في خضمّ السعي الحثيث لدى معظم الدول العربيّة لتطوير أنظمتها التعليميّة، يرقب المسؤولون آخر ما تقدّمه الدوائر التربويّة العالميّة من دراسات واستراتيجيّات ونظم جديدة في ممارسات التعليم وتنظيمه. ومع تبنّي أشكال جديدة متطوّرة، تعمل المؤسّسات على دمج هذا الجديد في أنظمتها، وتدريب المعلّمين على حسن سياقها، وإطلاع الأهل على سيرها ومراميها.
لكن، في معرض هذا التطوّر الكبير، يبقى هناك شعور بنقص ما؛ نقص يضجّ بغيابه: الربط بين المدرسة وخارجها، محيطها، مجتمعها... وهنا ليس الحديث عن ممارسات مدرسيّة خارج جدران الصفّ، أو زيارات ميدانيّة، أو برامج غير منهجيّة. الأمر مرتبط بعلاقة المتعلّمين بحياتهم الحقيقيّة، بظروفهم وواقعهم، ومآلات هذه الظروف ودورهم في إعادة تشكيلها. في هذا الشأن تبرز أفكار باولو فريري الآتي من واقع برازيليّ صعب، لتنظّر لهذه العلاقة: علاقة المتعلّم بمحيطه، وانعكاس هذه العلاقة على تعلّمه، وولايته شأن هذا التعلّم رفقة ميسّر لا "معلّم"، بحيث ينتجان معًا تعلّمًا مرتبطًا بفهم الواقع حولهما، وتحديد مشكلاته، والسعي لتغييره.
وما قاله فريري مرتبط أساسًا بالمحلّيّة في التعليم، والمرتبطة بدورها بتراكم عالميّ من التطوّرات العلميّة. فليس ما يقترحه انعزالًا تعلّميًّا بحجّة المحلّيّة، تنتج تقوقعًا للذات المحلّيّة عن ما يتراكم في العالم من تطوّر. بل هو في الأساس دعوة إلى الاستفادة من كلّ ما يتطوّر في العالم، بناء على تقدير ذاتيّ للحاجات، وتطويع المعارف العامّة بما يخدم الواقع الخاصّ في كلّ منطقة ومحلّ، انطلاقًا من تطوير وعي المتعلّم في فهم ما يحيط به، والحاجات الطارئة، وتفكيكها، وصولًا إلى اقتراح البدائل والسعي بشأنها. فريري جمع الأفكار ونظّمها، لكنّ التاريخ يقول لنا إنّ المجتمعات قاربت هذه الأفكار، ممارسةً وأقوالًا، وقت الحاجة والشدائد، وغياب سلطة مُقرّرة. فلا يمكن لنا أن نعزو تجربة ريجيو إيميليا الرائدة في تعليم الصغار إلّا إلى ما تفتّقت عنه الحاجة إلى التعليم خارج المدارس المدمّرة، أي التفاعل مع الواقع المُحبِط وتحويله إلى فرصة تغيير. وفي مجتمعاتنا العربيّة، يكفي الاطّلاع على أفكار المعلّم خليل السكاكينيّ السبّاقة لنعرف الفرص التي أتاحتها تجربته، وتفاعل هذه التجربة مع الواقع ومتغيّراته القاسية. وكذا الأمر لاحقًا مع أفكار منير فاشة وغيرهما ممّن نتمنّى الإضاءة على تجاربهم دائمًا.
لكن، هل التعليم الشعبيّ خروج عن نظم التعليم المختلفة في مدارسنا؟
اعتقادنا أنّ تطوير مفهوم وعي الحاجات الحقيقيّة للمجتمعات المختلفة لا يتعارض مع بُنانا التعليميّة، وإن كان يستدعي تغييرًا في رؤيتنا إلى دور المعلّم وغرض التعليم: فليس المطلوب معلّمًا عرّافًا بكلّ شيء، بل ميسّرًا مشجّعًا على فهم متعلّميه وواقعهم، بالأسئلة والنشاطات. وليس الهدف من التعليم تخريج طالب يقول: "أنا بحاجة إلى آيفون جديد"، بل طالب يربط مثلًا محاربة عمالة أقرانه الأطفال بالحاجة إلى تغيير الواقع الاقتصاديّ – الاجتماعيّ. أو طالب يشعر بالذنب لشربه من قنّينة ماء بلاستيكيّة كونه يدمّر كوكب الأرض، بل يفهم لماذا ما تزال هذه القناني تُنتَج في بلده؟ وكيف نغيّر هذا الواقع؟
التعليم الشعبيّ هو ربط كلّ مزايا التعليم الحقيقيّ بالواقع، بغية فهمه وتغيير ما يحتاج: التفكير الناقد، وحلّ المشكلات، والوعي البيئيّ والاجتماعيّ والعاطفيّ، واستعمال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعيّ... كلّ هذه المهارات الضروريّة اليوم يُعاد تشكيلها في بوتقة فهم المتعلّم حاجة الواقع، وأسّ المشكلة، والتعامل مع المتغيّرات، والمطلوب للتغيير. وهذا الوضع وجد تمثّلاته في بيئات مأزومة بفعل الحروب والفقر والنزوح، وكانت تجاربه دليلًا على ارتباط التعليم الشعبيّ بقناعة مجتمعيّة بضرورة استمرار فعل الحياة/ التعليم/ التغيير، وعلى نجاح هذه التمثّلات، بما يُفضي إلى التفكير بنقل مفاصل أساسيّة من هذه التجارب إلى مجتمعات تدريسيّة أكثر استقرارًا: دمج التعليم بالمجتمع وحاجاته، وفهم مشاكله، والسعي للتغيير.
في ملفّ منهجيّات للعدد 25 "التعليم الشعبيّ في العالم العربيّ: تجارب وممارسات" نظرة إلى ممارسات حقيقيّة تعاملت مع الظروف المتغيّرة، بالاعتماد على علاقة متينة بين الهيكل التعليميّ ومحيطه، نأمل أن تلقي ضوءًا يُستنار به.





نشر في عدد (25) صيف 2026