التعليم الشامل: إشكاليّة المفهوم وإعادة تصوّر المعنى
التعليم الشامل: إشكاليّة المفهوم وإعادة تصوّر المعنى
رولا قبيسي | أستاذة وباحثة في مجال التربية والتعليم في جامعة مونتريال -لبنان/كندا

يستحوذ التعليم الشامل (Inclusive Education) أو الشمول (Inclusion)، على مساحة مهمّة من النقاشات على مستوى السياسات التعليميّة في مختلف أنحاء العالم. وإذ يركّز هذا المفهوم على الحقّ في التعلّم العادل لجميع الطلّاب، باختلاف فوارقهم، في بيئات شاملة، لا تزال هناك تحدّيات كبيرة تحول دون تحقيق هذه الرؤية بالكامل. وبخلاف هذا، يستخدم مصطلح التعليم الدامج (Integration) في نطاق العديد من السياسات التربويّة، وكذلك الممارسات والخطط التعليميّة، وذلك للإشارة إلى دمج الأطفال في وضعيّة إعاقة، مع نظرائهم في المدارس النظاميّة.

يهدف هذا المقال إلى تعريف التعليم الشامل، بمقارنته مع التعليم الدامج. ويهدف كذلك إلى إعطاء لمحة سريعة عن كيفيّة تناول بعض السياسات التعليميّة في العالم العربيّ لمفهوم الشمول، ما يُسهم في فهم أعمق لدور المدارس والممارسات التعليميّة في هذا الإطار.

 

من التعليم الدامج إلى التعليم الشامل: إلى رؤية أكثر عدلًا؟

أوّلًا، يركّز التعليم الشامل على خلق فرص تعلّم عادلة لجميع الطلّاب، باختلاف خلفيّاتهم الثقافيّة واللغويّة والدينيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والإثنيّة، وباختلاف قدراتهم العقليّة والمعرفيّة والنفسيّة والسلوكيّة وغيرها، وذلك بخلاف التعليم الدامج الذي يستهدف فئة معيّنة من الطلّاب، تكون عادة فئة ذوي الاحتياجات الخاصّة (تميّز، صعوبات تعلّم، أطفال في وضعيّة إعاقة، إلخ)، والذين يُدمجون داخل الصفوف النظاميّة. وقد تطوّر مفهوم الدمج ليأخذ منظورًا تقاطعيًّا وشموليًّا، يهدف إلى تحسين جودة التعليم للجميع من دون استثناء (UNESCO, 2000)، وهذا يشمل تعليم مختلف الفئات المهمّشة من الطلّاب، بما في ذلك اللاجئين والنازحين والمتأثّرين، بشكل مباشر وغير مباشر، بالحروب والنزاعات والأزمات على مختلف الصعد.

وعليه، يُعتبر التعليم الشامل أداة لمواجهة أشكال التمييز والتهميش والإقصاء بمختلف أشكاله، داخل المدرسة وخارجها، إذ يهدف إلى إزالة الحواجز التي تُعيق مشاركة جميع الطلّاب وتعلّمهم في الفصول الدراسيّة النظاميّة (UNESCO, 2020; 2022). فالأمر لا يقتصر إذًا على مجرّد إتاحة الوصول إلى التعلّم للجميع، بل السعي لتحقيق العدالة والجودة في التعليم، بما يُعزّز التنمية الشاملة لجميع الطلّاب، بغضّ النظر عن احتياجاتهم المختلفة. وعليه، يُعتبر التعليم الشامل تعليمًا راديكاليًّا، وقد يكون سياسيًّا بامتياز، إذ يتطلّب تعديل السياسات والخطط والممارسات التربويّة والتعليميّة، وكذلك تطوير المعتقدات والمواقف والأيديولوجيّات ومنطق العمل التربويّ ورؤيته. ومن المهمّ الإشارة إلى أنّ الشمول عمليّة مستمرّة، يسعى عن طريقها المعلّمون والمعلّمات للبحث عن أفضل الممارسات التربويّة. هذا يعني أنّ التحوّل من الدمج إلى الشمول يكون تدريجيًّا، لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل يتطلّب قرارات مدروسة، مصحوبة برغبة وقناعة في التغيير.

 

ثانيًا، ما يُميّز التعليم الشامل عن الدامج فكرة إعادة توزيع المسؤوليّات. فغالبًا ما ترافق الدمج في المدارس مع تأمين قليل من الموارد الإضافيّة المناسبة في الصفوف، ومع عدم التكيّف الكافي للمدرسة والكادر التعليميّ مع احتياجات الطلّاب المدمجين، فيُتوقّع منهم مثلًا أن يُكيّفوا أنفسهم مع النظام المدرسيّ السائد، ما يحول دون وصولهم إلى تعلّم عادل ونوعيّ (UNESCO, 2017). أمّا في التعليم الشامل، فقد انتقلت المسؤوليّة من الطلّاب إلى الأنظمة التعليميّة والمدارس، إذ أصبحت مُطالبة الآن باستيعاب جميع المتعلّمين، وإشراكهم في العمليّة التعليميّة – التعلّميّة (UNESCO, 2020)، وتأمين بيئة مدرسيّة وصفّيّة شاملة من حيث المصادر المادّيّة والبشريّة. ولا يعني الإشراك التواجد الجسديّ للطلّاب داخل الصفوف، بل يقتضي تمكينهم، وخلق فرص تعليميّة مناسبة لتطوير مهاراتهم ومعارفهم، وتنمية وعيهم بحقوقهم وواجباتهم. وعليه، فالهدف يتمثّل في إصلاح الأنظمة التعليميّة، بحيث تتمكّن المدارس، كلّ المدارس، من استقبال الطلّاب، وتقديم خدمة تعليميّة عادلة للجميع في كلّ زمان ومكان. وبناءً على ذلك، يجب أن تتكيّف هذه الأنظمة في سياساتها وممارساتها وأدواتها ومواردها، لتلبية احتياجات جميع الطلّاب، وأن تكون مستعدّة لضمان إمكانيّة وصولهم إلى المعرفة، مهما كانت اختلافاتهم وصعوباتهم. ونعتقد أنّ هذا التحوّل ذو طبيعة اجتماعيّة وسياسيّة أيضًا، ويتحقّق بعمليّة تغيير تشمل مكوّنات مؤسّسيّة متعدّدة.

ماذا يعني ذلك على أرض الواقع؟ يعني أن تكون المدارس مُجهّزة وبشكل دائم - من حيث المصادر والبُنى التحتيّة والمناهج وخطط تطوير المعلّمين والمعلّمات وغيرها - لاستقبال جميع الطلّاب، من دون الحاجة إلى التكيّف بشكل فرديّ مع كلّ طالب على حدة. وبالتالي، يتّضح هنا الفرق بين مفهوم العدالة في التعليم المرتبط بالتعليم الشامل، ومفهوم المساواة المرتبط بالدمج. ويُعدّ هذا من أهمّ ما يُميّز التعليم الشامل عن التعليم الدامج. وقد يرى البعض أنّه من الصعب تحقيق ذلك، إلّا أنّ العديد من الأمثلة يمكن أن تُعطى حول هذه النقطة، على مستوى الممارسات التعليميّة الصفّيّة.

 

ثالثًا، يتميّز التعليم الشامل بخطاب وفعل تغييريّين حول الاختلافات، لا يركّزان على أوجه القصور أو النقص المفترض لدى الطلّاب. كأن ينظر مثلًا بشكل إيجابيّ وشموليّ إلى الطلّاب الذين لا يستوفون، لأسباب متعدّدة، معايير الصفّ النظاميّ؛ أو الذين لا يمكنهم العمل ضمن هذه المعايير التي وُضعت أساسًا لفئة معيّنة من الطلّاب، عُرفت بالطلّاب "العاديّين"، وهم غالبًا الأكثريّة. يرتكز الخطاب والحال هذه على قناعة بأنّ الاختلاف - أو جزءًا منه على الأقلّ - ليس سوى بناء اجتماعيّ. وعليه، تقع على عاتق المدرسة مسؤوليّة تفكيك خطاب المرضنة (Medicalization - إعطاء الاختلاف طابعًا طبّيًّا)، والذي يفترض أنّ الاختلافات ناجمة عن مشكلات مرضيّة تستوجب المعالجة، وهذا ما يُعقّد عمليّة دمج الطلّاب وتقديم التعلّم المناسب لهم. هذا يعني أنّ التعليم الشامل يحول دون تجزئة الطلّاب إلى فئات: فئة تتناسب مع معايير المدرسة والمنهاج، وأخرى لا تتوافق معها، فتصنّف على أنّها "الفئة الأخرى" أو "المختلفة". تتطلّب هذه الرؤية الجديدة تعديل البيئة الصفّيّة والمدرسيّة، أي توسعة المعايير المعتمدة لتصبح مناسبة للجميع، من دون الإشارة إلى فئة محدّدة أو استهدافها.

 

إشكاليّة التعليم الشامل في السياسات العربيّة

على الرغم من الاعتراف المتزايد عالميًّا بأنّ التعليم الشامل يجب أن يشمل جميع المتعلّمين، لا يزال الدمج النهج السائد في المنطقة العربيّة (ومعظم دول العالم)، إذ يُطلب إلى الأطفال التكيّف مع الأنظمة التعليميّة القائمة، بدلًا من دفع المدارس إلى التكيّف مع احتياجاتهم المتنوّعة (UNESCO, 2022). ففي قراءة سريعة لبعض سياسات الدمج في بعض الدول العربيّة، اتّضح أنّه لا يوجد تعريف واضح وموحّد للتعليم الشامل، وقد استُخدم في كثير من الأحيان بمعنى الدمج، أي جرى التعامل مع التعليم الشامل بوصفه يقتصر على دمج فئة معيّنة من الطلّاب، خصوصًا أولئك في وضعيّة إعاقة (Koubeissy et al., 2025). كما إنّ ترجمة مصطلح "التعليم الشامل" إلى العربيّة جرت بطرق مختلفة، ما يوحي بأنّه يُستخدم بالتبادل مع مصطلحات أخرى مثل "الدمج" (UNESCO, 2022).

 

في الواقع، يؤثّر غياب المصطلحات الموحّدة، وانعدام الرؤية لمفهوم التعليم الشامل، في صياغة السياسات وفي الممارسات التعليميّة. فعلى سبيل المثال، يفضي غياب الأطر التي تضمن دمج الطلّاب النازحين واللاجئين في المدارس النظاميّة، في دول مثل لبنان والأردنّ، إلى جانب غياب السياسات اللغويّة والمرتبطة بالدمج الثقافيّ في الدول متعدّدة الثقافات، مثل دول الخليج أو السودان، إلى تراجع جودة التعليم، ويحدّ من فرص التعلّم الشامل والعادل لجميع الطلّاب.

وحتّى في حال الدمج، وعلى الرغم من اعتماد العديد من السياسات (مثل السياسة الوطنيّة للتعليم الشامل للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة في لبنان لعام 2023)، والقوانين (مثل قانون مصر رقم 10 بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لعام 2018) في المنطقة، تستمرّ هذه الدول في عزل الطلّاب في وضعيّة إعاقة في صفوف متخصّصة. ووفقًا لليونسكو (2022)، في دول مثل عُمان والعراق، غالبًا ما يُجمّع الطلّاب في وضعيّة إعاقة بشكل منفصل داخل المدارس النظاميّة، في صفوف تُسمّى "صفوفًا شاملة"، ما يكرّس الانقسام الذي يقوّض إمكانات التعليم الشامل الحقيقيّ. إضافة إلى ذلك، تعتمد بعض الدول على اعتماد التعليم الشامل ضمن سياسات منفصلة عن الأطر التعليميّة الأوسع. ينطبق ذلك على اليمن وليبيا مثالًا، حيث لا توجد تشريعات أو سياسات محدّدة تتناول التعليم الشامل بشكل مباشر، ما يجعل الدعم متقطّعًا، ويعتمد في الغالب على مبادرات من منظّمات غير حكوميّة، أو منظّمات دوليّة مثل اليونيسف والشراكة العالميّة من أجل التعليم (GPE, 2022).

 

إعادة تصوّر التعليم الشامل في السياق العربيّ

أشرنا إلى أنّ التعليم الشامل يتطلّب تغييرًا جذريًّا في الممارسات والمواقف والسياسات والتوجّهات والخطاب والخطط الاستراتيجيّة وغيرها، ويرتبط حتمًا بتغييرات مجتمعيّة، تُفكّك النظرة والخطاب السائدين حول الاختلافات والمعايير المجتمعيّة النظاميّة. والسؤال حول فاعليّة بعض الدول وجهوزيّتها لتطوير سياسات التعليم الشامل، ووضعها حيّز التنفيذ، يُحيلنا إلى التأمّل في عوامل عديدة تخصّ المنطقة العربيّة، قد تعطي التعليم الشامل معنى مختلفًا يرتبط أكثر بخصوصيّة السياق. فإضافة إلى التحدّيات الناجمة عن الحرب والاحتلال والأزمات السياسيّة، مرورًا بهشاشة بعض الأنظمة التعليميّة، ونقص دعم المدارس الحكوميّة، وغياب إلزاميّة التعليم في بعض الدول، وصولًا إلى قلّة الموارد في المدارس، وتحدّيات التدريب العمليّ المهنيّ، والظروف التي تحيط بمهنة التدريس وغيرها، هناك عوامل أخرى تفضي - حسب اعتقادنا - إلى غياب سياسات واضحة حول التعليم الدامج والشامل، أو على الأقلّ أخّرت إصدار هذه السياسات. تشمل هذه المعيقات غير المباشرة، تأثير أنظمة القمع والاستعمار في التعليم وسياساته (والتي تؤثّر باعتبارها نتيجة في مفهوم الشمول)، إضافة إلى الهيمنة الثقافيّة واللغويّة لبعض المؤسّسات المانحة والمؤسّسات التعليميّة الخاصّة. وغالبًا ما تروّج هذه الأخيرة لثقافة استعماريّة ورأسماليّة، تتعارض مع المعرفة المحلّيّة واحتياجات المجتمع الحقيقيّة (Fasheh, 1990)، ما يُقوّض الجهود المبذولة نحو الشمول. هذا يعني أنّ إنتاج المعرفة في المنطقة العربيّة لا يزال متجذّرًا في استمراريّة استعماريّة، ومدفوعًا بأبستمولوجيا أوروبّيّة مركزيّة مهيمنة. من هنا، يتحدّث فاشة عن ضرورة إنتاج معرفة حياتيّة (Fasheh, 1990)، قائمة على خبرات محلّيّة تشمل جميع الفئات باختلاف خلفيّاتها، وتهدف إلى مواجهة العنف المعرفيّ. وفي هذا الإطار، تحتاج هذه المنطقة إلى تطوير أنظمة معرفيّة خاصّة بها، لإعادة تعريف المفاهيم، وإعادة النظر في علاقتها باحتياجات المجتمعات والطلّاب في حالتنا هنا. يجب أن تشكّل هذه النظرة النقديّة أساسًا لتطوير السياسات التعليميّة التي تتناول المفاهيم المتعارف عليها دوليًّا، بحيث يُصار إلى أقلمتها لتلبّي احتياجات المجتمع التعليميّة بفعّاليّة. وبذلك يصبح التعريف خاضعًا لسياق محدّد، شرط أن يؤمّن العدالة لجميع الطلّاب، ويحفظ حقوقهم، ويمنع تسرّبهم المدرسيّ.

 

***

في الخلاصة، من المهمّ الإشارة إلى أنّه، وعلى الرغم من أنّ السياسات الحاليّة في المنطقة لا تهدف بشكل صريح إلى تفكيك الاستعمار التعليميّ، وبالتالي تطوير مفهوم الشمول، إلّا أنّه يمكننا استحضار مقاربات تحرّريّة، وأمثلة لإعادة تصوّر التعليم الشامل في المدارس العربيّة، بما يُعزّز العدالة في التعليم. فمثلًا، الممارسات المرتبطة بالتربية على التحرّر، أو بالتربية النقديّة، أو المبادرات الفرديّة والمحلّيّة التي نتجت في سياق الحروب والإبادة، قد تندرج بشكل أو بآخر ضمن سيرورة الشمول. وكذلك العديد من الممارسات التعليميّة التي تعكس رؤى تغييريّة مختلفة، تستجيب لخصوصيّة السياقات المحلّيّة، من دون أن تُعيد إنتاج أنماط الهيمنة المعرفيّة. وهذه الممارسات قد تكون بسيطة، تبدأ من إعادة تصوّر دور المعلّم، والعلاقة مع الأهل والطالب، والتعاون داخل المدرسة، وتطوير المصادر وتنويعها، وغيرها.

 

المراجع

- Fasheh, M. (1990). Community Education: To Reclaim and Transform What Has Been Made invisible.

Harvard Educational Review, 60(1), 19-36.

- Global Partnership for Education [GPE]. (2022). Yemen: Keeping Education Going Amid Conflict.

- Koubeissy, R., Montesano, G. & Qwaider, A. (2025). Inclusive education policies in the Southwest Asia/North African (SWANA) region: toward decolonizing the concept? In K. ArarS. TuranM. Elmeski &S. İşcan. Educational Policy, Reforms, and Change in the Middle East and North Africa. Towards Social Justice, Equity, and Political Inclusion (pp. 35-53). Routledge.

- UNESCO. (2022). Promoting the inclusion of children and young people with disabilities in education in the Arab region: An analysis of existing developments, challenges and opportunities.

- UNESCO. (2020). Global Education Monitoring Report 2020: Inclusion and education: All means all.

- UNESCO. (2017). A Guide for ensuring inclusion and equity in education.

- UNESCO. (2000). Forum mondial sur l’éducation, Dakar, Sénégal, 26-28 avril 2000: rapport final.