الواقع والمتوقّع بخصوص التربية الدامجة في العالم العربيّ!
الواقع والمتوقّع بخصوص التربية الدامجة في العالم العربيّ!
Sun, 29 Mar 2026 - 11:41
أجدور عبد اللطيف | كاتب صحفيّ وباحث تربويّ- المغرب

تتقاطع الأنظمة التربويّة العربيّة في الكثير من النقاط التي تهمّ مشكلات التنظير والممارسة. ويرجع ذلك أساسًا إلى تشابه البنيات الاجتماعيّة والسياسيّة والأوضاع الاقتصاديّة إلى حدّ كبير. وتشترك أكثر في العقبات التي تعترض تحقيقها للنجاح والجودة المرجوّتين، كلّما كانت القضيّة التربويّة ذات خصوصيّة ومتفرّدة، كما هو الشأن بالنسبة إلى التربية الدامجة.

عُقدت - في السياق المذكور - عدّة لقاءات ومؤتمرات على الصعيد العربيّ لبحث واقع التربية الدامجة ومآلاتها، سعيًا للخروج بتوصيات تروم النفاد بهذه الفئة من وضعيّتها الهشّة جدًّا. وقبل الرجوع إلى بعض هذه الفعّاليّات، ينبغي أن نعرف أوّلًا: ما التربية الدامجة؟

إنّها ببساطة نظام تربويّ يأخذ بعين الاعتبار، في مجال التعليم والتعلّم، الاحتياجات الخاصّة لكلّ الأطفال واليافعين الموجودين في وضعيّة تهميش وهشاشة، بمن فيهم الأطفال في وضعيّة إعاقة. وهو يستهدف إزاحة التهميش وتحسين شروط التربية للجميع، ويشمل بذلك كلّ المناهج والآليّات والعمليّات المرتبطة بهذا الهدف.

ومن أجل تحقيق الهدف ذاته، أشرفت كلّيّة التربية في جامعة دمشق سنة 2013، على بحث موسّع قادته مجموعة من الخبراء للكشف عن وضعيّة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة، ولا سيّما في سياق ظروف الحرب. وبيّنت نتائجها أنّ 22% فقط من المدارس السوريّة، تحقّق معايير الدمج، وهو رقم هزيل¹. كما إنّه ليس مرجعًا دقيًقا، كون الدراسة عجزت عن الوصول إلى جميع المدارس لجمع معطيات عنها. وقد انتهت الأدوات المعتمدة لقياس التفاعل، إلى كون غالبيّة المدرّسين يجهلون نوع الإعاقات وكيفيّة التعامل معها، لأنّهم يفتقدون بشكل كلّيّ لأيّة تكوينات تؤهّلهم للاضطلاع بهذه المهمّة الحيويّة. 

عقد المرصد المغربيّ سنة 2020، ندوة دوليّة عن بعد في موضوع: من التربية الدامجة إلى المجتمع الدامج²، لحثّ المتدخّلين والباحثين على التفكير في توصيات تبتغي تحقيق قفزة في هذا المجال المهمّ. كما ثمّنت ديناميّة التطوّر الذي تعرفه حالة الأطفال في وضعيّة إعاقة، حيث انتقل - على سبيل المثال - عدد الجمعيّات المهتمّة بهذه الشريحة من 141 سنة 2015، إلى 352 سنة 2020 في المغرب، حسب المرصد المغربيّ للتربية الدامجة.

لكنّ هذا الرقم لا يعكس بالضرورة وضعيّة مريحة بخصوص هذه القضيّة، لأنّ العبرة بالكيف لا بالكمّ. ولأنّ بعض الجمعيّات المختصّة بهذه الفئات، تستفيد من الدعم الماليّ الحكوميّ الموجّه لهذا القطاع، ولا يقوم، بعضها، بما يناط به من أدوار نهائيًّا، أو بشكل كافٍ في أحسن الأحوال.

 

من جانبها عقدت وزارة التربية السعوديّة "اللقاء العربيّ حول التربية الخاصّة"³، بغية تحديد المشاكل التي تعترض النهوض بأوضاع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة في العالم العربيّ، واعتماد مخرجات تلتزم الدول المشاركة بتنزيلها.

ويمكن إيجاز مشاكل التربية الدامجة أساسًا في النقاط الآتية:

- غياب مرجعيّة علميّة مقنّنة ترتكز عليها الأنظمة التربويّة العربيّة لمقاربة هذا الموضوع.

- غياب التكوين و/ أو التكوين المستمرّ للأساتذة والأطر التربويّة والإداريّة في منهجيّات التعامل مع هذه الفئة.

- غياب مناهج تعليميّة ومقرّرات خاصّة بهذه الفئة.

- التعامل مع قضيّة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة والتربية الدامجة بوصفه موضوعًا ثانويًّا غير مستعجل، وبالتالي عدم إيلائه الدعم الماليّ والإعلاميّ والتنظيميّ المناسب.

-  ندرة الأطر والمؤسّسات الخاصّة بهذه الفئة، وعدم كفايتها ولا كفاءتها.

يتّضح جليًّا مما سلف ذكره أنّ وضعيّة التربية الدامجة في العالم العربيّ بالغة الهشاشة. وتفتقد المبادرات التي تشتغل في هذا الصدد إلى الزخم التنظيميّ والإداريّ، وإلى التنظير العلميّ والتطبيق المحكم لتحقيق النتائج المرجوّة التي تنعكس إيجابًا على واقع هذه الشريحة من المجتمع. ويمكن هنا الانفتاح على بعض التجارب الرائدة في هذا الصدد من خلال مطالعة النظام الفرنسيّ، ثم الكنديّ، ثم اليابانيّ⁴.

 

النظام الفرنسيّ

تُزاوج فرنسا بين إنشاء مدارس خاصّة لتأهيل الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصّة، وبين إنشاء أقسام خاصّة بالتربية الدامجة داخل المدارس العموميّة العاديّة. وتهتمّ أكثر بالصنف الثاني من أجل خلق فضاء احتكاك بين هؤلاء الأطفال وأقرانهم من عامّة الأطفال لترسيخ المساواة والاندماج بينهم، وعدم تكريس العزلة والانكفاء.

وتحرص الحكومة الفرنسيّة على مدّ المدارس بالأطر والتجهيزات الضروريّة لتوفير شروط خدمة هذه الفئة والسهر على راحتها.

 

النظام الكنديّ

تقسّم كندا الأطر العاملة في مجال التربية الدامجة إلى ثلاث فئات رئيسة، وهي: فئة المرشدين أو المستشارين، ويشتغلون أساسًا بوضع الخطط والبرامج المناسبة لكلّ فئة حسب نوع الإعاقة واحتياجاتها؛ وفئة البيداغوجيّين أو المنشّطين، ومهمّتهم تنفيذ هذه البرامج والسهر على تطبيقها الصحيح بالشكل الأمثل، وتوفير ظروف الاشتغال؛ وفئة المعالجين أو السيكولوجيّين، ويتلخّص دورهم في تتبّع تطوّر الأطفال، ورصد مؤشّرات تفاعلهم مع العمليّة التعليميّة وتحليل نتائجهم، كما يقومون بتقييم الخطط المعتمدة وتتبّعها لإدخال تعديلات عليها متى دعت الحاجة إلى ذلك.

كما تركّز على تكييف الامتحانات وروائز التقويم من أجل ملائمتها لنوعيّة الإعاقات، وذلك لاحترام مبدأ تكافؤ الفرص.

 

النظام اليابانيّ  Jiritsu Katsud

يُطلق عليه كذلك نظام الأنشطة لتعزيز الاستقلال. ويهدف كما يتّضح من تسميته، إلى تحقيق أعلى مستويات الاستقلاليّة للأفراد الذين يعانون إعاقات. ويضع هذا النظام المبادئ الثلاثة: المجّانيّة والإلزاميّة والجودة، بمثابة المرتكزات التي تقوم عليها سياسة الحكومة اليابانيّة بخصوص التربية الدامجة.

كما توفّر مناهج خاصّة بكلّ إعاقة على حدة، وتستثمر في التكنولوجيا وتكنولوجيا المعلومات والاتّصال من أجل تبسيط عمليات التعلّم، وتشجيع البحث العلميّ والتكنولوجيّ للدفع أكثر ببرامج التربية الدامجة إلى مستويات أعلى وأكثر ريادة وإبداعّا. ويكفي العلم بأنّ كلّ قسم مخصّص للتربية الدامجة، فيه على الأقلّ مترجمين اثنين خاصّين بلغة الإشارة حسب نوع الإعاقات.

***

تتزايد أعداد الأشخاص في وضعيّة إعاقة عبر العالم، تبعًا للتزايد الديموغرافي المطّرد. كما تتزايد احتياجاتهم بتزايد تحدّيات العالم وتناسل أزماته. وبالتالي تزداد الحاجة إلى العناية أكثر فأكثر بالتربية الدامجة، لصيانة الحقّ في حياة سليمة ومتوازنة ما أمكن لهؤلاء الأفراد.

بتتبّع المؤشّرات المذكورة، وبمطالعة التجارب الرائدة في هذا الاتّجاه، يمكننا القول إنّ الإرادة السياسيّة الصادقة، بما تستلزمه من تشريعات وتمويلات كافية وحريصة، ومن تصوّر تربويّ واجتماعيّ مرن ومبتكر يشمل الأسر والأطر، ويسخّر الأنماط التنظيميّة تعليميًّا وطبيًّا وإداريًّا وإعلاميًّا، وحدها تستطيع تحقيق تربية دامجة حقيقيّة وفعّالة.

 

¹.سوناتا الوكالة الإخباريّة السوريّة

² مدوّنة صحراء نيوز

³ منشورات وزارة التربية السعودّية

⁴ عن مدونة: فضاء التربية الدامجة، تجارب دوليّة في مجال التربية الدامجة