التعليم المرح استراتيجيّة لتعزيز رفاه الطلّاب
التعليم المرح استراتيجيّة لتعزيز رفاه الطلّاب
كلارا اللقيس | أستاذة ومدرّبة على التعليم الرقميّ- لبنان

مقدّمة

في زمن كثُرت فيه وسائل التعليم وقلّ فيه التعلّم، يسأل بعضنا عن ماهيّة دور المدرسة، لا سيّما وأنّ المعلومات بدأت تتوافر رقميًّا، بغضّ النظر عن المرحلة العمريّة أو المنهج الذي يتّبعه المتعلّم. ففي الوقت الذي اعتقد فيه بعضنا أنّ دور المدرسة يقتصر على تنمية مهارات المتعلّم الفكريّة والحسّيّة، إلى جانب تلقينه المعلومات الأساسيّة التي تضمن نجاحه في الامتحانات، أيقن آخرون أنّ دور المدرسة تغيّر اليوم، وأصبح من شأنها بناء شخصيّة متعلّم قادر على التفاعل مع محيطه ومتمكّن من استثمار المعلومات خارج نطاق الغرف الصفّيّة، ما يدعو إلى البحث في كيفيّة تأمين رفاه الطالب، لا سيّما أنّنا بتنا اليوم، تربويّين وأكاديميّين، نتطلّع الى محاكاة مهارات القرن الحادي والعشرين باعتبارها ركيزة أساسيّة للمدرسة المعاصرة. 

انطلاقًا من إيماننا أنّ التعليم والتعلّم يتطلّبان تبادل وجهات النظر والخبرات المهنيّة، هَدفْنا في هذا المقال إلى عرض تجربة التعليم المرح كركيزة أساسيّة لتأمين رفاه الطالب داخل المدرسة. في هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذا المقال ليس مجرّد وجهة نظر وحسب، بل هو نتاج تجربة عميقة في التعليم المُغايِر الذي سمح لنا بدراسة تـأثير التعلّم المرح في رفاه الطالب، وما نتج عنه من سلوكيّات إيجابيّة لدى متعلّمين من فئات عمريّة مختلفة. 

 

مفهوم الرفاه ومكانته في التعليم

قال فولتير يومًا: "قرّرتُ أن أكون سعيدًا لأنّ ذلك مفيد للصحّة". أولسنا مستعدّين للقيام بأيّ شيء للحصول على أعلى مستويات الصحّة البدنيّة والنفسيّة؟ وإذا كانت السعادة داخل المدرسة تسهم في تحقيق الصحّة لدى المتعلّمين، فلمَ لا نسعى إلى تحقيقها بشتّى الوسائل؟  

بدايةً، يرتبط مفهوم الرفاه بالوظائف والقدرات النفسيّة والمعرفيّة والاجتماعيّة والبدنيّة التي يحتاجها الطلّاب ليعيشوا حياة سعيدة ومرضية، لذلك، لا بدّ أن نعيد النظر في الدور الرئيس للمعلّم داخل صفّه، حيث إنّه المسؤول الأوّل عن رفاه طلّابه.

أن تكون معلّمًا في القرن الحادي والعشرين يعني أن تعمل يوميًّا على تدريب نفسك وتنويع أساليب التعليم التي تتّبعها، بغية تحفيز المتعلّمين ليتمكّنوا من الانتقال من حالة المتلقّي السلبيّ إلى حالة الفاعل في التعلّم. أن تكون معلّمًا يعني أن ترفض وجود متعلّمين صامتين جالسين على مقعد دراسيّ لسبع حصص دراسيّة في اليوم تحت شعار النظام والهدوء، وأن تدرك أنّ المتعلّم الصامت هو مشروع مواطن غير متفاعل مع محيطه، وأن تضع جهدك في سبيل تنشيط مهارات التواصل والتفكير النقديّ عند المتعلّمين، بما في ذلك من انعكاسات إيجابّية على مستقبلهم. قد يتطلّب الأمر منّا نحن، التربويّين والأكاديميّين العصريّين، كثيرًا من الجهد، إلّا أنّنا، في نهاية المطاف، ندرك مسؤوليّتنا تجاه طلّابنا وأوطاننا عن نوعيّة الأجيال القادمة التي نؤهّلها منذ طفولتها لتكون على ما لم نكن عليه.   

قد كان التعليم الذي تلقّيناه مبنيًّا على العقاب الذي لم يكن يخلو من الضرب أحيانًا، ولذلك كنّا نختلق أعذارًا كثيرة لنتغيّب عن المدرسة أو عن امتحان معيّن، كما كنّا نرتجف خوفًا وضعفًا أمام بعض المعلّمين الذين كانوا يعتبرون سلوكنا نوعًا من الاحترام، ولكنّ الحقيقة أنّنا لم نكن نحبّ المدرسة والتعلّم، ولذلك تسرّب بعضنا.  أمّا اليوم فينصبّ اهتمامنا الأساسيّ على الإنسان المتعلّم الذي يحيا مثلنا في عالم تملؤه الصعوبات، فينجح أو يتعثّر تبعًا لمؤثّرات خارجيّة أو داخليّة. فكيف نعلّمه؟ وكيف نعيد إليه فرحة التعلّم؟ وكيف نؤمّن له بيئة تعليميّة تحقّق رفاهه وتبعد عنه شبح الخوف من الفشل؟ وكيف نقنعه بأنّ الخطأ أساسيّ للتعلّم؟ وكيف نجعله سعيدًا بأخطائه التي يتعلّم منها؟

 

التعلّم المَرِح في تعليم اللغة الفرنسيّة

حين لاحظتُ أنّ تعلّم اللغة الفرنسيّة شهد تراجعًا عند معظم المتعلّمين منذ أكثر من عشرين عامًا، حاولتُ تغيير المقاربات في التعليم عمدًا بغية إيجاد وسيلة من شأنها تحفيز المتعلّمين وإقناعهم بأنّ تعلّم هذه اللغة ليس صعبًا كما يظنّون، وأنّها مادّة تعليميّة في غاية الأهمّيّة، رغم هيمنة اللغة الإنكليزيّة على سوق العمل في وقتنا الحاليّ. إلّا أنّ معظم المقاربات والوسائل التعليميّة باءت بالفشل مع عدد كبير من المتعلّمين، ولا سيّما في المدارس الرسميّة، حيث لا تتيح البيئة الخارجيّة للمتعلّم إمكانيّة التواصل باللغة الفرنسيّة.

لكنّ الأمر اختلف تمامًا عندما بدأتُ بتوظيف التعليم المرح في الحصص الدراسيّة، وهو نشاط يقوم على إدخال الفكاهة إلى الدروس اليوميّة وفق استراتيجيّات اللعب التربويّ الهادف، وقد لمستُ تغييرًا جذريًّا في سلوكيّات المتعلّمين داخل الحصّة الدراسيّة وخارجها، حيث كان معظمهم يستخدمون الألعاب التعليميّة التي اكتشفوها خلال حصّة تعليم اللغة الفرنسيّة ليمارسوها مع متعلّمين آخرين يصغرونهم سنًّا، وبذلك انتقل المتعلّمون من مرحلة تلقّي المعلومات إلى مرحلة نقلها، كما أنّهم تمكّنوا من استخدام اللغة خارج الحصّة الدراسيّة، الأمر الذي أسهم في تطوير مهاراتهم اللغويّة، ولا سيّما في ما يتعلّق بالتعبير والتواصل الشفهيّ. 

 

التعلّم المَرِح في قراءة النصّ

غالبًا ما يجد المتعلّمون صعوبة في قراءة النصوص باللغة الفرنسيّة، ويجتنبون القراءة في الحصّة التعليميّة خجلًا من بعض الأخطاء التي يقعون فيها وما ينتج عنها من تنمّر أو سخريّة قد يتعرّضون لها من رفاقهم. لذلك، كان لا بدّ من إيجاد لعبة تعليميّة تحفّز المتعلّمين عامّة، وذوي الصعوبات خاصّة، وتدفعهم إلى اتّخاذ قرار القراءة دون إيعاز من المعلّم.

نذكر من هذه الألعاب التعليميّة تقنيّة "Lecture Flash" التي تتوافر مجّانًا على موقع "micetf.fr"، والتي يمكن إعادة تركيبها بسهولة في برنامج بور بوينت لإضافة مؤثّرات سمعيّة وبصريّة. تسمح تقنيّة "Lecture flash" باختيار المقاطع التي يتوجّب على المتعلّم قراءتها لوضعها على شريحة، حيث تختفي الكلمات تدريجيًّا وفق سرعة نستطيع التحكّم بها، كما يمكن للطالب اختيارها بنفسه بغية التحدّي. وبذلك نتيح الفرصة أمام المتعلّم لاختيار السرعة التي يريدها لاختفاء الكلمات، فيربح اللعبة عندما يستطيع أن يكمل قراءة النصّ قبل اختفاء الكلمة الأخيرة من المقطع، ويخسر عندما يختفي النصّ أمامه دون أن يكمل القراءة.

لا بدّ من إعطاء المتعلّمين وقتًا لتحضير المقطع وفق قراءة صامتة، الأمر الذي نلاحظ من خلاله أنّ معظم المتعلّمين الذي يعانون من صعوبات في القراءة يسألون عن كيفيّة لفظ بعض الكلمات ويحاولون المشاركة باللعبة سعيًا للربح. تكمن أهمّيّة هذه اللعبة في تحفيز المتعلّمين والإسهام في تحقيق رفاههم أثناء الدرس، كما يؤهّلهم ذلك، في وقت لاحق، لقراءة النصّ المختار دون أيّ صعوبات.

 

التعلّم المرح في التعبير الكتابيّ

صحيح أنّ المتعلّمين يعانون من صعوبات عديدة في التعبير الكتابيّ نظرًا لعدم توافر المخزون اللغويّ لديهم، إلّا أنّه يمكن معالجتها بتنظيم ورشة كتابيّة مبنيّة على المرح، ذلك أنّ معظم المتعلّمين يرفضون استخدام المعجم لإيجاد المفردات ويستعيضون عنه بالترجمة الرقميّة التي تساعد الطالب على تخطّي صعوبة معيّنة في الكتابة، دون ترك مخزون لغويّ يمكن استخدامه واستثماره في وقت لاحق.

انطلاقًا من إيماننا بأهمّيّة استخدام المعجم، كان لا بدّ من إيجاد تقنية تشجّع الطالب على استخدامه، فيقدّم المعلّم مقالة معاصرة تعالج الأمور الأليمة في حياتنا، مثل الفقر والحروب والنزاعات، ويطلب إلى المتعلّمين في المرحلة الأولى استخلاص الكلمات ذات الدلالات السلبيّة، ثمّ البحث عنها في القاموس، وعندما يجد المتعلّم الكلمة في صفحة معيّنة يتوجّب عليه استبدالها بأوّل كلمة إيجابيّة يجدها في الصفحة عينها، مع مراعاة نوع الكلمة المُستبدَلة (فعل، اسم، صفة)، وبالتالي، عليه إعادة كتابة المقال مع الكلمات التي تمّ استبدالها.

يسهم هذا النشاط في تنشيط ذاكرة المتعلّم الذي بحث بنفسه عن الكلمات وكوّن مخزونه الثقافيّ، كما ينتج عنه جوّ من المرح، ولا سيّما عندما ينتهي المتعلّمون من كتابة الكلمات البديلة، فيقرأون ما كتبوا وهم مدركون أنّ للكلمات قدرة على تغيير التاريخ ومجرى الأحداث، ما يؤدّي إلى تحقيق رفاه المتعلّمين النفسيّ والعاطفيّ. يمكن كذلك، بلا شكّ، بعد انتهاء النشاط إعادة استخدام جميع المفردات المُستخرَجة واستثمارها في أيّ نشاط آخر.

تكمن أهمّيّة هذا النشاط، رغم بساطته وسهولة تنفيذه، في تحفيز الطالب على القراءة والبحث عن المفردات، ثمّ كتابتها، لارتباط القراءة بالكتابة، ولاعتبار أنّ كلّ قارئ مُفكِّر هو مشروع كاتب جيّد.

 

التعلّم المرح في قواعد اللغة

تشكّل مادّة القواعد صعوبات عديدة لدى المتعلّمين، لا سيّما وأنّ معظم الذين يفهمون القاعدة يجدون صعوبة في تطبيقها في التمارين، وقد جرت العادة مؤخّرًا، في معظم المناهج، على استخدام تمارين الأسئلة متعدّدة الإجابات التي، رغم أهمّيّتها، تدفع ببعض المتعلّمين إلى اختيار الإجابة الخاطئة على نحو سريع، أو اختيار أيّ إجابة دونما تفكير. ولمّا كانت أرقى غاياتنا تكمن في تحفيز تفكير المتعلّمين، ارتأينا تحويل الأسئلة متعدّدة الإجابات، التي نؤمن كثيرًا بأهمّيّتها، إلى لعبة من سيربح المليون (بصيغة البور بوينت) مع المؤثّرات السمعيّة والبصريّة كافّة. فبعد الانتقال من حصّة الشرح إلى حصّة التطبيق، يدرك المتعلّمون أنّ عليهم الجلوس ضمن مجموعات نختار من كلّ منها طالبًا واحدًا ليمثّل مجموعته التي تشكِّل بدورها جمهوره الذي يستعين به.  

تكمن أهمّيّة هذه اللعبة في دفع المتعلّمين إلى التركيز كثيرًا أثناء حصّة الشرح والسعي إلى التفكير مليًّا قبل اختيار الإجابات وسط أجواء من المرح والسعادة. 

كثيرة هي الألعاب التعليميّة التي يمكننا استخدامها وتطويرها في مختلف المواد التعليميّة، وكثيرة هي الوسائل التي تؤمِّن أجواء إيجابيّة للمتعلّم داخل المدرسة، إلّا أنّ الأساس يبقى في تدريب المعلّم ليتمكّن من استثمارها بشكل فعّال خلال حصصه التعليميّة. 

 

خاتمة

ليس الرفاه مفهومًا جديدًا، فقد طرحه قدامى المفكّرين والفلاسفة التربويّين الذين بيّنوا أهمّيّة الصحّة النفسيّة في التعلّم، إلّا أنّ التحدّي الأكبر اليوم يكمن في كيفيّة دمج الرفاه بالمناهج التربويّة ودفع صنّاع القرار والقيّمين على السياسات التربويّة إلى إيجاد سبل تحقيقه والمشاركة به، وذلك في مختلف المراحل التعليميّة، بغية فرض بيئة تعليميّة إيجابيّة وصحّيّة والحؤول دون التسرّب المدرسيّ.