يُعدّ المنهج المرن توجّهًا حديثًا في تطوير التعليم، يقوم على مبدأ أنّ عمليّة التعلّم تختلف باختلاف قدرات المتعلّمين واهتماماتهم وسرعة اكتسابهم للمعرفة. ينطلق المنهج المرن من إيمان بأنّ المحتوى التعليميّ وأساليب التدريس والتقويم، ينبغي أنّ تكون قابلة للتعديل والتكيّف بما يستوعب تنوّع المتعلّمين، ويعزّز مشاركتهم الفاعلة في تشكيل تجاربهم التعليميّة. ويسعى لتوفير بيئة تعليميّة محفّزة، تمكّن كلّ متعلّم من النموّ وفقًا لإمكاناته وإيقاعه الخاصّ، استنادًا إلى مرونته في تحديد الأهداف والمحتوى وطرائق التعلّم.
نشأ مفهوم المنهج المرن استجابةً للتحوّلات الكبرى التي شهدها الفكر التربويّ في العقود الأخيرة، ولا سيّما الانتقال من نموذج التعليم المتمركز حول المعلّم، إلى نموذج التعليم المتمركز حول المتعلّم، إذ تأثّر بنظريّات التعلّم الحديثة، مثل البنائيّة والتعلّم الذاتيّ والتعلّم المدمج، والتي تؤكّد جميعها أهمّيّة مراعاة الفروق الفرديّة، وتمكين المتعلّمين من إدارة تجاربهم التعليميّة بأنفسهم (IRMA, 2015). ومع تطوّر التقنيّات الرقميّة واتّساع نطاق التعلّم الإلكترونيّ، ظهرت الحاجة إلى مناهج أكثر انفتاحًا وقابليّة للتخصيص، تُتيح للمتعلّمين اختيار المسار والوتيرة والأدوات التي تناسبهم، ليغدو المنهج المرن استجابة واقعيّة لتحدّيات التعليم في القرن الحادي والعشرين (IRMA, 2018).
ويمثّل المنهج المرن إطارًا تعليميًّا ديناميًّا، مصمّمًا للسماح بالتكيّف والتعديل، وفق احتياجات المتعلّمين وظروفهم وسياقاتهم المتنوّعة. فهو قائم على مبدأ تنويع الأهداف والمحتوى وأساليب التدريس والتقويم، بما يمكّن المعلّمين والمتعلّمين من إعادة صياغة الخبرات التعليميّة، لتحقيق أقصى قدر من الفاعليّة. ويهدف إلى إتاحة فرص تعلّم متكافئة تراعي الفروق الفرديّة، وتسمح لكلّ متعلّم بالتقدّم وفق وتيرته الخاصّة. كما يتميّز بقدرته على الجمع بين التعلّم المباشر والرقميّ، وبين التعلّم الفرديّ والجماعيّ، ما يدعم التعلّم العميق والمستدام (OECD, 2024).
ويستند المنهج المرن إلى مجموعة من المفهومات التربويّة التي تشكّل جوهره، وتوجّه ممارساته التعليميّة. فهو يعتمد على مفهوم التعلّم المتمركز حول المتعلّم، والذي يضع الطالب في قلب العمليّة التعليميّة، شريكًا فاعلًا في تصميم مساره وتجربته الخاصّة (Chauhan et al, 2021). كما يقوم على مفهوم التعلّم الذاتيّ الذي يمنح المتعلّمين حرّيّة اختيار المحتوى والأنشطة التي تلائم احتياجاتهم وقدراتهم، ومفهوم التعليم المتمايز الذي يُتيح تعدّد المسارات والأنشطة وطرائق التقويم، بما يراعي الفروق الفرديّة بينهم (Manglik, 2024). ويتبنّى أيضًا مفهوم التعلّم مدى الحياة، باعتباره عمليّة مستمرّة تتجاوز حدود المدرسة، وتشجّع الأفراد على الاستقلال المعرفيّ، والسعي الدائم لاستكشاف المعرفة في سياقات واقعيّة ومنفتحة (كوليز، 2020).
وتظهر أهداف المنهج المرن في تمكين المتعلّمين من تحمّل مسؤوليّة تعلّمهم، عن طريق منحهـم حرّيّة الاختيار والتوجيه الذاتيّ في تحديد أساليب التعلّم ومساراته، وفي مراعاة الفروق الفرديّة، وتوفير بيئة تعليميّة تستجيب لاحتياجاتهم المتنوّعة. كما يهدف إلى تنمية مهارات التفكير العليا، مثل التحليل والنقد وحلّ المشكلات، وتشجيع التعلّم الذاتيّ والمستمرّ الذي يتجاوز جدران الصفّ والمدرسة. ويسعى كذلك إلى تعزيز الدافعيّة الداخليّة للتعلّم، وبناء شخصيّة متوازنة قادرة على التكيّف والإبداع، في مواجهة تحدّيات الحياة المتغيّرة (Khan, 2017).
المراجع
- كوليز، بيتي. (2020). التعلّم المرن في عالم رقميّ: خبرات وتوقّعات. (ترجمة: شاهين، بهاء). مجموعة النيل العربيّة للطباعة والنشر والتوزيع.
- Chauhan, J., Ode, D. & Sharma, A. (2021). Concepts of Education. RED'SHINE Publication.
- IRMA. (2015). Curriculum Design and Classroom Management: Concepts, Methodologies, Tools, and Applications. IGI Global Scientific Publishing.
- IRMA. (2018). Online Course Management: Concepts, Methodologies, Tools, and Applications. IGI Global Scientific Publishing.
- Khan, B. (2017). Flexible Learning in an Information Society. Information Science Pub.
- Manglik, R. (2024). Curriculum Development and Implementation. EduGorilla Publication.
- OECD. (2024). Curriculum Flexibility and Autonomy: Promoting a Thriving Learning Environment. OECD Publishing.




نشر في عدد (23) شتاء 2026