الدمج المفاهيميّ وتطبيقاته في التعليم الشامل داخل الصفوف متنوعّة الجنسيّات
الدمج المفاهيميّ وتطبيقاته في التعليم الشامل داخل الصفوف متنوعّة الجنسيّات
سالم الترابين | معلّم – قطر

تعرض هذه المقالة قضيّة إشكاليّة تواجه العديد من المعلّمين في الصفوف متنوّعة اللغات، أو متنوّعة الجنسيّات، وبالتالي متنوّعة الثقـافات. وواقعيًّا، فإنّ مثل هذه الصفوف موجود في دول الخليج، بوصفها دولًا حاضنة لجاليات لديها إقامات لأسباب متنوّعة. كما يمكن أن تتواجد مثل هذه الصفوف في الدول الحاضنة للاجئين، مثل الأردنّ (في مواضع ضيّقة)، إذ تؤكّد هذه الدول أنّ التعليم حقّ للجميع. وتوافد المقيمين، أو اللاجئين من دول العالم بجنسيّاتهم المتنوّعة، جعل التعليم في مواجهة تحدّيات كبيرة، أهمّها فرض التعليم المدرسيّ وفق أسس بنائيّة تتعلّق بديموغرافيا الدولة وثقافتها، وتتعلّق أيضًا بهويّة الدولة الوطنيّة. لذلك عمدت هذه الدول، مثل دول الخليج، إلى إنشاء مدارس مستقلّة تختصّ بجنسيّة كلّ دولة. فمثلًا، في دولة قطر، هناك المدرسة الأردنيّة والفلسطينيّة والتونسيّة والباكستانيّة والهنديّة، والعديد من المدارس التي تدرّس ثقافة تلك الجنسيّات. ولكنّ مثل هذه المدارس لا تغطّي كلّ الطلبة المستهدفين، وأحيانًا تستوعب طلّابًا من غير جنسيّتها، فيعمد العديد من تلك الجنسيّات إلى التعلّم في المدارس الحكوميّة، والتي تُغذّى ببرنامج وطنيّ. وهنا يواجه المعلّم صفًّا يحوي جنسيّات متنوّعة ولغات متنوّعة. 

استنادًا إلى هذا التنوّع، ستعرض هذه المقالة فكرة استخدام الدمج المفاهيميّ في الصفوف متنوّعة الجنسيّات، ومدى فائدة هذه النظريّة داخل هذه الصفوف. كما ستعرض العلاقة بين نظريّة الدمج المفاهيميّ، بوصفها نظريّة إدراكيّة عقليّة، مع التعليم الشامل بوصفه هدفًا معرفيًّا يؤمن بالاختلاف، ويحوّله إلى مصدر قوّة معرفيّة. ستكون هذه المقال في حدود العناوين الآتية: أوّلًا، مفهوم الدمج المفاهيميّ. ثانيًا، تطبيقات الدمج المفاهيميّ في التعليم الشامل. ثالثًا، أهمّيّة الدمج المفاهيميّ في التعليم الشامل.   

   

أوّلًا: مفهوم الدمج المفاهيميّ 

الدمج المفاهيميّ عمليّة عقليّة يقوم فيها الدماغ بدمج فضاءين ذهنيّين أو أكثر، لإنشاء معنًى جديد غير موجود في أيّ فضاء بمفرده، يساعد في الحياة اليوميّة والعلوم، خصوصًا العلوم الاجتماعيّة والسلوكيّة، وكذلك في صنوف المعرفة المتنوّعة. طوّر هذا المفهوم جان فوكونييه (Gilles Fauconnier) ومارك تيرنر (Mark Turner) في كتابهما The Way We Think (2002). 

القارئ لفصول الكتاب المتنوّعة، يجد أنّ فكرة الدمج المفاهيميّ تقوم على مرتكزات بسيطة جدًّا. فالإنسان لا يكتفي بنقل الأفكار كما هي، بل يبتكر فضاءات جديدة تمكّنه من المزج بين مفاهيم متباعدة. ولتوضيح ذلك نورد المثال الآتي: لو قال طالب: "وطني سماء"، فهنا تُنشأ علاقة بين عنصرين متباعدين، الوطن والسماء، وينتج عن الدمج بينهما مفهوم جديد أو فضاء دلاليّ يفهمه الجميع، هو علوّ الوطن ورفعته. ومن الواضح أنّ هذه النظريّة نشأت على بنية استعاريّة لسانيّة، تُسهم في بناء الإدراك. 

وعند المؤلّفين ما يُسمّى نموذج "البنية النظريّة للدمج"، والذي يقوم على الفضاءات الأربعة: فضاء الإدخال (1)، وفضاء الإدخال (2)، والفضاء العامّ (المشترك)، والفضاء المدموج (الجديد أو الفائدة). كما يذكر المؤلّفان نماذج متنوّعة للفهم مستندة إلى أمثلة من حياتنا العمليّة، وهي أمثلة لسانيّة واستعاريّة مختلفة. فالتعبير "الزمن يجري" مثلًا، يمثّل فضاءً مدموجًا يتكوّن من مدخل 1 "الزمن"، ومدخل 2 "النهر"، ويتفاعلان داخل فضاء عامّ يقوم على فكرة الحركة المستمرّة. وللتوضيح أكثر يمكن الرجوع إلى النموذج رقم (1). 

سالم الترابين

نموذج رقم (1). 

تقوم نظريّة الدمج المفاهيميّ على ادّعاء أساسيّ، مفاده أنّ الخيال البشريّ يؤدّي دورًا حاسمًا في العمليّات الإدراكيّة، والاهتمام بالخيال البشريّ. وحدّد المؤلّفان ثلاث عمليّات مكوّنة، تؤدّي إلى البنية البارزة في نظريّة الدمج المفاهيميّ، وهي: التأليف والإتمام والبلورة. وهذه الثلاثيّة ستكون نتاجًا عامًّا في ربط نظريّة الدمج المفاهيميّ في إطار التعليم، وخصوصًا التعليم الشامل. فالتأليف بناء الفضاءات الذهنيّة داخل العمليّة التعليمية؛ والإتمام مجموعة عمليّات الإسقاط والتطابق؛ أمّا البلورة فالتماسك النهائيّ لتلك الفضاءات المدموجة. ولكنّ مصطلحات التنظير تحتاج إلى واقع عمليّ أكثر من أجل فهمها بشكل مباشر، لذلك سيكون العنوان الآتي مجموعة من الأمثلة التطبيقيّة للدمج المفاهيميّ من أجل تعليم شامل.    

 

تطبيقات الدمج المفاهيميّ في التعليم الشامل 

يحتاج نقل نظريّة الدمج المفاهيميّ من حيّز اللغة إلى المدرسة، إلى تواصل تطبيقيّ. وهذا ليس أمرًا صعبًا، إذ إنّ النظريّة تقوم أساسًا على المدخلات، ما يجعل تطبيق الدمج المفاهيميّ داخل الإطار المدرسيّ أمرًا يسيرًا، خصوصًا في الصفوف متعدّدة الجنسيّات. وهنا يظهر أهمّيّة معرفة سنوات الربط المفاهيميّ؛ فالعيّنة التي نُدرّس لها قد تضمّ طلّابًا درسوا جميع مراحلهم التعليميّة في بيئة واحدة، وفي هذه الحال يكون التعليم الشامل قد أخذ مداه الطبيعيّ. أمّا المشكلة فتتجلّى عندما يجد الطالب صعوبة في التفاعل، في مرحلة تعليميّة تحتاج إلى بناء ذهنيّ إدراكيّ أعمق، للوصول إلى سلوك معرفيّ متقدّم. من هذا المنطلق، يمكن تفسير سلوك الطالب المعرفيّ، ولو جزئيًّا، باستخدام آليّات الدمج المفاهيميّ؛ إذ إنّ دمج الأفكار والمفاهيم المختلفة، يؤدّي إلى سلوك أكثر إبداعًا ومرونة وتفاعلًا في التعلّم. وبالتالي، فتصميم الأنشطة التعليميّة وفق نموذج الدمج المفاهيميّ، يعزّز التفكير النقديّ والإبداعيّ لدى الطلّاب. وفي هذا السياق، سنتناول أربعة تطبيقات للدمج المفاهيميّ، تساعد في بلورة سلوك معرفيّ شامل، أي الوصول إلى التعليم الشامل، وهي: حلّ المشكلات الإبداعيّة، والتعلّم التجريبيّ والتفاعليّ، والقدرة على التكيّف، والتفكير المجرّد والرمزيّ. وبطبيعة الحال، تحتاج هذه التطبيقات إلى أمثلة متنوّعة لفهمها، إلّا أنّ مساحة المقال محدودة، لذا سنكتفي بالأمثلة الآتية التي تجمع تطبيقات الدمج المفاهيميّ بصورها الأربعة، ضمن حصص التكنولوجيا والعلوم واللغات. 

- التكنولوجيا: دمج مفهوم الجهاز العصبيّ مع شبكات الحاسوب 

(الفضاءات المدخلة)  

الفضاء الأوّل: الجهاز العصبيّ← (دماغ – أعصاب – نقل إشارات) 
الفضاء الثاني: شبكة الحاسوب← (خادم – أسلاك – نقل بيانات) 

(الدمج)  
الطلّاب يتخيّلون أنّ "الراوتر" يمثّل الدماغ، والكابلات تمثّل الأعصاب، وحزم البيانات تمثّل الإشارات العصبيّة. 

 (الفضاء العامّ) 
فهم أسرع لكيفيّة انتقال البيانات داخل الشبكات المعقّدة. 

- العلوم: دمج القلب مع المضخّة 

(الفضاءات المدخلة)

الفضاء الأوّل: الجهاز العصبيّ← (دماغ – أعصاب – نقل إشارات)
الفضاء الثاني: شبكة الحاسوب← (خادم – أسلاك – نقل بيانات)

(الدمج)
الطلّاب يتخيّلون أنّ "الراوتر" يمثّل الدماغ، والكابلات تمثّل الأعصاب، وحزم البيانات تمثّل الإشارات العصبيّة.

 (الفضاء العامّ)
فهم أسرع لكيفيّة انتقال البيانات داخل الشبكات المعقّدة.

- العلوم: دمج القلب مع المضخّة

(الفضاءات المدخلة)

الفضاء الأوّل: القلب←(انقباض – انبساط – صمّامات – ضخّ)
الفضاء الثاني: المضخّة← (ضغط – صمّامات – دفع سوائل)

(الدمج)

القلب يُفهم بوصفه نظام ضخّ، يعمل وفق مبادئ المضخّة عينها.
 (الفضاء العامّ)

فهم آليّة الدورة الدمويّة بسرعة، وإدراك الوظائف من دون استعصاء.
 

- اللغات: دمج الأفعال مع الطقس لفهم الأزمنة

(الفضاءات المدخلة)

الفضاء الأوّل: الأزمنة← (ماضٍ – مضارع – مستقبل)
الفضاء الثاني: الطقس←( صافٍ – غائم – ماطر)

(الدمج)
يستطيع المعلّم أن يدمج الفعل الماضي بالسماء الصافية (حدث انتهى)، والفعل المضارع بالغيوم المتحرّكة (حدث مستمرّ)، والمستقبل بغيم يتجمّع (حدث سيقع).

 (الفضاء العامّ)
تمكين الطلّاب غير المتمكّنين من فهم الأزمنة باستخدام تشبيه بصريّ ملموس.

 

الأمثلة على الدمج المفاهيميّ كثيرة ومتنوّعة، وقد يمارسها المعلّم بطرق غير مباشرة، غير أنّ المنهجيّتين النظريّة والتطبيقيّة تساعدان في الوصول إلى حسّ تعليميّ شامل وفعّال. وقد تتقاطع بعض الاستراتيجيّات مع الدمج المفاهيميّ، مثل الخرائط الذهنيّة والتعلّم القائم على المشكلات (PBL) وغيرها، غير أنّ الدمج يظلّ أعمق، فهو عمليّة عقليّة تُنتج فهمًا جديدًا، ومعنًى لم يكن حاضرًا من قبل. ومن هذا المنطلق، نتابع الحديث حول أهمّيّة الدمج المفاهيميّ في التعليم الشامل.

أهمّيّة الدمج المفاهيميّ في التعليم الشامل  

  • - القدرة على التكيّف 

الطّلاب الذين يمارسون الدمج المفاهيميّ، يكونون أكثر قدرة على تكييف سلوكهم حسب المواقف المختلفة. مثال: دمج فكرة "العمل الجماعيّ" مع "حلّ المشكلات الفرديّة"، يؤدّي إلى سلوك متوازن بين التعاون والمبادرة الشخصيّة. 

  • - التفكير المجرّد والرمزيّ 

الدمج المفاهيميّ يدعم قدرة الطالب على ربط الرموز والمفاهيم المجرّدة بالواقع. ينعكس هذا في سلوكه عند التعامل مع الموضوعات المعقّدة أو الرمزيّة مثل الرياضيّات، أو الأدب. 

 

تبسيط المفاهيم المجرّدة

على المستوى التعليميّ، يظهر كثير من المفاهيم المجرّدة التي يصعب على المتعلّم فهمها أو إدراكها بصورتها الأصليّة، ليأتي الدمج المفاهيميّ ويُعيد تشكيل المعرفة في فضاءاته المتنوّعة. ومهما كان موقع هذه المفاهيم داخل الدرس العلميّ أو الإنسانيّ، مثل العدالة والزمن والعقل والطاقة والحرّيّة، فإنّ الدمج المفاهيميّ يجعلها أقرب وملموسة باستخدام تشبيهات حيّة، فالعدالة تُرى بوصفها ميزانًا، والعدل بوصفه حديقة تحتاج إلى رعاية.

تمكين أنماط تعلّم متعدّدة

من أساسيّات التعليم الشامل اعتماده أساليب تعلّم متنوّعة، ويأتي الدمج المفاهيميّ منسجمًا مع ذلك، بطبيعته القائمة على تعدّد الوسائط. فهناك التعلّم البصريّ باستخدام الصور والاستعارات، والسمعيّ باستخدام القصّة والموسيقى، والحركيّ بالتمثيل والنمذجة. وفي هذا السياق، يتنوّع فهم الطلّاب للفضاء المفاهيميّ المشترك. فلو حُوِّلت قصيدة "وطاوي ثلاثٍ عاصبِ البطنِ مرملٍ" للحطيئة إلى مسرحيّة تفاعليّة، لأصبح فهم الطلبة أوسع وأوضح وأكثر شمولًا، إذ يشكّل نصّ القصيدة فضاء الإدخال الأوّل، وتمثيلها المسرحيّ فضاء الإدخال الثاني، وينتج من الدمج بينهما معنًى مشتركًا، يمثّل الفهم العميق للقصيدة.

تعزيز الفهم العميق بدل الحفظ السطحيّ

من أساسيّات التعليم الشامل الربط بين الأفكار بطرق مختصرة وبسيطة، ويأتي الدمج المفاهيميّ ليعزّز هذا الربط بدل تكرار المفاهيم، بما يقود إلى تعلّم عميق. ففي درس العلوم مثلًا "الخليّة مصنع"، يتعلّم الطلبة وظائف الخليّة عن طريق مفهوم الإنتاج، لا بحفظ أجزائها فقط. ويُلاحظ هنا أنّ الدمج المفاهيميّ طابع تركيبيّ ومرن، لا آليّ.

***

 

قدّمت المقالة رؤية مختصرة لمفهوم الدمج المفاهيميّ، وربطت بينه وبين التعليم الشامل، ولا سيّما في الصفوف متنوّعة الجنسيّات. إذ يقوم الدمج المفاهيميّ على الفهم العقليّ بمعزل عن سلطة الثقافة وتنوّعها، ويمكن كذلك توظيفه في مواجهة التحدّيات التي تعترض التعليم الشامل، مثل الفروق الفرديّة، والتحدّيات الاجتماعيّة، وكذلك التحدّيات الصحّيّة. كما تمكن الاستعانة بالذكاء الاصطناعيّ لابتكار تطبيقات عمليّة داخل الصفّ، تُسهّل الوصول إلى الدمج المفاهيميّ بكلّ يسر وسهولة.

 

المراجع

-Fauconnier, G., & Turner, M. (2002). The way we think: Conceptual blending and the mind's hidden complexities. New York: Basic Books.

-Rose, D. H., Meyer, A., & Gordon, D. (2014). Universal design for learning: Theory and Practice. CAST Professional Publishing.