ترتكز بيداغوجيا اللعب على اتّخاذ اللعب منطلقًا للتعلّم، ونمطًا تربويًّا قريبًا من الطبيعة الفطريّة للأطفال، ذلك أنّ الأطفال يميلون إلى اللعب والحركيّة. فالطفل يعيش طفولته باللعب ويتماهى مع أدواته وعناصره، ويستجيب لرموزه ومعانيه. لذلك، فتنمية شخصيّته في مختلف جوانبها، ينبغي ألّا تقوم على استبعاد اللعب من حياته، وإنّما على حسن تنظيمه، بحيث يؤدّي إلى تكوين الخصائص البنائيّة في نموّه. وفي هذا الصدد يقول سيجموند فرويد: "الأمر المفضّل لدى الطفل هو اللعب، وعليه، فسيكون من الظلم القول إنّه لا يأخذ هذا العالم على محمل الجدّ" (Freud, S. (1908/1959).
يتّضح من الإشارات أعلاه، أنّ كلّ شيء في حياة الطفل يدور في فلك اللعب. فهذا النشاط الطفوليّ يمثّل الجسر الذي تمرّ عبره الموارد التربويّة والقيميّة والنفسيّة والاجتماعيّة التي نريد أن نوصلها إلى الطفل (بن العربيّ، 2023).
وبحكم طبيعة التصميم البيداغوجيّ لفضاء التعليم الأوّليّ، وما يتضمّنه من موارد ووسائل تغري الطفل وتحفّزه على التنقّل والحركيّة والمبادرة، فطرائق التنشيط ينبغي أن تُبنى كلّها على أساس اللعب والعمل اليدويّ القائم على الملاحظة وتركيز الانتباه. وعلى هذا الأساس، يحرص المربّون والمربّيات على تصميم أنشطتهم مع الأطفال بمراعاة مبدأ أساس: اعتماد اللعب قاعدة أساسًا للاشتغال (وزارة التربية الوطنيّة والتعليم العالي والبحث العلميّ، 2018).
وبما أنّ المقاربة البيداغوجيّة المعتمدة في مرحلة التعليم الأوّليّ تتأسّس على اللعب، فنجاح نشاط الحكي للأطفال، مقترن بمدى استحضار الطفل وخصوصيّاته في زمن التأليف، وزمن التلقّي، وزمن الإنتاج. ففي أثناء التأليف، على المؤلّف أن يجعل من الطفل بطلًا في حكايته، إلى جانب شخوص آدميّة أو غير آدميّة (حيوانات، أشياء...). وفي أثناء التلقّي، يرتبط ضمان استجابة الطفل وشدّ انتباهه، بمدى عرض الحكاية بأسلوب مسلّ قادر على شدّ انتباهه، وتنمية خياله وحسّه المرهف. ففي مرحلة الطفولة المبكّرة، نلاحظ ميل الطفل إلى النظر في الكتب المصوّرة بألوان زاهية، واستمتاعه بالقصص التي تحكي عن هذه الصور. وهنا بالذات، وجب علينا أن نجعل لعبة الحكاية، في أسنادها اللغويّة والبصريّة معًا، مواكبة للتطوّرات الرقميّة الجديدة؛ مثل أن تكون اللعبة/ الحكاية متضمّنة لجملة من المكوّنات التي تحيل إلى تكنولوجيا الإعلام والاتّصال. بالإضافة إلى توجيه الأسناد البصريّة (الصور والرسوم والمشاهد) نحو هذا الهدف. فالطفل يلعب اليوم بمثل هذه المكوّنات التي يراها في اللوحة الإلكترونيّة، أو على شاشة الحاسوب، أو شاشة الهاتف الذكيّ (بن العربيّ، 2023).
واستنادًا إلى ما سبق، حدّد الإطار المنهاجيّ للتعليم الأوّليّ كفايات تربويّة ستًّا، تهمّ شخصيّة الطفل بمختلف جوانبها. وخصّ هذه الكفايات بكفاية ترتبط بالتعبير اللغويّ والتواصل، وهي كفاية يرمي المنهاج من ورائها إلى "تحديد المسار الاكتسابيّ التعلّميّ لطفل التعليم الأوّليّ في مجال اللغة والتواصل، وإغناء أدواته التواصليّة في أكثر من لغة واحدة، وبالتالي تطوير تعلّماته في مجال اللغة والتواصل قراءة وكتابة" (وزارة التربية الوطنيّة والتعليم العالي والبحث العلميّ، 2018).
ولتوضيح مضمون كفاية التعبير والتواصل، أشار الإطار المنهاجيّ إلى القدرات الآتية:
أن يكون الطفل قادرًا على:
- - تعرّف الأصوات ونطقها واستعمالها في سياقات التعبير والتواصل الشفهيّ.
- - تعرّف كلمات معجميّة مرتبطة بمحيطه، وتوظيفها في إطار سياقات تواصليّة مختلفة.
- - توظيف أدوات أسلوبيّة ضمن سياقات تبادليّة وتواصليّة مختلفة.
- - تعرّف الحرف وإدراكه صوتًا ورسمًا في كلمات أو جمل، وتهجئته أو قراءته.
- - إدراك معنى الكلمات والجمل المستعملة في نصّ قرائيّ أو شفويّ، وفهم دلالتها.
- - تخطيط أشكال الخطوط، ورسم بعض أشكال الحروف في وضعيّاتها المنفردة.
يرى المتأمّل في هذه القدرات المستهدفة، أنّها ترمي إلى تهييء الطفل لاكتساب أدوات التعبير والتواصل، والتمرّن على مهارتَي الاستقبال (القراءة والاستماع)، ومهارتَي الإنتاج (الكتابة والتحدّث). ولتحقيق هذه القدرات، يقترح الدليل البيداغوجيّ للتعليم الأوّليّ الحكاية منطلقًا لتدبير الأنشطة الخاصّة بالمجال التعلّميّ الثالث "التعبير اللغويّ والتواصل"، ضمن كلّ مشروع موضوعاتيّ من المشاريع الموضوعاتيّة الستّة؛ إذ اعتمدها في مختلف الأنشطة المرتبطة بالمجال، بدءًا بمرحلة الملاحظة والاستكشاف، مرورًا بمرحلة الممارسة والبناء، وانتهاء بمرحلة التطبيق والتوظيف. ولتيسير العمل على المربّيات والمربّين، ميّز الدليل بين أنشطة المربّي وأنشطة الطفل من بطاقات ديدكتيكيّة، ترشد المربّيات والمربّين إلى طريقة توظيف الحكاية في التعليم الأوّليّ (وزارة التربية الوطنيّة والتعليم العالي والبحث العلميّ، 2020).
يتّضح من هذا التصوّر الديدكتيكيّ، أنّ الحكاية تدبّر ديدكتيكيًّا في إطار لعبة كبرى، تتضمّن ألعابًا لغوية تتنوّع بحسب المرحلة الديدكتيكيّة (لعبة التسميع التشخيصيّ ضمن مرحلة الاستكشاف/ لعب الأدوار في مرحلة الممارسة والبناء/ لعبة الرسم على الرمل أو الرسم بالعجين في مرحلة التطبيق والتوظيف). وبما أنّ الحكاية اقتُرحت في مجال التعبير والتواصل، باعتبارها سندًا أوّليًّا لاكتساب مهارات التواصل والتعبير إلى جانب النشيد والخرجات الاستكشافيّة، فإنّنا نقترح بعض الألعاب الحكائيّة التي يمكن للمربّي اعتمادها في إطار التنشيط البيداغوجيّ للأطفال في مؤسّسات التعليم الأوّليّ:
اللعبة التربويّة الأولى:
|
اسم اللعبة |
لعبة التوقّعات |
|
أهداف اللعبة |
|
|
الأدوات والوسائل |
حكاية، صور، لائحة المتدخّلين |
|
المرحلة الديدكتيكيّة |
الملاحظة والاستكشاف |
|
المدّة الزمنيّة |
20 دقيقة |
|
خطوات اللعب |
|
اللعبة التربويّة الثانية:
|
اسم اللعبة |
حكاية في صورة |
|
أهداف اللعبة |
|
|
الأدوات والوسائل |
صور ملوّنة، بطاقات، تطبيق TELL ME |
|
المدّة الزمنيّة |
15 دقيقة |
|
المرحلة الديدكتيكيّة |
الممارسة والبناء |
|
خطوات اللعب |
|
اللعبة التربويّة الثالثة:
|
اسم اللعبة |
ماذا تفعل لو كنت مكانه؟ |
|
أهداف اللعبة |
|
|
الأدوات والوسائل |
حكاية، سبّورة، صور، جائزة |
|
المدّة الزمنيّة |
20 دقيقة |
|
المرحلة الديدكتيكيّة |
التطبيق والتوظيف |
|
خطوات اللعب |
|
***
الألعاب في حياة الأطفال أعمال ممتعة، وأنشطة مثمرة، ووسيط تربويّ لبناء شخصيّاتهم وتشكيلها في سنوات الطفولة المبكّرة. وعلى هذا الأساس، يكون اللعب متعة الطفل وضالّته الكبرى، ولا شيء بمقدورنا أن نوصله إلى الطفل خارج دائرته. كما يجب ألّا يغيب عنّا أنّ الطفل يلعب داخل الحكاية، وفي الوقت نفسه يلعب بالحكاية، إذ إنّها - في المراحل الأولى من عمره - مجرّد لعبة يتسلّى بها، ويستثمرها المربّي في الوقت نفسه للاضطلاع بالوظيفة التعليميّة والتربويّة، عن طريق الأنشطة التي يخطّط لها ويدبّرها بعناية وإتقان.
المراجع
- وزارة التربية الوطنيّة والتعليم العالي والبحث العلميّ، مديريّة المناهج. (2018). الإطار المنهاجيّ للتعليم الأوّليّ (وثيقة مرجعيّة موجّهة للمنهاج التربويّ) (الطبعة الأولى).
- وزارة التربية الوطنيّة والتعليم العالي والبحث العلميّ، مديريّة المناهج. (2020). الدليل البيداغوجيّ للتعليم الأوّليّ.
- وزارة التربية الوطنيّة والتعليم العالي والبحث العلميّ. (2018). دليل الألعاب التربويّة والرقميّة.
- بن العربيّ، سلوى مصطفى. (2023). الطفل بطلًا في الحكاية (الطبعة الأولى). مكتبة فرعيل.
- رجب، فضل اللّه محمّد. (2005). الألعاب اللغويّة لأطفال ما قبل المدرسة (الطبعة الثانية). عالم الكتب.
- نبيل، عبد الهادي. (2004). سيكولوجيّة اللعب وأثرها في تعلّم الأطفال (الطبعة الأولى). دائر وائل للنشر.
- Freud, S. (1959). Creative writers and day-dreaming. In J. Strachey (Ed. & Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 9, pp. 141–153). Hogarth Press. (Original work published 1908)





نشر في عدد (24) ربيع 2026