التعاون بين الأسرة والمدرسة.. سيرورة انخراط الوالدين في تتبّع مسار أبنائهما دراسيًّا
التعاون بين الأسرة والمدرسة.. سيرورة انخراط الوالدين في تتبّع مسار أبنائهما دراسيًّا
عزيز رسمي | أستاذ جامعيّ وخبير تربويّ - المغرب
يوسف إمهال | باحث - المغرب

مقدّمة

سنناقش في هذا المقال مسألة التعاون بين المدرسة والأسرة، خصوصًا في جانبها المتعلّق بمدى مشاركة أولياء الأمور في تتبّع دراسة أبنائهم، إذ يُعدّ الوسط العائليّ ذا أهمّيّة كبرى في الحياة الشخصيّة والاجتماعيّة والدراسيّة للأطفال، بوصفه أساس تربيتهم.

سنعرض نموذجين يتناولان طبيعة مشاركة الأسرة في عمليّة تمدرس الأبناء، ثمّ سنتطرّق إلى العلاقة بين سمات الوسط الأسريّ والهدر المدرسيّ، ثمّ الخصائص الأسريّة للأطفال المتسرّبين دراسيًّا.

وفقًا للعديد من المؤلّفين، فإنّ جملةً من العوامل تؤثّر بصورة كبيرة على التكييف المدرسيّ للتلاميذ، على غرار العوامل المتعلّقة بالوسط المدرسيّ (المردود الدراسيّ/ التكرار/ الفشل المتكرّر)، وكذلك العوامل المتعلّقة بالوسط السوسيو-اقتصاديّ (العزلة/ الهجرة/ انخفاض دخل الأهل/ عمالة الأطفال)، إضافةُ إلى الخصائص الشخصيّة للأطفال (صعوبات التعلّم/ السلوك/ الجنس/ المواقف تجاه المدرسة/ عادات العمل)، وأخيرًا مجموعة من العوامل المتعلّقة بالبيئة الأسريّة.

 

مشاركة الوالدين في التتبّع الدراسيّ للأطفال

اهتمّ عديد من المؤلّفين بموضوع مشاركة الوالدين في التتبّع الدراسيّ لأطفالهم (Deslandes, 2010). وممّا أوردوه أنّ مشاركة الوالدين في التتبّع الدراسيّ يتوافق مع دور الآباء في تربية أبنائهم في المنزل والمدرسة على حدّ سواء، إذ تهدف هذه الممارسة الأبويّة إلى تحقيق النجاح التربويّ والتنشئة الاجتماعيّة للطفل. وفي هذا الصدد تحدّد المهارات الأبويّة على أنها نتيجة لمسار دمج المعرفة، والمواقف، والمهارات المحدّدة اللازمة لتلبية حاجات الطفل من الدعم التربويّ بصورة ملائمة. عمليًّا، يمكن أن تكون مشاركة الوالدين انطلاقًا من تحفيز الطفل، وإعطاء تفسيرات محدّدة، وكذلك توفير مجموعة من استراتيجيّات التعلّم، ومساعدة الطفل على إنجاز الواجبات المنزليّة. وسنتّجه في القسم الآتي إلى تقديم نموذج مشاركة الوالدين في التتبّع الدراسيّ لصاحبه (2010) Deslandes، بالإضافة إلى نموذج عمليّة مشاركة الوالدين في المدرسة الذي طوّره Hoover-Dempsey & Sandler (1997).

 

نموذج "دسلاند"

قد حدّد Deslandes (2010)، ما مجموعه خمسة أبعاد تخصّ مشاركة الآباء في التتبّع الدراسيّ:

- الدعم العاطفيّ: وهو يتمثّل في التشجيع والتهنئة والمساعدة في الواجبات المنزليّة، ومناقشة الاختيار الممكن تطبيقه، وكذا الحضور إلى المدرسة للمساعدة في الأنشطة التي يشارك فيها الأطفال، ومرافقتهم في مختلف المناسبات كالسفر أو غيرها.

- التواصل مع المعلّمين: مثل المكالمات الهاتفيّة أو اللّقاء مع المعلّمين.

- تفاعلات بينيّة (آباء-أطفال أو آباء-مراهقين): تركّز على الحياة اليوميّة في المدرسة، كالقيام بمحادثات حول المدرسة، أو العمل، أو حول النتائج المدرسيّة.

- التواصل بين الآباء والمدرسة: تتجلّى من خلال حضور اجتماعات الآباء أو المشاركة في لجان صنع القرار.

- التواصل البينيّ (آباء-أطفال، أو آباء-مراهقين): الذي ينشأ من النقاشات حول الأحداث الجارية أو المشاريع المستقبليّة.

 

نموذج مسار التعبئة الأبويّة (Hoover-Dempsey & Sandler, 1997)  

إنّ إشراك الآباء في مسار تمدرس الأبناء ليس دائمًا أمرًا سهلًا. وهنا أكّد مجموعة من المؤلّفين (Bronfenbrenner, 1986; Deslandes, 2010) أنّ نجاح هذه التدخّلات مرتبط بمشاركة الشركاء جميعهم، أي على مستوى المدرسة، والأسرة، والمجتمع. وهؤلاء الشركاء مدعوّون جميعًا إلى العمل التشاركيّ من خلال تعزيز أشكال التبادل والتفاعل بغية تحقيق تدخّل ملائم ناجع لصالح التلميذ. ومن أجل مواجهة صعوبة إشراك الوالدين في تلك السيرورة، طوّر كلّ من Hoover-Dempsey & Sandler (1997)، نموذجًا لمسار المشاركة بين الوالدين والمؤسّسة المدرسيّة. وفقًا لهذين المؤلّفين، فإنّ قرار إشراك الوالدين يأتي انطلاقًا من ثلاثة أبعاد رئيسة: بناء دور الوالدين، والشعور بالكفاءة مقابل النجاح في المدرسة، ثمّ الدعوات والطلبات وفرص المشاركة المتوفّرة من قبل الطفل والمعلّم. يبدو هذا النموذج من وجهة نظرنا مثيرًا للاهتمام؛ لأنّه يركّز على العناصر التي تسمح أوّلًا للتلميذ بالشعور بالدعم، مع الأخذ بعين الاعتبار مسألة تحدّي أيّ مسار يقرّر الآباء الانخراط، أو عدم الانخراط عبره في المسار الدراسيّ لأطفالهم. وفي السطور التالية سنقدّم باختصار هذه الأبعاد الثلاثة.

- بناء دور الوالدين وتشكيله:

إنّ بناء دور الوالدين بخصوص التعلّم المدرسيّ للأطفال يتأثّر بعاملين أساسيّين، هما: التمثّلات حول دور الآباء، والمعتقدات فيما يخصّ التطوّر وتربية الطفل. تمثّل دور الوالدين يُبنى انطلاقًا من أربعة متغيّرات: التوقّعات، المتطلّبات وقواعد الجماعة، والفهم الأوّلي لدور الوالدين، ثمّ رأي الوالدين بشأن ما يجب فعله أو اجتنابه، وكذلك مختلف التصرّفات الحاليّة للعضو داخل الجماعة. في حين تتمثّل البنية الثانية لدور الوالدين في كون المعتقدات حول التنمية والتعليم بكونها عناصر مفيدة لفهم دور الوالدين.

- الشعور بالكفاءة:

يمثّل الشعور بالكفاءة عاملًا مؤثّرا في مسار انخراط الوالدين في تربية الأطفال. ويبدو أنّ له علاقةً مع النجاح الدراسيّ للتلاميذ. فالشعور بكفاءة الوالدين بخصوص النجاح المدرسيّ يعرّف على أنّه ثقة الوالدين في قدراتهم، وفاعليّتهم وتأثيرهم في النجاح الدراسيّ. في هذا الصدد، إنّ الآباء ذوي الشعور العالي بالكفاءة، يثقون في قدراتهم ويؤمنون بالتأثير الإيجابيّ لمشاركة الوالدين في النجاح المدرسيّ للطفل.ويرتبط شعور الوالدين بالفاعليّة أيضًا بإدراكهم للجهد والمثابرة التي يقدّمهما الطفل في التعلّم الدراسيّ. فالآباء الذين لديهم شعور عالٍ بالكفاءة يرجعون النجاح الدراسيّ بصفة عامّة إلى أهمّيّة جهد الطفل بدلًا من العوامل غير المستقرّة (كالذكاء).

- طلبات الأطفال والبيئة المدرسيّة:

إنّ انخراط الآباء في المسار الدراسيّ لأبنائهم له علاقة أيضًا بالمتطلّبات الصادرة من الطفل ومن بيئته المدرسيّة. نظرًا للعلاقة العاطفيّة التي تربط بين الطفل ووالديه، فإنّ دعوات دعم الأطفال تؤثّر إيجابًا في انخراط الآباء في المسار الدراسيّ للأطفال.

 

وفي الإطار نفسه، إنّ درجة مشاركة الوالدين أكبر لدى الأطفال ذوي النتائج الدراسيّة الجيّدة. فالدعم الذي يقدّمه الآباء للأطفال يكون أكثر فاعليّة عندما يشجّع المحيط التعاون بين المدرسة والبيئة الدراسيّة، ويوضّح الشكل "1" قرار الوالدين بالمشاركة في المسار الدراسيّ للأطفال:

صورة فرعية

الشكل (1): قرار الوالدين المشاركة في المسار الدراسيّ للأطفال (Hovver-dempsey & Sandler, 1995)

 

العلاقة بين البيئة الأسريّة والهدر المدرسيّ     

أضحى الهدر المدرسيّ مشكلًا اجتماعيًّا يحيّر مختلف الباحثين والأساتذة والمهنيّين في البيئة المدرسيّة. والتداعيات الاجتماعيّة والفرديّة للانقطاع الدراسيّ كثيرة جدًّا، فهؤلاء التلاميذ يعانون من سوء التكيّف الاجتماعيّ الذي يتمثّل في مجموعة من اضطرابات السلوك والجنوح (Janosz & LeBlanc, 1996; Langevin, 1999) ‎.

تلعب الأسرة دورًا مهمًّا في التطوّر الشخصيّ والاجتماعيّ للطفل بوصفها أوّل نسق لتفاعل الفتيان منذ الولادة، وعلى طول حياتهم (Deslandes, 2010)، وهو نسق يؤثّر إلى حدّ كبير في المردود الدراسيّ للطفل. ومن الواضح أنّ الفتيان لا ينقطعون عن الدراسة بسبب افتقارهم للإرادة أو الرغبة فقط، لكن أيضًا بسبب انحدارهم من وسط أسريّ غير ملائم للتنميّة الشخصيّة والدراسة عند الطفل.

حسب Deslandes (2010)، فإنّ المشاكل السلوكيّة التي تؤدّي إلى الهدر المدرسيّ لا يمكن معالجتها دون الاهتمام الكبير بوضع الأسرة. على سبيل المثال، انخفاض مستوى تعليم الوالدين، ونقص التماسك بين أفراد الأسرة، وتدنّي المستوى السوسيو-اقتصاديّ، كلّها عوامل مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالهدر المدرسيّ لدى الأطفال. وقد ارتبطت بعض الممارسات الأبويّة أيضًا بالهدر لدى التلاميذ، كتوقّعات الوالدين المنخفضة للنجاح الدراسيّ بخصوص أطفالهم، إضافةً إلى نقص الإشراف الأبويّ والممارسات العقابيّة غير الملائمة، وكذلك غياب مشاركة الوالدين في الأنشطة المدرسيّة. وترتبط هذه الممارسات بالأسلوب الذي يتبنّاه الآباء في تعاملهم مع الأبناء. في هذا الإطار، تفيد نتائج مجموعة من الدراسات بأنّ الممارسات الأبويّة التي تصنَّف ضمن النمط المتساهل، أو السلطويّ تؤثّر سلبًا على المردود الدراسيّ للتلاميذ. في المقابل، فإنّ الآباء الذين يتبنّون أسلوبًا ديمقراطيًّا في تعاملهم مع الأبناء يؤثّرون إيجابًا على فرص النجاح الدراسيّ لأطفالهم.

 

الحالة الأسريّة للأطفال المنقطعين عن الدراسة

تُعدّ البيئة الأسريّة واحدةً من العناصر الأكثر أثرًا في ظاهرة الهدر المدرسيّ، وقد بيّنت مجموعة من الأدبيّات (Janosz & LeBlanc, 1996; Langevin, 1999) ضمن هذا الإطار أنّ مشاركة الوالدين في تعليم الطفل تؤثّر إيجابًا في النجاح الدراسيّ؛ ففي البيئة الأسريّة يستعدّ الأطفال للأنشطة الفكريّة التي تطلبها المدرسة ويطوّرون مختلف المهارات الاجتماعيّة والشخصيّة الأساسيّة لنجاحهم الدراسيّ، في المقابل، فإنّ وجود بعض الصعوبات في البيئة الأسريّة تؤثّر سلبًا في المسار التعليميّ للتلميذ، كما أنّ بعض الخصائص العائليّة مثل المستوى السوسيو-اقتصاديّ، والسوسيو- ثقافيّ، ومستوى تعليم الوالدين، وبنية الأسرة وديناميّتها، كلّ ذلك يؤثّر على المسار الدراسيّ للطفل. وفيما يأتي بعض التفصيل في الأمر:

  • المستوى السوسيو- اقتصاديّ

طال ما ارتبط الوضع السوسيو-اقتصاديّ للأسرة بالهدر المدرسيّ لدى الأطفال، خصوصًا من ناحية الدخل المنخفض للوالدين، وعمالة الأطفال، كذلك إنّ عددًا كبيرًا من المنقطعين عن الدراسة يعيشون حياةً صعبةً متأزّمةً اجتماعيًّا واقتصاديًّا.

  • المستوى السوسيو- ثقافيّ

يعدّ المستوى السوسيو-ثقافيّ عاملًا حاسما في مسألة النجاح الدراسيّ للطفل. في الواقع، كلّ عائلة تمرّر لأطفالها بعض المعايير والعادات والقيم التي تتحكّم في طموحات الطفل ومواقفه تجاه الدراسة. على سبيل المثال: البيئة الأسريّة التي تعزّز وتثمّن القراءة، والمعرفة عمومًا تساهم في خلق جوٍّ ملائمٍ للنجاح الدراسيّ.

  • المستوى الدراسيّ للوالدين

يمثل تدنّي مستوى تعليم الأبوين واحدًا من العوامل المؤديّة إلى الانقطاع عن الدراسة. إنّ مستوى مشاركة الأبوين في الدعم المدرسيّ للأطفال يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمستواهم التعليميّ، وإنّ المستوى الدراسيّ للوالدين يؤثّر كذلك في التحفيز الفكريّ للطفل، وتعزيز الرغبة في التعلّم، والوعي بفوائد التمدرس وطبيعة الخطاب الذي يستخدمه الطفل.

  • بنية الأسرة

تصنّف بنية الأسرة من بين العناصر التي يمكن أن تؤثّر على المسار التعليميّ للطفل، فالخلاف بين الوالدين يؤثّر سلبًا في النجاح الدراسيّ للتلميذ. كما أنّ العنف اللفظيّ أو الطلاق يؤدّيان إلى شعور الأطفال بعدم الأمان والغضب والإحباط. معدّل الهدر المدرسيّ يكون عاليًا في الأسر ذات المعيل الواحد، التي تتميّز إمّا بوجود الأب، أو الأمّ، بصرف النظر على اختلال التوازن بين الزوجين، ومثل ذلك مدى إشباع الاحتياجات العاطفيّة، يمكن أن يؤثّر على المسار الدراسيّ للطفل.

  • الديناميّة الأسريّة

توضّح أعمال العديد من المؤلّفين مثل Bronfenbrenner (1986)، وجود علاقة بين النماذج السلوكيّة للوالدين من جهة، والسلوك الاجتماعيّ والدراسيّ للطفل من جهة أخرى. توقّعات الآباء المنخفضة بخصوص نجاح الأطفال هي أيضًا عامل مؤثّر في النجاح الدراسيّ للطفل، ومن بين المواقف العائلية التي تؤثّر على السلوك الاجتماعيّ والمدرسي للأطفال، نجد الاهتمام الذي يولى لإدارة وقت الطفل، والانضباط الأسريّ، وإدارة أماكن الدراسة، أي توفير مساحة ومناخ ملائمين للدراسة. كذلك، ردّ فعل الآباء تجاه ضعف النتائج الدراسيّة المحصّلة.

 

خاتمة

يعتمد النجاح الدراسيّ للتلاميذ على عوامل عدّة، من أهمّها ذلك العامل المتمثّل في البيئة الأسريّة. ونظرًا لأهمّيّة هذا العامل في تحقيق النجاح الدراسيّ للتلاميذ، فقد ركّزنا في هذا المقال على تحليل العلاقة بين الممارسات الأبويّة في الدعم المدرسيّ للطفل وظاهرة الهدر المدرسيّ.

على الرغم من أنّنا قدمنا هذه الأبعاد بصورة منفصلة، لا يستبعد هذا وجود ترابط بينها، وسيكون من الاختزال المضرّ القول بكون الهدر المدرسيّ مرتبطًا فقط بالبيئة الأسريّة، إذ إنّ التلاميذ المعرّضين لخطر الهدر المدرسيّ يعانون من ثلّة من المشكلات المختلفة، سواءً أكان ذلك في المنزل أو في المدرسة.

 

 

المراجع

- Bronfenbrenner, U. (1986). Ecology of the family as a context for human development: research perspectives. Development Psychology, 22, 723-742.

- Deslandes, R. (2010). Le difficile équilibre entre la collaboration et l’adaptation dans les relations-école-famille. In G. Pronovost, Familles et réussite éducative. Actes de colloque du 10e Symposium québécois de Recherche sur la famille (p. 197-215), Québec.

-Hoover-Dempsey, K.V. & Sandler, H.M. (1997). Why do parents become involved in their children’s education? Review of Educational Research, 67(1), 3-42.

- Janosz, M. & Le Blanc, M. (1996). Pour une vision intégrative des facteurs reliés à l’abandon scolaire. Revue canadienne de psycho-éducation, 25(1), 61-88.

- Langevin, L. (1999). Abandon scolaire : on ne naît pas décrocheur ! (2e ed.). Les Éditions Logiques.