتشريعات وطنيّة محدّثة تحكم إدماج الذكاء الاصطناعيّ في التعليم العالي. يتعيّن أن تكفل هذه الأطر حماية معطيات الطلّاب الشخصيّة، وتوفير الشفافيّة اللازمة في عمل الخوارزميّات، وتحديد المسؤوليّات عند وقوع أخطاء أو تحيّزات (Miao et al., 2021).
المعلّم هو البوصلة
في خضمّ هذه التحوّلات المتسارعة، يبقى المعلّم حجر الزاوية والمرتكز الأساسيّ. لا يمكن لأيّ قدر من الذكاء الاصطناعيّ أن يحلّ محلّ الحكمة البشريّة والتعاطف، والقدرة على إلهام الطلّاب. دورنا اليوم تمكين المعلّمين ليصبحوا مرشدين ماهرين في هذا العصر الرقميّ، قادرين على توجيه طلّابهم لاستخدام هذه الأدوات القويّة بوعي ومسؤوليّة. مستقبل التعليم لا يكمن في الاختيار بين التكنولوجيا والهويّة، بل في قدرتنا على دمجهما ببراعة، لنبني جيلًا مبتكرًا، منفتحًا على العالم، وجذور هويّته متجذّرة في أعماق ثقافته.
المراجع:
- - Holmes, W., & Porayska-Pomsta, K. (Eds.). (2022). The Ethics of Artificial Intelligence in Education: Practices, Challenges, and Debates (1st ed.). Routledge. https://doi.org/10.4324/9780429329067
- - Miao, F., Holmes, W., Huang, R., & Zhang, H. (2021). AI and education: Guidance for policy-makers. UNESCO Publishing. https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000376709
- - O'Neil, C. (2016). Weapons of Math Destruction: How Big Data Increases Inequality and Threatens Democracy. Crown Publishing Group.
- - Porayska-Pomsta, K., Holmes, W., & Nemorin, S. (2023). The ethics of AI in education. In Handbook of artificial intelligence in education (pp. 571-604). Edward Elgar Publishing
- - Selwyn, N. (2019). Should robots replace teachers? AI and the future of education. Polity Press http://politybooks.com/bookdetail/?isbn=9781509528950
- - UNESCO. (2021). AI and education: A promising frontier. UNESCO. https://en.unesco.org/themes/ict-education/ai-education



