التطوّرات العالميّة المتسارعة بشكل عامّ، والتكنولوجيّة بشكل خاصّ، جعلت من العالم قرية صغيرة. وأنتجت مجتمعات معرفيّة وأقرّت للطفل حقوقًا عالميّة باعتباره كائنًا ناميًا ذا حاجات نفسيّة واجتماعيّة ينبغي إشباعها.
وفي هذا الخضمّ، أظهرت النظريّات التعليميّة الحديثة التي تندرج ضمن مجال التربية وإدارة الفصل، نماذج تفاعليّة تواصليّة مثل نموذج ويليام غلاسر الذي يقوم على مبدأ التربية على الاختيار، ذلك لأنّه ينطلق من حاجات المتعلّم الأساسيّة كالحبّ والانتماء وتحقيق الذات، والإحساس بالحريّة والاستقلاليّة والمرح، وهذا ما يدفع المتعلّم إلى الانخراط التلقائيّ في مسار التعلّم، مدفوعًا برغباته الداخليّة لإشباع تلك الحاجات، ما يعزّز جودة العمليّة التربويّة.
ومن أبرز تلك الحاجات النفسيّة لدى الطفل حاجته إلى الإحساس بالقوّة والسلطة. ومن هنا، يمنحه هذا النموذج فرصة الاختيار لإشباع هذه الحاجة الأساسيّة لديه. فالتربية على الاختيار، بالإضافة الى ما ذُكر، تعدّ تدريبًا له على ممارسة الحريّة وتحمّل المسؤوليّة.
تطبيقات تربويّة لهذا النموذج داخل الفصل
يمكن للمدرّس في مستهلّ السنة الدراسيّة أن يعزّز شعور المتعلّم بالانتماء والقوّة والسلطة، بدعوته الى المشاركة في صياغة ميثاق للفصل؛ يضبط حقوق كلّ من المتعلّم والمدرّس وواجباتهما. وبالتالي يحسّ المتعلّم بالمسؤوليّة تجاه هذا الميثاق ويلتزم به.
وكذلك في خضمّ السيرورة التربويّة، يمكن للمدرّس في الإطار نفسه، أن يعزّز ثقة الطلّاب بأنفسهم؛ بتدريبهم على الديمقراطيّة داخل الفصل، كأن يتيح لهم مثلًا فرصة اختيار عريف يمثّلهم، أو توزيع الأدوار والمهامّ بطريقة تشاركيّة، وبتمكينهم من فرصة اختيار الأساليب التعليميّة التي تُناسب ميولهم واهتماماتهم، ومواضيع مشاريعهم، وفرصة تزيين القسم وصياغة المعلّقات. كلّ ذلك يمكن أن يعزّز لديهم الشعور بالقوّة وتحقيق الذات.
ويؤكّد غلاسر في نموذجه، على أهمّيّة التنظيم العاطفيّ والتحكّم في الذات، وتدريب المتعلّم على تحمّل مسؤوليّة سلوكيّاته بدعوته إلى التفكير والسلوك الواعي. مثال على ذلك: عندما يتكلّم أحد الطلّاب مع صديقه أثناء الشرح، يطرح عليه المدرّس مجموعة من الأسئلة عوضًا عن الصراخ في وجهه وتأنيبه:
ما الذي يجعلك تُحدّث صديقك أثناء الدرس؟ وهل هذا السلوك موافق لميثاق الفصل؟ وما الذي كان عليك أن تفعله عندما يشرح معلّمك؟
وأيضا يقترح عليه حلولًا مثل:
ما رأيك أن تجلس في مكان بعيد عن أصدقائك لتتمكّن من التركيز في الدرس؟ إذا شعرت بالملل هل يمكنك أن تكتب ملاحظات أو تحاول طرح أسئلة؟ فينتج عن ذلك شعور المتعلّم بالمسؤوليّة عن سلوكه، ويتّخذ قرارات واعية لتحسينها لاحقًا. ومع هذا يشدّد غلاسر على عدم إلغاء العقوبة، فالعقوبات العادلة والتي يدرك المتعلّم سببها، لها دور في تعزيز الانضباط الذاتيّ.
خُلاصة
يعدّ هذا النموذج مثاليًّا للتربية الحديثة، لأنّه يؤسّس لإرساء علاقات إيجابيّة داخل الفصل، ويجعل من الحريّة هدفًا نهائيًّا للتربية. وهي حريّة داخليّة تنمو مع الطفل تدريجيًّا، فتجعل منه كائنًا مستقلًّا ومسؤولًا عن تصرّفاته، يحترم القواعد ومجال الآخرين.



