التعبير الكتابيّ في المنهاج الدراسيّ: المشكلات والحلول
التعبير الكتابيّ في المنهاج الدراسيّ: المشكلات والحلول
جواد عامر | مدرّس اللغة العربيّة – المغرب

لمّا كانت الكفايات التعبيريّة والتواصليّة من أسمى الكفايات التي يتوخّى منهاج اللغة العربيّة تحقيقها، جعل المشرّع التربويّ درس التعبير والإنشاء نهاية لكلّ الروافد المعرفيّة المكوّنة لوحدة اللغة العربيّة؛ إذ تُستضمر المادّة المعرفيّة والأنساق النحويّة والأبنية الصرفيّة والرسوم الإملائيّة بواسطة المقروء، لتُستثمر حصيلة هذه المعارف مجتمعة في مكوّن التعبير والإنشاء، والذي يظهر قدرة المتعلّم على استدماج شتّى المعارف المكتسبة، باعتباره مؤشّرًا يعكس الكفايات المتحقّقة. لذا، فقد أولي أهمّيّة قصوى في المنهاج الدراسيّ، لِما يضطلع به من أدوار تعليميّة تمكّن المتعلّم من التعبير، وتأخذ بيده نحو الإبداع الكتابيّ بتفصيحه وتمليكه أدوات التعبير اللازمة، وتقنيّاته الكفيلة بتمكينه من التعبير عن شتّى المواقف. 

التعبير الكتابيّ في المقرّر الدراسيّ (كتاب الرائد في اللغة العربيّة نموذجًا) 

يتوزّع المقرّر الدراسيّ إلى ستّ وحدات، تتضمّن كلّ واحدة منها مهارة إنشائيّة وضعها المشرّع التربويّ بناء على تصوّر ديداكتيكيّ، رأى صلاحيّته لتحقيق الكفايات المرجوّة من المهارة الكتابيّة. غير أنّ المهارات المدرجة في كتاب الرائد للسنة الأولى إعداديّ، اتّسمت بالتكرار في كثير من الوحدات، ما يسم النشاط بالملل، ويصيب المتعلّم بالنفور، إذ تضمّن الكتاب كلّه على امتداد وحداته الستّة أربع مهارات فقط، هي: 

- تعريف الكتاب وإعداد بطاقة لتقديمه، وهي لا تعدو أن تكون مجرّد عرض تقنيّ لمكوّنات الكتاب الداخليّة والخارجيّة. 

تعريف الكاتب

- مهارة إعداد الملفّات الوثائقيّة والبحث عن المعلومات. 

- مهارة توسيع الفكرة التي تقوم على التفكيك وتحليل الأجزاء.  

23

- مهارة الإنتاج الصحفيّ موزّعة في بابَين: باب خاصّ بالجانب النظريّ، يتعرّف فيه المتعلّم إلى ماهيّة القصاصة وعناصرها، كما هو متعارف عليه في الأدبيّات الصحفيّة. وباب ثانٍ مختصّ بالجانب التطبيقيّ، يروم تعليمه إنتاج نموذج لقصاصة إخباريّة، وفق النظام المعمول به في الكتابة الصحفيّة.  

4

300

- مهارة كتابة الرسالة، وُزّعت في وحدتَين تشملان جانبًا نظريًّا يعتني بالجانب الشكليّ للرسالة، وآخر تطبيقيّ يروم تمهير المتعلّم في كتابة نماذج لرسائل الشكر والتعزية والتهنئة.  

6 7

المشرّع التربويّ، وهو يوزّع المهارات الكتابيّة في كتاب "الرائد"، كان يراعي قدرات المتعلّم الوافد من المرحلة الابتدائيّة، عابرًا إلى سلك جديد تترقّى فيه المعرفة وتتخصّص وتتدقّق، فتدرّج في بناء المهارات بتدريب حواسّه على معرفة الكتاب الذي يعدّ منبعًا أصليًّا للمعرفة، ثمّ السير به نحو تعلّم جمع الملفّ الوثائقيّ، قصد إعداد موضوع من الموضوعات والتعبير عن الوثائق التي تمّ انتقاؤها وتجميعها في الملفّ. وهي كلّها عمليّات تمهيديّة، تهيّئ المتعلّم نفسيًّا لولوج فضاء الكتابة عن طريق مهارة توسيع الفكرة، بتفكيك أجزائها وتحليل عناصرها. ويأتي الإنتاج الصحفيّ ليقدّم جانبًا معرفيًّا برموز القصاصة (طبيعة الخبر من حيث الاستعجال ع 1، ع 4 اسم وكالة الأنباء و. م.ع، وغيرها)، إلى جانب العناصر المكوّنة للقصاصة، مثل العنوان الرئيس والفرعيّ وعدد الكلمات وملخّص الخبر. ثمّ يأخذ المشرّع المتعلّم نحو الإنتاج الكتابيّ، ليدرّبه على محاكاة نموذج صحفيّ بعد تثبيت كيفيّة الكتابة الصحفيّة، اعتمادًا على نظام الهرم المقلوب الذي يقوم على البدء بالأهمّ، ثمّ المهمّ، فالأقل أهمّيّة، مع كتابة العنوان بخطّ بارز، ووسمه بالجاذبيّة والتشويق لإثارة القارئ، والتزام الرموز التي التقطها المتعلّم في الدرس النظريّ. ويُختتم الكتاب المدرسيّ بمهارة الرسالة التي توزّعت في وحدتَين، تقدّمان نماذج موضوعيّة محدّدة؛ بحيث يتدرّب المتعلّم على ضبط الناحية الشكليّة للرسالة، من حيث توزيع العناصر البنائيّة بشكل منظّم، يحفظ للرسالة جمالتها التوزيعيّة، إلى جانب تدريبه على امتلاك الأنساق التعبيريّة الملائمة لكلّ مقام خطابيّ. ولتحقيق هذه التعلّمات، يجتهد المدرّس في تقديمها في مراحل، هي: 

  • - نشاط الاكتساب: وهو نشاط نظريّ يكتسب فيه المتعلّم بمعيّة المدرّس خطوات المهارة. 
  • - نشاط التطبيق: وفيه يتدرّب المتعلّم على تطبيق خطوات الاكتساب. 
  • - نشاط الإنتاج: وهي مرحلة الكتابة، وفيها يستثمر المتعلّم مكتسباته المعرفيّة والمنهجيّة. 

ولا بدّ أنّ هذا المنهج الديداكتيكيّ الذي يسلكه المدرّس رفقة متعلّميه، يسعى لتمهيرهم على التعبير الكتابيّ وإكسابهم البراعة الإنتاجيّة، مع احترام المنهجيّة الضابطة للكتابة، كي يدرك المتعلّم أنّ الإبداع محكوم بشروط وضوابط تسيّج فعل الكتابة، وتمنحه وجوده في العالم بالشكل الذي يجعل منها فنًّا مثل سائر الفنون الجميلة. إلّا أنّ هذه المهارات الكتابيّة داخل مقرّر "الرائد"، وعلى الرغم من كلّ هذه الطموحات المشروعة،  قد طرحت مشكلات عميقة على مستويات التلقين والإنجاز والتقويم. 

 

المهارات الكتابيّة: مشكلات وحلول  

 على الرغم من اجتهادات المشرّع التربويّ في تهيئة المتعلّم لتلقّي مهارات كتابيّة مهمّة، إلّا أنّها مهارات وُسمت بالضعف، مثل إعداد بطاقة الكتاب وتجميع الوثائق والإنتاج الصحفيّ، وحتّى كتابة الرسائل. ونستثني من ذلك مهارتَي توسيع الفكرة لما تتطلّبه من إبداعيّة خاصّة. فالمهارات السابقة وقف بعضها عند حدود تلقّي المعرفة وترديدها، كما هي الحال في مهارتَي إعداد بطاقة الكتاب والإنتاج الصحفيّ في شقّها النظريّ، واتّسم بعضها الآخر بفقدان المصداقيّة الإنتاجيّة، لأنّ مهارة تجميع الوثائق تجري في البيت، ما يجعل الاحتمال مفتوحًا على استخدام المعرفة الجاهزة في العالم الرقميّ، ما يبعد المتعلّم عن التفكير والإنتاج الذاتيّ. أمّا مهارة الإنتاج الصحفيّ وكتابة الرسائل، فقد مازتهما النمطيّة والتكراريّة، بسبب اعتماد المتعلّم على الجاهز المرافق لفعل الكتابة؛ إذ أدرج المشرّع كمًّا مهمًّا من القصاصات التي يلتقط منها المتعلّم العبارات ويكتفي بالنسخ، ناهيك عمّا تثيره كتابة القصاصة في نفس المتعلّم من نفور، بسبب بعدها عن ثقافته الاجتماعيّة التي تسمها البصريّة. أمّا كتابة الرسالة فقد أصابها المشرّع التربويّ بنوع من الفتور، بسبب تكرار نماذجها الكتابيّة وتقديمها جاهزة للمتعلّم، ما يجعله يقوم بعمليّة النسخ ونقل التعابير من الرسائل التي قرأها في حصّة الاكتساب والتطبيق، من دون أن يجدَّ في ابتكار تعابير لم تُدرج في محور الرسالة. 

 

مشكلة التمهير في التعبير الكتابيّ 

مهارات من هذا النوع توخّى فيها المشرّع تهيئة المتعلّم سيكولوجيًّا وذهنيًّا لتلقّي مهارة الكتابة، غابت عنها الرؤية الأعمق التي تروم التمهير في الكتابة والتعبير السليم نحويًّا وصرفيًّا وإملائيًّا، وإقدار المتعلّم على الابتكار الأسلوبيّ وفق طاقته وإمكاناته. لذا، فإنّ المهارة الكتابيّة في كتاب الرائد تعاني خللًا عميقًا يتجلّى في بعدها الكلّيّ عن إكساب المتعلّم اللغة المبتكرة، بسبب استنادها إلى المُعطى الجاهز من الأنشطة المعتمدة الملزمة للمدرّس والمتعلّم، وهي أنشطة يغيب عنها المنطلق النصّيّ الذي ينبغي أن يتّخذ نموذجًا للمحاكاة، والتي لها دور كبير في تمهير المتعلّم في الإنتاج. يشكّل نصّ "البحر" من كتاب "أدب الحياة" لتوفيق الحكيم نموذجًا لعرض الرؤى المتباينة حول موضوع واحد؛ إذ يقوم على مساءلة فئات اجتماعيّة متعدّدة عن البحر، وتتكرّر في مطالع المقاطع الحواريّة صيغة نمطيّة ثابتة هي: "سألت عنه الصبية فقالوا: إنّه زبد جميل لا خطر فيه ولا ضرر… وسألت عنه الربابنة فقالوا: هو جبّار نرهبه ونخشاه، لا أمان معه، كم أرانا من الأهوال… وسألت عنه رجال الدين فقالوا: هو صورة عن بارئ الكون مصغّرة…" (توفيق الحكيم، كما ورد في "المطالعة والنصوص"، 1998)، وبهذا التتابع تتشكّل صورة البحر من تصوّرات ذاتيّة مختلفة تكشف اختلاف زاوية النظر وتنوّع المنظور. ويمكن للمدرّس أن يستثمر هذه البنية الأسلوبيّة تربويًّا، فيستبدل البحر بالغابة مثلًا، ويستدعي شخوصًا مثل الصبية والحطّاب والقنّاص ورجل الدين، ثمّ يُسند إلى كلّ منهم القول وفق رؤيته الخاصّة، فيتحوّل المتعلّم إلى "حكيم" صغير يعيد إنتاج نصّ جديد على المنوال نفسه، محاكيًا ما صنعه رائد المسرح الذهنيّ. 

غياب المحاكاة بسبب تغييب النصّ الوظيفيّ الذي ينبغي أن يُنتقى بعناية فائقة لخدمة درس التعبير والإنشاء، وغياب الجانب الأسلوبيّ في الدرس اللغويّ، أثّرا سلبًا في تعليميّة اللغة والكتابة، إذ يجب ألّا يُعزَل مكوّن درس اللغة عن مهارة الكتابة، وعدم النظر إليها من زاوية قاصرة تركّز على جوانب السلامة والمقبوليّة النحويّة فحسب، وإنّما وجب وضع درس اللغة في الموضع السليم الذي يتلاءم فيه مع طبيعة المهارة. ومثال ذلك أن يدرج المشرّع مهارة السرد والوصف في وحدة تحتوي دروسًا من قبيل النعت والحال والمشتقّات، لما لهذه العناصر من دور كبير في تشييد معمار اللغة الواصفة، فيتحقّق انسجام بديع بين المكوّنات، يؤهّل المتعلّم فعلًا لاستضمار المعرفة واستدماجها أثناء لحظات الكتابة بشكل واعٍ، يجعله يمارس فعلًا كتابيًّا حقيقيًّا يمتلك فيه درجات من الوعي الكتابيّ، تسير به نحو تحقيق الإبداعيّة المنشودة من المهارة. 

 

مشكلة التقييم 

وإلى جانب هذه المشكلات التي تمسّ ناحية التلقين والإنجاز، تنبثق مشكلة أخرى يعانيها المدرس في صمت، وهي مشكلة التقويم التي تأخذ وقتًا كبيرًا، لما تحتاج إليه من إصغاء إلى النصّ المكتوب، وفحص دقيق لكلّ المستويات الشاملة للغة والتعبير والنحو والصرف والإملاء والمعرفة، وهي مستويات فيها من العنت الشيء الكبير، لما تستلزمه من إحصاء للأخطاء، وبحث عن المشترك بين المتعلّمين، وتفييئهم وضبط مواضع القوّة والضعف؛ إذ يكون المنتج الكتابيّ للمتعلّمين مفتقرًا إلى هذا الجانب، بسبب النسخ والتشابه في المنتج الراكن إلى الجاهز والبعيد عن الإبداعيّة، ما يُفقد المهارة الكتابيّة وظيفتها القياسيّة. فمهارات مثل الإنتاج الصحفيّ والرسالة لا تستلزم بناء نصوص مختلفة بين المتعلّمين، لأنّ الصيغ المعبّرة مثلًا عن الشكر أو التعزية أو التهنئة، تظلّ متقاربة بينهم، إن لم نقل إنّها نفسها. وقِس على ذلك مهارة الإنتاج الصحفيّ عندما يتحدّد الموضوع، كما هو معمول به في الكتاب المدرسيّ، ما يستلزم من المدرّس تنويعًا في الموضوعات خارج أسوار المطلوب في الكتاب المدرسيّ أحيانًا، بحيث يكلّف كلّ صفّ بإنجاز موضوع خاصّ، تفاديًا لعمليّات النسخ والركون إلى الموجود في الكتاب المدرسيّ. 

 

مساحة المعلّم الإبداعيّة ضرورة 

وسط هذا كلّه، فالمدرّس مطالب أن يمارس تحرّره من ربقة التقييد الذي يمارسه المنهاج الدراسيّ. فبين مهارات لا تستساغ من المدرّس أو من المتعلّم، لا بدّ من منح المدرّس مساحات أكبر من الحرّيّة الإبداعيّة، لينتقي النصوص التي يراها أكثر فاعليّة وأشدّ مخاطبة لعواطف المتعلّمين وفكرهم؛ فيتّخذها منطلقًا لمهارات كتابيّة جديدة تعتمد المحاكاة باعتبارها مبدأ أساسًا، وأصلًا في الإبداع والإنتاج الفنّيّ بالمعنى الأفلاطونيّ والأرسطيّ. وأن يستلهم منها التعابير الأدبيّة والأساليب الجميلة ويلتقطها، ثمّ يقدّمها إلى المتعلّمين لتكون زادًا لهم يُضاف إلى مكتسباتهم التعبيريّة والمعجميّة، فيغتني بذلك رصيدهم من المفردات ومن البنيات الأسلوبيّة، مع إطلاعهم على مقامات الخطاب كما تستلزم البلاغة، حتّى يتعوّدوا على حسن الانتقاء والتوظيف السليم. ويجتهد بمعيّتهم في التقاط تقنيّات الجنس الأدبيّ وفنّيّاته، لتترسّخ في وعي المتعلّم فكرة تمايز الأجناس وتفرّدها بالسمات الفنّيّة التي تمنحها جماليّتها في حقل الأدب. وهكذا، تُكتب القصّة القصيرة جنسًا موسومًا بالتركيز وكثافة الجملة وشدّة الإيحاء ووحدة الشخوص والانطباع والهدف، وتُنسج المسرحيّة وفق نسق حواريّ بين أشخاص، ترافقه أدوات السينوغرافيا والجمل بين الأقواس المبرزة للإيماءة والوضعيّة والحالة النفسيّة وغيرها، ما يمكّن المتعلّم من اكتساب الأدوات التقنيّة للكتابة، بعيدًا عن ممارسة الاستنساخ التعبيريّ الذي يقيّد تفكير المتعلّم، ويسجنه داخل تعابير محدودة جاهزة.

 

*** 

يظلّ التعبير الكتابيّ المكوّن الأهمّ الذي تنتهي عنده كلّ الروافد المكوّنة لوحدة اللغة العربيّة، فهو المؤشّر الذي يقيس مدى تمكّن المتعلّمين من استدماج المعارف التي اكتسبوها، واستثمارها في باقي المكوّنات، ويراقب مدى تطوّر المكتسبات التعبيريّة والأسلوبيّة لديهم. لذا، فإنّه يحتاج إلى بصر حديد ونظر ثاقب من قبل المشرّع، على مستوى تحديد طبيعة المهارات التي ينبغي أن تسير في خطّة تعليم اللغة، لا الاكتفاء بتقديم المعارف المطروحة. مع فسح المجال للمدرّس ليمارس تحرّره في تبنّي مهارات جديدة تستدعيها حاجات المتعلّمين وسياقات العمليّة التعليميّة التعلّميّة، من أجل تجويد المهارات والسير بها في طريق تحقيق الكفايات التواصليّة والتعبيريّة، والتي من شأنها الرقيّ بأسلوب المتعلّمين وتمكينهم من الإبداع.  

 

المراجع 

- الرائد في اللغة العربيّة: السنة الأولى من التعليم الثانويّ الإعداديّ. (2024). دار النشر المغربيّة. 

- المطالعة والنصوص: السنة الثانية من التعليم الثانويّ الإعداديّ. (1998). مكتبة المدارس.