- تعمل من بداية 2025 باحثةً رئيسةً في مركز الشرق الأوسط في جامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسيّة LSE ضمن برنامج الكويت.
- تركّز دراساتها على السياسات والقيادة التعليميّة والتعليم النقديّ وسوسيولوجيا المدارس الدوليّة وعلاقة التعليم بالتحوّلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، تحديدًا في الخليج العربيّ والعراق ولبنان وفلسطين.
- حاصلة على شهادة الدكتوراه في سوسيولوجيا التعليم والتعلّم والقيادة التربويّة من كلّيّة التربية في جامعة UCL في لندن.
- حاصلة على منحة الأكاديميّة البريطانيّة لزمالة بحث ما بعد الدكتوراه في السياسات التعليميّة والقيادة والعدالة الاجتماعيّة في جامعة Ulster في أيرلندا الشماليّة.
- حاصلة على منحة الأكاديميّة البريطانيّة باحثةً زائرةً في مركز الدراسات اللبنانيّة.
- أسّست مع آخرين منتدى جنوب وغرب آسيا وشمال إفريقيا للعدالة الاجتماعيّة والتعليم SWANA Forum for Social Justice.
- عضو ومؤسّس لمجموعة دراسات في النظريّة الاجتماعيّة النقديّة في مجال القيادة والإدارة التربويّة في British Educational Leadership, Management and Administration Society (BELMAS)
نبدأ بالتعريف الذي تفضّله د. نضال عن نفسها، إنسانة وتربويّة.
كيف ينظر الإنسان إلى نفسه؟ هذا السؤال جوهريّ ومرتبط بالهويّة. وأنا أحبّ أن أنطلق من إنسانيّتي؛ فالإنسانيّة تبقى محورًا أساسيًّا في تفكيري وعملي، سواء في التعليم أو البحث أو مجالات الحياة الأخرى. كوني نشأت في قرية في البقاع اللبنانيّ، وعشت طفولتي كلّها في الحرب اللبنانيّة، ثمّ شهدت حروبًا متتالية، شكّلت هذه التجارب وعيي السياسيّ والإنسانيّ والجغرافيّ، ولاحقًا عملي التعليميّ والتربويّ والبحثيّ.
كما أسهم كوني امرأة وأمًّا منذ مرحلة مبكّرة في حياتي، في تشكيل وعيي وفهمي للعالم. وبالنسبة إليّ، فإنّ كوني امرأة شكّل منظوري عن المجتمع وطريقة فهمي للعالم، لأنّه تجربة خاصّة. وكوني امرأة من قرية بقاعيّة، وامرأة عاشت الحرب، وأمًّا في الوقت نفسه، كانت الأمومة دائمًا بالنسبة إليّ مساحة معرفيّة، وساحة للكفاح الاجتماعيّ الدائم. وقد أثّر ذلك أيضًا في عملي التعليميّ؛ فحين بدأت عملي معلّمة منذ أكثر من 27 عامًا، انعكس هذا البعد على علاقتي بأولادي أيضًا. وأنا أعتقد أنّ الهويّة، أو الوجوه المختلفة للهويّة، تتداخل في ما بينها؛ أحيانًا تتماهى، وأحيانًا تتقاطع، وأحيانًا يتميّز وجه عن آخر. لكن باختصار، أحبّ أن أعرّف عن نفسي بأنّني إنسانة تربويّة، وإنسانيّتي ترتبط بكوني أمًّا وامرأة.
بالنظر إلى المكوّنات التي ذكرتِها في تعريف هويّتك، المرأة والأمّ وابنة القرية، هل ترين أنّ هذه الأبعاد تحمل دلالة إنسانيّة كونيّة عابرة للجغرافيا؟ أم إنّ لخصوصيّة النشأة في قرية شرقيّة، وتحديدًا في البقاع اللبنانيّ بكلّ تعقيداته وسياقه، تمايزًا جوهريًّا يختلف عن تجربة امرأة تعيش في قرية ريفيّة في سويسرا مثلًا؟
كوني سوسيولوجيّة، أرى أنّ التجربة الشخصيّة دائمًا قصّة اجتماعيّة. فقصّتي الشخصيّة، أو قصص الكثير من الأخريات والآخرين، تكشف الكثير عن حكاية وقيم المجتمع الذي نشأنا فيه وتفاعلنا معه. لا وجود هنا لشموليّة مطلقة؛ قد يكون هناك تداخل وتجارب متقاطعة في بعض وجوهها، لكنّ تجربتنا، أو تجربتي وتجربة الكثيرات مثلي، قد تحمل في طيّاتها ما يشبه تجارب أخريات أو آخرين ممّن عاشوا تجارب مشابهة. لذلك فتجربتي قد تتلاقى مع تجارب آخرين من هذا المجتمع، نساء ورجالًا. هناك خصوصيّة لتجربة النساء في هذه المنطقة من العالم لا يمكن إنكارها، خصوصًا في ما يتعلّق بغياب الحماية والرعاية البنيويّة والقانونيّة، وغياب الكثير من البنى الراعية المتوفّرة في مجتمعات أخرى، كما في مثال سويسرا أو سياقات مشابهة. أمّا في العالم الذي أتيت منه، والفترة الزمنيّة التي نشأت فيها في لبنان، فقد كانت فترة غياب تامّ للمؤسّسات الراعية صحّيًّا وقانونيًّا واجتماعيًّا، وربّما ما يزال هذا صحيحًا إلى حدّ كبير. كانت الرعاية دائمًا اجتماعيّة وأهليّة، وهذه تجربة مميّزة ومختلفة، وربّما شكّلت أيضًا مفهومنا عن السلطة والدولة والمؤسّسات، ومنها المؤسّسات التعليميّة، لأنّنا لم نعتد وجود مؤسّسات تتولّى رعاية الناس.
أنا أتيت من مجتمع حمى نفسه بنفسه، أو اضطرّ إلى الاتّكال على نفسه. لذلك مثّل التكاتف الاجتماعيّ الأساس في المجتمع البقاعيّ القرويّ، حيث تبقى العلاقات الاجتماعيّة هي الأصل. أمّا مفهوم العلاقة مع المؤسّسات أو مع الدولة بوصفها إطارًا راعيًا، فهو مفهوم هجين تعرّفت إليه في مرحلة لاحقة جدًّا، حين بدأت عملي معلّمة. قبل ذلك، ومع أنّني تعلّمت في الجامعات، كانت العلاقة مع البنى المؤسّسيّة، على اختلافها، غير واضحة أو بلا أطر محدّدة، أقرب إلى حالة غير مستقرّة. أذكر كلّ هذا لأعود إلى فكرة تقاطع التجارب النسويّة، فالحقيقة أنّ تجارب الكثير من التربويّات والباحثات العاملات في السياقات ما بعد الاستعماريّة أو المناهضة للاستعمار، أو في السياقات التي تتّسم بفجوات اقتصاديّة وطبقيّة، لا تشبه تجربتي في جوانب كثيرة، على الرغم من بعض التقاطعات هنا وهناك.
ما الذي نقلك من مجال التعليم إلى مجال الدراسات العليا والتعليم الجامعيّ؟ وهل كان هذا انتقالًا طبيعيًّا؟
كانت النقلة طبعًا مدروسة ومتعمّدة ومخطّط لها. أحبّ أن أبدأ بالحديث عن تجربتي في التعليم، بدءًا من كوني متعلّمة ثُمّ معلّمة. بدأت تعليمي في مدارس بعلبك في نهاية السبعينيّات والثمانينيّات، وكانت تلك فترة صعبة، ولكن أيضًا مهمّة على صعيد تاريخنا اللبنانيّ وتاريخ المنطقة. كان فيها الكثير من التجاذبات السياسيّة والفكريّة، وفيها بدأ يتشكّل وعيي السياسيّ، كونها أيضًا تزامنت مع الاجتياح الإسرائيليّ للبنان في ١٩٨٢، ونهوض الحركة الوطنيّة اللبنانيّة والتقارب العضويّ بينها وبين المقاومة الفلسطينيّة والحركة المضادّة. كلّ هذا الواقع كان جزءًا من تكويني.
أنا أنحدر من أسرة من الفلّاحين والمزارعين. والدتي كانت معلّمة لفترة قصيرة، لكنّ العائلة بأكملها كانت، كما كانت القرية أيضًا، مجتمعًا زراعيًّا، ومع ذلك كان هؤلاء الفلّاحون يتمتّعون بثقافة سياسيّة وأدبيّة واسعة، تداخلت فيها الأبعاد القوميّة والدينيّة واليساريّة والتاريخيّة، وأسهمت بعمق في تشكيل وعيي.
في منتصف المرحلة المتوسّطة انتقلت مع إخوتي للدراسة في مدينة زحلة، فكانت بالنسبة إليّ نقلة حادّة وتجربة عميقة، مع أنّ المسافة بين بعلبك وزحلة ليست كبيرة، لكنّني أدركت أنّ هناك اختلافًا حادًّا بين المنطقتين من حيث الانتماء السياسيّ العامّ، والفضاء الاجتماعيّ والاقتصاديّ والثقافيّ وحتّى اللغويّ. ثمّ بدأت أتساءل، ليس فقط حول الفجوة الطبقيّة، بل الفجوة المناطقيّة أيضًا. أثر الحرب في بعلبك والقرى كان مختلفًا جدًّا عن أثرها في زحلة؛ كلّ شيء كان مختلفًا: الرؤية، والتقييم، والآثار، وطبيعة علاقات الناس ببعضهم البعض وبالسلطة. فكانت بالنسبة إليّ صدمة ثقافيّة كبيرة، لأنّ بعلبك الهرمل توصف تاريخيًّا بأنّها منطقة محرومة، لا تتوفّر فيها فرص عمل ولا مؤسّسات، غالبيّة أهلها مزارعون يعتمدون في معيشتهم على نتاج المواسم الزراعيّة، ومع ذلك تمتلك ثقافة غنيّة ومتجذّرة داخل العائلات والمجتمع. ففي قريتي مثلًا كانت تُقام حلقات شعر ومسرح، وفيها نادٍ ثقافيّ اجتماعيّ ورياضيّ ما يزال قائمًا إلى اليوم، وكان يستضيف شعراء وحكواتيّين وعروض أفلام وأشخاصًا من مختلف الخلفيّات والأعمار، يشاركون ويناقشون ويطرحون الأسئلة.
كانت هذه مرحلة مهمّة بالنسبة إليّ، وأظنّ أن وعيي أو تعليمي، وربّما ثقافتي، جاءت من هذه البيئة أكثر من المدرسة. في تلك الفترة بدأت أفهم معنى المناطقيّة، وبدأت الأسئلة تدور في ذهني. ثمّ انتقلت إلى التعليم الثانويّ، وهي مرحلة حيويّة جدًّا في تفكيري، وأحبّ ألّا أنسى أثرها في مسيرتي التعليميّة. ثمّ انتقلت إلى الدراسة في الجامعة الأميركيّة في بيروت بعد الحصول على منحة، وشكّل هذا الانتقال تراكمًا إضافيًّا من الأسئلة حول الفجوة المناطقيّة وتبعاتها الاقتصاديّة والتعليميّة. وبعد الجامعة توقّفت عن الدراسة والعمل لعشر سنوات تفرّغت فيها لرعاية أولادي الأربعة، وكانت فترة انتقال في الأولويّات، لكنّها كانت أيضًا فرصة للتفكير والقراءة والانخراط في جوانب اجتماعيّة أخرى. وبدأت حينها أتعرّف إلى مجال التعليم بشكل رسميّ بتعليم أولادي.
ثمّ عندما بدأت العمل في التعليم في مطلع الألفيّة، في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، درّست مادّة الاجتماع والاقتصاد، وكان معظم طلّابي من قرى الجنوب أو من قرى البقاع، تحديدًا البقاع الشرقيّ، لأنّ مؤسّسات عدّة كانت تقدّم منحًا للطلّاب. وهناك اشتبكت مع واقع مهمّ وحيويّ، أعتقد أنّه لم يأخذ حقّه من التفكير والتفكيك، ابتداءً من الحرب الأهليّة إلى ما قبل 2005. فهذه الفترة من تاريخ اللبنانيّين لم تأخذ حقّها من الفهم والتأمّل والدراسة.
وعندما انتقلت إلى الدراسة الأكاديميّة في بريطانيا، وانخرطت في عالم واسع من الأسئلة حول الاستعمار والتحرّر والتعليم التحرّريّ، شكّلت تلك المرحلة فرصة لإعادة النظر في هذه المفاهيم والتفكير فيها من جديد، وهي مفاهيم كنت أجد لها جذورًا أصيلة في تجربتي السابقة، حتّى وإن لم تكن تُصاغ دائمًا بالمصطلحات نفسها. فمفهوم العدالة الاجتماعيّة مثلًا لم يكن حاضرًا في خطابنا اليوميّ، لا في المجتمع ولا في التعليم، كما نستخدمه اليوم في الأكاديميا؛ إذ إنّ كثيرًا من المصطلحات المتداولة اليوم في أصلها مصطلحات غربيّة.
ولكن في السياق الاجتماعيّ العامّ الذي عشتُ ضمنه، وعلى الرغم من طابعه التقليديّ أو المحافظ دينيًّا، فإنّه كان يساريًّا في توجّهه السياسيّ. كان هناك دائمًا حديث عن التهميش والحرمان وغياب الفرص، وربط بين هذه القضايا ومسألة الاستعمار، وهي قضايا حيويّة ترتبط فيها الذاكرة بالواقع الحاليّ وتثير التساؤلات حول المستقبل. ففهمنا للحرمان الاقتصاديّ والظلم الاجتماعيّ في تلك المنطقة من العالم، كان دائمًا مرتبطًا بالصراع ضدّ الاستعمار، مع أنّني لم أكن أُدرك هذه الأبعاد بوضوح في تلك الفترة. لكن في السنوات الأخيرة، ومن قراءتي لبعض المؤلّفات، ولا سيّما أعمال مهدي عامل، بدأت أفهم أكثر كيف جرى تناول هذه القضايا، وكيف عبّر عنها مؤرّخون وفلاسفة عرب ولبنانيّون وفلسطينيّون من زوايا مختلفة. وربّما ساعدني ذلك أيضًا في إعادة النظر في مخزوني الثقافيّ والأكاديميّ.
ومن هذه التجارب انطلق فهمي للعلاقة بين الاستعمار وأشكال التمييز الطبقيّ والاجتماعيّ في لبنان، والذي يمكن القول إنّه بلد ذو وجه طائفيّ، ولكن أيضًا ذو ملامح طبقيّة حادّة. فمنذ نشأته يمكن اعتباره مشروعًا طبقيًّا بامتياز، لا يقوم فقط على البعد الدينيّ أو المذهبيّ، بل إنّ البنية المذهبيّة نفسها تُعدّ مكوّنًا أساسًا يتداخل مع البنية الطبقيّة أو يعمّقها. ففي لبنان، حتّى عندما يرتفع دخل الأفراد أو تنتقل بعض العائلات إلى مستويات اقتصاديّة-اجتماعيّة أكثر يسرًا، يبقى التاريخ العائليّ والانتماء المذهبيّ والسياسيّ متجذّرًا في نظرة العائلة إلى ذاتها، وفي نظرة المجتمع إليها وفي علاقاتها الاجتماعيّة. لذلك تبدو الحالة اللبنانيّة، إلى حدّ ما، حالة فريدة في هذا التداخل المعقّد. ومع أنّني لم أتناول هذا الموضوع بشكل منهجيّ أو موسّع في كتاباتي، إلّا أنّه شكّل جزءًا أساسًا من تفكيري في التعليم وفي المجال الأكاديميّ.
في سنة 2006، اضطررت بسبب الحرب الإسرائيليّة إلى النزوح القسريّ مع عائلتي إلى دولة قطر، وعملت في التعليم ضمن المدارس المستقلّة، حيث كانت تجربة إصلاح التعليم في مراحلها الأولى. كانت تجربة غنيّة جدًّا واستمرّت حتّى سنة 2011، ثمّ انتقلت بعدها إلى إدارة مدرسة دوليّة، وكانت هذه مرحلة أخرى من العلاقة مع التعليم، ولكن من منظور مختلف، وقد شكّلت لي فرصة مهمّة للتعمّق أكثر في مفاهيمي التربويّة، إلى جانب عملي اليوميّ.
في تلك الفترة أيضًا كنت أتابع دراسة الماجستير في أصول التدريس وتصميم المناهج والتقييم، فكان هناك تداخل واضح بين العمل والتعلّم الذاتيّ والتطوير الأكاديميّ. وفي الوقت نفسه، كنت أتابع دراسة أولادي. عشت في مجتمع قطريّ عربيّ أصيل، لكنّه أيضًا مجتمع متعدّد جدًّا، منفتح على ثقافات مختلفة، وفيه انخراط واسع مع سياقات وتجارب متنوّعة. هذا السياق فتح أمامي أسئلة جديدة، لكنّها لم تكن منفصلة عن الأسئلة التي بدأت معها منذ تجربتي معلّمة. أسئلة من قبيل: من يلتحق بهذه المدارس؟ من يستطيع الوصول إلى هذا النوع من التعليم؟ ولماذا هذا النوع تحديدًا؟ ماذا نقصد بالتعليم الجيّد؟ وكيف يختار الأهل مدارس أبنائهم؟ ومن يملك حقّ الحديث في هذه القضايا؟ ولماذا ندرّس نصوصًا معيّنة دون غيرها؟ ولماذا يوظَّف معلّمون بمؤهّلات ومواصفات محدّدة دون سواها؟
الواضح أنّ دخولكِ إلى مجال التعليم كان منطلقًا من منظور العدالة الاجتماعيّة، وهو ما أدّى حتمًا إلى ممارستكِ أو محاولتكِ ممارسة هذا المفهوم النظريّ في عملك معلّمة ولاحقًا قائدة تربويّة، وصولًا إلى كتاباتكِ وأحاديثكِ التي تشدّد دائمًا على "العدالة التعليميّة". انطلاقًا من هذه الخلفيّة الغنيّة، كيف تعرّفين مفهوم العدالة التعليميّة؟ وهل تقتصر هذه العدالة على المتعلّمين فحسب، أم تشمل المعلّمين أيضًا؟ وكيف يمكن تحقيق ذلك عمليًّا؟
ارتبط مفهوم العدالة التعليميّة عندي دائمًا بالعدالة الاجتماعيّة، ثمّ تطوّر خلال دراسة الدكتوراه ليأخذ بُعدًا أوسع يتمثّل في "العدالة الثقافيّة" وليس العدالة الاجتماعيّة فحسب. وإذا أردت العودة إلى جذور هذا المفهوم في ممارساتي، فهي سابقة لتعرّفي إلى المصطلحات في الأدبيّات الأكاديميّة الغربيّة؛ إذ كانت مفاهيم الظلم والسلطة والقوّة والتهميش حاضرة دومًا في ذهني، انطلاقًا من تجربتي الشخصيّة، ومن الظروف الحياتيّة التي عشتها وشاهدتها، سواء في المدارس التي تعلّمت فيها، أو تلك التي علّمت فيها لاحقًا.
كان من الواضح بالنسبة إليّ أنّ هناك فئة تمتلك القوّة والقدرة على الوصول إلى نوع معيّن من التعليم والفرص، في حين تُحرم منها الشريحة الأكبر. ومن هنا جاء حرصي الدائم على توفير فرص عادلة لطلّابي، وعلى مناصرة من يُنظر إليهم بوصفهم أقلّ حظًا أو أقلّ حقًّا، ليس الطالب فقط، بل الإنسان عمومًا، وتحديدًا في سياق التعليم بحكم عملي فيه.
وعندما بدأت أتعمّق أكثر في مساري المهنيّ معلّمةً، باعتباري جئت إلى التعليم من خارج هذا الحقل، وبالتحديد من دراسة العلوم السياسيّة والاجتماعيّة، كانت برامج التدريب والتأهيل والتراخيص بالنسبة إليّ أقرب إلى إجراءات تقنيّة وشكليّة، على الرغم من أهمّيّتها في جانبها العمليّ المتعلّق بـ"كيف نعلّم؟" لا "ماذا نعلّم؟" فقط. لكنّ السؤال الأعمق الذي كان يرافقني باستمرار هو: كيف أحقّق الأفضل لطلّابي داخل الغرفة الصفّيّة؟ وكيف أتعامل مع زملائي لخدمة هذا الهدف؟
كنت أرى الفجوات بوضوح من منظوري الخاصّ؛ أرى الفروق بين الزملاء تبعًا للمؤسّسات التي تخرّجوا منها، وألمس التباين بين طلّابي في المرحلة الثانويّة القادمين من مدارس خاصّة أو مموّلة من مؤسّسات دينيّة، وبين أقرانهم القادمين من المدارس الرسميّة الحكوميّة في لبنان. لذلك، كان مفهوم العدالة الاجتماعيّة في سياق التعليم حاضرًا لديّ بقوّة، حتّى قبل أن يُصاغ أكاديميًّا تحت هذا الاسم.
كان هاجسي الدائم يتمثّل في إبراز الحقّ وإعطائه للمتعلّم والمعلّم والإنسان، ولا سيّما أولئك القادمين من سياقات تفتقر إلى الحقوق أو الفرص أو تعدّد المجالات. هي فعلًا ليست مجرّد فرص، بل حقوق. وهذا كان جزءًا من هواجسي الدائمة، إلى جانب عملي في التعليم وتفاعلي مع الطلّاب وأهاليهم.
كنت ألاحظ، بشكل غير مباشر، لأنّ هذه الأمور لا تُقال دائمًا بشكل صريح، كيف يتعامل العاملون في المؤسّسات التعليميّة، وفي المؤسّسات الداعمة للتعليم عمومًا، مع أسر قادمة من الشمال العالميّ أو من الجنوب العالميّ، أو مع أسر تبدو عليها ملامح ثقافيّة أو عرقيّة أو دينيّة أو لغويّة محدّدة، مقارنة بأسر أخرى، وكيف ينعكس ذلك في طريقة التعامل مع الطلّاب.
من هنا بدأت أرى الفجوة، لكنّها لم تكن فقط فجوة اجتماعيّة أو اقتصاديّة، بل أيضًا فجوة ثقافيّة. ففي تجربة لبنان كانت الأسئلة تدور أكثر حول العدالة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، والتي هي في جوهرها مرتبطة بسياق تاريخيّ وسياسيّ.
أمّا في المجتمع الخليجيّ، فالأسئلة تأخذ منحى آخر، يربط البعد الثقافيّ بالبعد الاجتماعيّ، خصوصًا وأنّ غالبيّة المقيمين فيه من جنسيّات متعدّدة، إلى جانب المواطنين الذين يمتلكون، بحكم السياق، قدرات وفرصًا اقتصاديّة واجتماعيّة مختلفة. لكن في المقابل، هناك أيضًا فجوة ثقافيّة واضحة، تتجلّى في اختلاف ما يُعتبر "مقدّرًا" وما يُمنح قيمة أعلى داخل المجتمع، سواء على مستوى الجماعات أو الأفراد.
ومن هنا بدأ السؤال الأساس للعدالة في تفكيري: لماذا نُعلي من قيمة أنماط معيّنة من الصفات أو السلوكيّات أو الملامح الاجتماعيّة؟
عند دراستي للماجستير، وأثناء عملي في التعليم والقيادة التربويّة، قرأت عددًا كبيرًا من الدراسات والمقالات العربيّة والأجنبيّة، وانخرطت في نقاشات متعدّدة، فبدأت ألاحظ وجود فجوة في الأدبيّات الغربيّة عمومًا. فقد درست في جامعة أمريكيّة ثمّ في جامعة بريطانيّة، وكانت مقاربات العدالة في التعليم تتركّز غالبًا على الرعاية الفرديّة: رعاية الاحتياجات الخاصّة، ورعاية الأسر الفقيرة، أو الحديث عن الفوارق المرتبطة بالنوع الاجتماعيّ أو الخلفيّة الاجتماعيّة.
في النهاية، تبلورت لديّ فكرة أساسيّة: أنّ هذا التصوّر يركّز كثيرًا على الفرد والأسرة، خصوصًا في حالات الفقر أو الهشاشة، بينما تغيب عنه العدالة على مستوى الجماعة. وهذا البعد الجماعيّ يكاد يكون غائبًا في الوعي التربويّ الغربيّ الذي يهيمن على تعريفات العدالة.
أمّا في السياق العربيّ، فمع وجود كتابات مهمّة لعدد من المفكّرين العرب حول العدالة، إلّا أنّها غالبًا جاءت تحت عناوين أخرى، مثل التحرّر أو العلاقة مع الاستعمار. ومع ذلك، ظلّ هناك قدر من القصور في تناول حقوق الجماعات. ويعود ذلك جزئيًّا إلى أنّ الحديث عن حقوق الجماعات قد يُفهم أحيانًا على أنّه إشكاليّ أو حتّى انفصاليّ، تحديدًا في ظلّ سرديّات جاهزة تتّهم السياقات العربيّة باضطهاد الأقلّيّات.
وبعيدًا عن هذا الجدل، ولكن من دون فصله تمامًا عنه، بدأت تتشكّل أسئلتي بشكل أوضح من عملي في مدارس قطر، ثمّ في إطار بحث الدكتوراه، حيث تمحور اهتمامي حول علاقة القيادة التعليميّة بالثقافة، أي بالمكوّنات الثقافيّة والاجتماعيّة داخل المدارس الدوليّة المتعدّدة. فالديمقراطيّة الغربيّة، في جوهرها، تقوم على تصوّر فرديّ للعدالة، يركّز على الحقوق الفرديّة بشكل كبير. أمّا حقوق الجماعات، وهويّتها التاريخيّة، وتمسّكها بثقافتها الجماعيّة، فهي إمّا غائبة عن كثير من المنظّرين، أو تُطرح بوصفها إشكاليّة. وحتّى في السياق العربيّ، بدأ بعض الباحثين بالتعامل مع هذه القضايا بالطريقة نفسها.
لكن في تقديري، تبقى هذه الأسئلة جوهريّة وأساسيّة: فعندما نطالب بالحقوق أو العدالة أو الديمقراطيّة، يجب ألّا نكتفي بالسؤال عن نقطة الانطلاق فقط، بل أيضًا عن الاتّجاه الذي نسير فيه. أي إنّ العلاقة بين المنطلقات والسياقات مهمّة، لكنّها يجب ألّا تنفصل عن التفكير في الغايات النهائيّة وتأثيرها في الجماعات، وليس فقط في الأفراد. وهذا ما شكّل أحد المحاور الأساسيّة في صياغة أسئلتي البحثيّة في مجال التعليم والقيادة التربويّة.
عمليًّا، كيف نفهم القيادة التربويّة بوصفها ممارسة اجتماعيّة وثقافيّة؟ وكيف نعدّ المدير/ القائد؟
عندما أتحدّث عن القيادة، لا أتحدّث بالضرورة عن أفراد، وإن كان للأفراد دور أساس في تدوير عجلة الوعي القياديّ العامّ وتحريكها. فالقيادة، في جوهرها، بمثابة المحرّك. وعندما نتحدّث عن القيادة، ننطلق غالبًا من صورة المدير أو المنسّق أو مدير المدرسة، لكن هؤلاء ليسوا إداريّين بحتًا، وليسوا مجرّد أشخاص يديرون المؤسّسة ويحرصون على استقرارها، على الرغم من أنّ ذلك جزء مهمّ وجوهريّ من عملهم. هناك تداخل بين الإداريّ والقياديّ في عمل المسؤولين التربويّين في المدارس والجامعات وسائر المؤسّسات. لكن من المهمّ دائمًا أن تكون لهؤلاء الأفراد والفرق مساحة من الحرّيّة الفكريّة. وهنا تحديدًا يكمن جوهر القيادة. فإذا كان دور المدير/ القائد يقتصر على تنفيذ الأطر القائمة والحرص على تطبيقها، مع ضخامة المسؤوليّة وصعوبتها، فإنّنا نكون قد جرّدناه من جوهر القيادة. أمّا إذا مُنح حقّ إعادة التفكير، وطرح الأسئلة، والتحرّر من القوالب الجاهزة، والاستجابة الحقيقيّة لاحتياجات المؤسّسة والمجتمع، فهنا تبدأ القيادة.
فالقيادة، بالنسبة إليّ، هي هذه المساحة من الحرّيّة الفكريّة، المترافقة مع مسؤوليّة تربويّة واجتماعيّة وتعليميّة عميقة. لكن عندما تغيب الحرّيّة، ماذا يبقى من القيادة التعليميّة؟ وأنا هنا لا أقصد التحرّر من القيود، بل أقصد مساحة التفكير العميق والوعي النقديّ الحقيقيّ. ماذا نفعل كلّ يوم وكلّ أسبوع؟ لماذا نتصرّف بهذه الطريقة؟ كيف نتفاعل مع السياسات والتعاميم؟ لماذا نتحدّث مع معلّمينا بهذا الأسلوب؟ ماذا نعلّم في الصفوف؟ ولماذا نعلّمه؟ وإلى أيّ مدى يستفيد طلّابنا؟ وما الغاية النهائيّة من ما نقوم به؟ هذه الأسئلة تمثّل جوهر القيادة التعليميّة. إلى أين نمضي؟ وما الذي نسعى له؟
في إحدى المقابلات التي أجريتها ضمن بحث أخير في الكويت، قال أحد المديرين عبارة عفويّة لافتة جدًّا: "وين مودّين عيال الناس؟" بالنسبة إليّ، كان هذا السؤال وحده كافيًا. توقّفت عنده وقلت له: وصلتني الفكرة كاملة. فهذا، في جوهره، سؤال الغاية من التعليم. لذلك، وباختصار، أعرّف القيادة بأنّها المحرّك للتفكير داخل المدرسة، لا مجرّد المؤطّر له.
بناءً على هذا التعريف، يبدو وكأنّ الحديث ينطبق أكثر على المدارس غير الربحيّة. لأنّ دخول عامل الربح سيؤثّر حتمًا في مساحة حرّيّة التفكير. فما رأيك؟
حرّيّة التفكير والوعي النقديّ في التعليم مهمّان في جميع المدارس. صحيح أنّ كلّ مدير ملتزم بتحقيق أهداف معيّنة وأجندات ترسمها الجهة الراعية، سواء كانت وزارة التعليم أو إدارة تربويّة أو مؤسّسة خاصّة ربحيّة. وهناك مصالح وشروط واعتبارات ماليّة لا يمكن تجاهلها. لذلك فالعمل الإداريّ والماليّ جزء أساس من عمل القائد التعليميّ، وإذا أغفله فقد يفقد موقعه. لكنّ ذلك وحده لا يكفي.
التحدّي الحقيقيّ هو أن ينجح المدير في تحقيق هذه المتطلّبات كلّها، وفي الوقت نفسه يحتفظ بقدرته على التفكير والنقد وطرح الأسئلة. ولهذا أرى أنّ القيادة التربويّة من أصعب المهن. أن تكون مديرًا وقائدًا في آن، وأن تحافظ على هذا التوازن لسنوات طويلة، فهذه مهمّة جبّارة.
وفي المدارس الربحيّة تحديدًا، توجد أجندة للمؤسّسة الراعية، لكن هناك أيضًا مجتمع آخر يتعامل معه المدير، له احتياجاته وخياراته وإشكاليّاته. وهنا يكمن التحدّي: كيف يقدّم الأفضل للمعلّمين والطلّاب والمجتمع، وفي الوقت نفسه يحافظ على الهدف الحقيقيّ للتعليم، ويبقى مخلصًا لرسالته التربويّة بمعناها العميق لا الشكليّ. كما ينبغي أن يكون قادرًا على تحدّي الأنماط المفروضة عليه. والتحدّي هنا لا يعني كسر الأطر أو رفضها، بل إثارة الحوار حولها باستمرار. وكثير من المديرين الذين استطاعوا البقاء في مواقعهم سنوات طويلة نسبيًّا، نجحوا في تحريك الخطاب المدرسيّ والمؤسّسيّ وتطويره، لكنّ ذلك تطلّب جهدًا يوميًّا متواصلًا من التفكير والحوار والنقاش التربويّ والاجتماعيّ، إضافة إلى النقاش المستمرّ مع الجهات الراعية للمؤسّسة.
وقد عبّرت عن هذه الفكرة في إحدى المقالات القصيرة حين قلت إنّنا، إذا أردنا أن نمنح جميع أفراد المجتمع التعليميّ ما يستحقّونه، فعلينا ألّا نستسلم. هذه طبيعة العلاقة بين التربويّ والسلطة؛ سواء كانت سلطة المؤسّسة، أو سلطة الأهل، أو أصحاب المال، أو سلطة المجتمع نفسه. في كثير من مدارسنا، يعتقد بعض المقتدرين ماليًّا أنّ لهم حقوقًا إضافيّة بحكم قدرتهم المادّيّة، وهذه أيضًا من الإشكاليّات التي يواجهها المدير. ولدينا عدد لا بأس به من مدارس النخب والطبقات الميسورة في العالم العربيّ والعالم عمومًا، والتي تمثّل سياقًا خاصًّا. وهنا، إذا كنّا نطمح إلى تعليم جادّ وحقيقيّ، فمن المهمّ أن نمنح القادة التربويّين مساحات للحوار وطرح الأسئلة والبحث في الإشكاليّات. فمن وجهة نظر العدالة الاجتماعيّة أيضًا، علينا الاهتمام بالطلّاب من كلّ الفئات. فالطالب الذي ينتمي إلى عائلة ثريّة لا يفقد حقّه في التعلّم، أو في أن يُخاطَب تربويًّا بعمق. بل إنّ كثيرًا من خرّيجي المدارس النخبويّة يقودون لاحقًا مؤسّسات ودولًا ويؤثّرون في الاقتصاد والمجتمع، ومن ثمّ فإنّ الاستثمار التربويّ في تعليمهم ووعيهم النقديّ والاجتماعيّ ضرورة أيضًا، من دون أن ننظر إليهم فقط من زاوية الصراع مع السلطة أو الامتياز.
أنا أعارض بشدّة منطلق الليبيراليّة الحديثة الذي يجعل التعليم مجرّد أداة لخدمة الاقتصاد أو إنتاج اليد العاملة، لكنّني، في الوقت نفسه، أرى أنّ إيجاد فرص عمل مستقرّة بعد فترة الدراسة، يجب ألّا يتعارض مع مبدأ تعليم ينتج جيلًا مفكّرًا واعيًا ومحلّلًا يطرح أسئلة نقديّة.
وللعودة إلى السؤال الأساسيّ: نعم، على المدير أن يطبّق الأجندات والمعايير والأطر المطلوبة منه، لكنّه يستطيع في الوقت نفسه أن يأخذ العمل إلى أبعاد أعمق وأكثر إنسانيّة. ولذلك فالاستثمار في إعداد القادة التربويّين مسألة بالغة الأهمّيّة، ولا أعتقد أنّها أخذت حقّها بعد.
من هنا أرى أنّ على الجامعات والحكومات والوزارات المعنيّة أن تستثمر بقوّة في إعداد الكوادر التربويّة، من معلّمين وقادة. كما أنّ عليها أن تتدخّل في المؤسّسات الربحيّة التي تدير المدارس، لأنّ التعليم حقّ عامّ، حتّى وإن كانت المدرسة مملوكة لمؤسّسة خاصّة. فالملكيّة الخاصّة لا تلغي الطبيعة العامّة للتعليم، ولا تلغي أنّ المسؤوليّة التعليميّة مسؤوليّة وطنيّة واجتماعيّة، بل وعابرة للحدود أيضًا في عالم متداخل ومتعدّد. ولذلك لا يجوز أن يُترك التعليم لمنطق الربح وحده، ولا لخدمة الإطار الوظيفيّ الإداري البحت.
ما العوائق التي تقف في وجه قيادة مدرسيّة فرديّة لتحقيق مفاهيم العدالة التربويّة في المؤسّسة، على مستوى الأفراد العاملين، والمجتمع، والسلطة؟
أعتقد أنّ العائق الأوّل يتمثّل في أنّ هذا المجال ما زال يترك اختيار القيادة المدرسيّة إلى حدّ كبير للصدفة. فإذا فكّرنا في مهنة الطبّ مثلًا، نجد أنّ هناك منظومة متكاملة، من الجهات الحكوميّة إلى الجامعات والمؤسّسات المهنيّة، تسبق حصول الطبيب على الترخيص وتحمّله مسؤوليّة حياة الناس. أمّا في التعليم، فما زلنا بعيدين عن هذا المستوى من التنظيم والاعتراف المهنيّ. فالثقة بالحكم الذي يصدره المعلّم أو القائد التعليميّ تجاه موقف تربويّ أو قرار مهنيّ، ما تزال محدودة ومهمّشة إلى حدّ كبير، بينما تُمنح ثقة واسعة للطبيب الجرّاح أثناء اتّخاذه قرارات مصيريّة داخل غرفة العمليّات. لذلك ما زلنا بحاجة إلى كفاح معرفيّ وعمليّ ومهنيّ طويل، لترسيخ مكانة المعرفة التربويّة والخبرة التعليميّة. وأرى أنّ "منهجيّات" تسهم بصورة مهمّة في هذا المسار، عن طريق تعميق الوعي والمعرفة حول معنى التعليم النقديّ، والتعليم الحرّ، والإصلاح التربويّ الحقيقيّ. وهنا لا نتحدّث عن القائد التعليميّ وحده، بل عن المعلّم أيضًا.
وبالعودة إلى السؤال، فإنّ التحدّيات كثيرة. والمفارقة أنّها تبدأ أحيانًا مع ازدياد الوعي نفسه؛ فكلّما ازداد وعي المدير، ازدادت الأعباء التي يراها أمامه، وأصبح أكثر إدراكًا لحجم مسؤوليّته. فهو لا يتحمّل مسؤوليّة عمل المعلّمين وتعلّمهم فحسب، بل مسؤوليّة أمانهم الاقتصاديّ والاجتماعيّ والعاطفيّ أيضًا. وهذا أمر بالغ الصعوبة، ولا يتوافر في معظم المؤسّسات، وإن كانت بعض المؤسّسات تحاول منحه قدرًا من الاهتمام. في الغالب، يواجه المعلّمون ضغوط عمل كبيرة تحدّ من قدرتهم على التفكير والتعلّم المستمرّين. كما أنّ الأوضاع الاقتصاديّة في كثير من السياقات غير مستقرّة، ولا توفّر شعورًا كافيًا بالأمان. وإلى جانب ذلك، فإنّ المعلّمين بشر يحمل كلّ منهم قصّته وظروفه الخاصّة، ولكلّ منهم خلفيّة ثقافيّة واجتماعيّة وإنسانيّة فريدة.
وهنا تقع على عاتق المدير مسؤوليّة رعاية كلّ هذا التنوّع، والحرص على أن يتمكّن الجميع من أداء رسالتهم التعليميّة بما يحقّق الأهداف التربويّة المنشودة، وبأكبر قدر ممكن من المسؤوليّة والرعاية الأخلاقيّة، على المستويين الفرديّ والجماعيّ. فمسؤوليّة القائد تجاه المعلّمين كبيرة جدًّا، لكنّ مسؤوليّته تجاه الطلّاب تبقى الأهمّ. فعن طريق دعمه للمعلّمين، ومتابعته لعمليّات التعليم والتعلّم داخل الصفوف الدراسيّة، وإشرافه على المناهج والتقييم والعلاقات الإنسانيّة داخل المدرسة، يصبح مسؤولًا عن منظومة كاملة من التفاعلات والعلاقات.
إنّها مسؤوليّة أخلاقيّة وبيداغوجيّة وعلاقاتيّة في آن. ومن هنا لا يجوز أن يغيب عن ذهن القائد التعليميّ السؤال الدائم: كيف نعلّم؟ ولماذا نعلّم بهذه الطريقة؟ وما البدائل الأفضل؟ وكيف نمنح المعلّم هامشًا من المرونة داخل الصفّ؟
أمّا الجانب الآخر من التحدّي، فهو العلاقة مع الأهالي. فالأهل يشكّلون عالمًا كاملًا في حياة المدير التعليميّ، مع أنّ هذه المسألة لا تحظى دائمًا بالاهتمام الكافي عندما نتحدّث عن إعداد القادة التربويّين أو المعلّمين. والحقيقة أنّ التعامل مع الأهالي جزء يوميّ وأساسيّ من عمل المدير. من المهمّ أن يسير المدير في اتّجاه أهداف المجتمع وتطلّعاته، لكن من دون أن يتحوّل إلى منفّذ للرغبات الآنيّة أو الفرديّة. فكثير من الطلبات التي يتلقّاها تنطلق من احتياجات خاصّة لأسرة أو لطفل بعينه، وقد تكون أحيانًا مرتبطة بحساسيّات اجتماعيّة أو ثقافيّة. وفي أحيان أخرى تصبح مطالب بسيطة، مثل عدم نشر صورة لطفل على وسائل التواصل الاجتماعيّ، مصدرًا لضغط يوميّ على الإدارة المدرسيّة.
لكنّ المدير ليس موجودًا لتقديم الخدمات فحسب، بل لتلبية الاحتياجات الأعمق للمجتمع وللمؤسّسة التعليميّة. وهنا يبرز سؤال جوهريّ: كيف يمكن للقائد التعليميّ أن يعرف بدقّة ما احتياجات المجتمع؟ وكيف يميّز بين ما تنبغي الاستجابة إليه، وما تنبغي مناقشته أو إعادة توجيهه؟
من هُنا، أرى أنّ انخراط القائد التعليميّ في مجتمعات تعلّم مهنيّة أمر بالغ الأهمّيّة، حتّى لا يبقى وحيدًا أو محصورًا في دائرة ضيّقة من المساعدين والمنسّقين الذين يشاركونه الهموم نفسها. من الضروريّ أن يجد مساحة للتفكير والحوار مع آخرين يواجهون التحدّيات ذاتها. ومن المقلق أنّ كثيرًا من الدول العربيّة تفتقر إلى نقابات أو هيئات مهنيّة فاعلة تجمع مديري المدارس أو رؤساء الجامعات. وفي أفضل الأحوال نجد مجموعات غير رسميّة على تطبيقات التواصل، يتبادل فيها المديرون الأسئلة والنصائح، أو يستشيرون زملاء متقاعدين أو عاملين في مدارس أخرى.
وقد ظهر هذا الأمر بوضوح في كثير من الدراسات التي أجريتها في عدّة دول عربيّة. كان السؤال المتكرّر دائمًا: ماذا أفعل في هذه الحالة؟ وصلنا تعميم لا ينسجم مع واقع المدرسة، فكيف نتعامل معه؟ المدير لا يستطيع رفض التعميم، لأنّه ملزم بتنفيذه، لكنّه في الوقت نفسه يدرك أنّه لا يناسب بيئة المدرسة أو إمكاناتها أو مصلحتها. هذه فجوة كبيرة ينبغي أن نتحدّث عنها، وأن نمنحها شرعيّة أكبر في النقاش العامّ. فنحن بحاجة إلى جماعات مهنيّة ومجتمعات تعلّم، ونقاش تربويّ مستمرّ حول دور القائد التعليميّ، وحول الغايات التي ينبغي أن يسعى لها، والأولويّات التي تحكم عمله.
وأعتقد أنّ هذا النقاش ما يزال محدودًا في عالمنا العربيّ، وربّما حان الوقت ليصبح أكثر حضورًا وعمقًا.
ماذا يحدث عندما تصبح تصوّرات المجتمع نفسه عائقًا أمام التغيير التربويّ؟ فحين نتحدّث عن تحقيق أهداف المجتمع، كيف يمكن للقائد التعليميّ أن يتعامل مع مجتمع يعيش حالة من الخوف أو الانغلاق أو التمسّك بممارسات موروثة؟ وكيف يوازن بين الاستجابة لتوقّعات الأهالي وقيادة التغيير التربويّ، عندما يكون مقتنعًا بأنّ بعض هذه التوقّعات لم تعد تخدم التعلّم؟
أعتقد أنّ كلمة "تحقيق" ليست الأدقّ هنا. ما أقصده الإسهام في تصويب النقاش العامّ وفتح مساحات لنقاشات جديدة. فهذا جزء من دورنا جميعًا في التربية. نحن نعرف أنّ التعليم ليس من المجالات التي يظهر فيها الأثر سريعًا، كما قد يحدث في قطاعات أخرى. قد نلمس نتائج سريعة في بعض المهامّ الجزئيّة والبسيطة، لكنّ التغيير العميق يحتاج إلى وقت طويل.
ما نستطيع فعله أن نخلق نقاشات جديدة، وأن نعيد توجيه النقاشات القائمة من دون إقصاء الأهالي أو تجاهل مخاوفهم وتطلّعاتهم، وأن نجتهد في بناء فهم أوسع لما يحتاج إليه التعليم والمجتمع. وبالطبع، ليس لدى جميع المديرين الوقت أو الموارد التي تتيح لهم تنظيم حلقات حوار مع الأهالي، أو العمل المنهجيّ على هذا الجانب، لكن من المهمّ، قدر الإمكان، أن يبقى حاضرًا في أدوارهم.
ومن هنا تأتي أهمّيّة إعداد المديرين، وإتاحة مساحات لهم للتعلّم والتفكير النقديّ. فحتّى ضمن نظريّات المدرسة المجتمعيّة، ليس المجتمع دائمًا واضحًا أو متجانسًا في مطالبه، وليس بالضرورة أن تكون جميع المطالب المطروحة الأكثر خدمة للمصلحة العامّة. وهنا يبرز سؤال أساسيّ: أيّ مجتمع نقصد؟ ففي كلّ مجتمع هناك فئات أكثر قدرة على التأثير وفرض وجهات نظرها، وفئات أخرى أقلّ حضورًا لكنّها تحمل احتياجات ومصالح مختلفة. ولذلك لا يمكن التعامل مع المجتمع بوصفه كتلة واحدة متجانسة. وعندما نتحدّث عن خدمة المجتمع، علينا أن نسأل دائمًا: أيّ أصوات تُسمع؟ وأيّ احتياجات تُمنح الأولويّة؟
لهذا السبب أرى أنّ ربط القيادة التعليميّة بمفهوم العدالة الاجتماعيّة والعدالة في التعليم وبواسطته أمر بالغ الأهمّيّة، لا بالمعنى التقنيّ أو الأكاديميّ المجرّد، بل بمعناه العميق والعمليّ. فاحتياجات المجتمع في منطقة معيّنة قد تختلف عن احتياجاته في منطقة أخرى، كما تختلف احتياجات الأسر في ما بينها. لكن عندما يكون المدير جزءًا من جماعة مهنيّة، ومنخرطًا في نقاش مستمرّ، ومتمتّعًا بمساحة للتفكير والتعلّم، يصبح أكثر قدرة على فهم هذه التعقيدات والتعامل معها.
عندها لا يعود المدير فردًا يعمل بمفرده، بل تتحوّل القيادة إلى حالة جماعيّة. وهذه الفكرة التي أنطلق منها دائمًا: القيادة ينبغي أن تكون حالة داخل المدرسة أو الجامعة أو أيّ مؤسّسة تربويّة، لا أن تُختزل في شخص واحد. بل إنّ هذا الأمر يمتدّ أيضًا إلى ما هو خارج التعليم النظاميّ.
فالمدير لا ينبغي أن يبقى وحيدًا في مواجهة ضغوط الأهالي أو المجتمع أو الجهات الإداريّة أو المؤسّسات المالكة، بما تفرضه أحيانًا من معايير أو قيود أو أهداف ربحيّة. وعندما يمتلك هذه المساحات الجماعيّة للتفكير والحوار، أو حين يناضل من أجل إيجادها، يصبح أكثر قدرة على ممارسة دوره القياديّ الحقيقيّ. وأنا لا أقول إنّ ذلك أمر سهل؛ بل على العكس، أراه من أصعب المهامّ التي يواجهها القادة التربويّون اليوم. فالحصول على مساحة للتفكير المشترك، أو تخصيص وقت للتفكير والحوار مع آخرين، أصبح بحدّ ذاته معركة مهنيّة يخوضها كثير من المديرين. وما تزال المؤسّسات التي توفّر مثل هذه المساحات قليلة نسبيًّا.
في سياق حديثك عن المدرسة والمجتمع، يظهر أحيانًا تحدٍّ يتمثّل في وجود بعض الأهالي أو حتّى الطلبة الذين لا تنسجم توقّعاتهم أو أهدافهم مع رؤية المدرسة ورسالتها التربويّة، بل قد تتعارض معها أحيانًا. من واقع خبرتك، كيف يمكن للمدير القائد أن يتعامل مع هذه الحالات؟ وهل تتمثّل مهمّته في إقناع هؤلاء برؤية المدرسة، أم في احتواء هذا التنوّع وإدارته بطريقة تحافظ على أهداف المؤسّسة وتوازنها؟
من المهمّ جدًّا أن ننتبه إلى أنّ اعتراض المدير أو الطاقم القياديّ على بعض مطالب الأسر، أو اعتبارها غير منسجمة مع رؤية المدرسة أو رسالتها، لا ينبغي أن يقود إلى إقصاء هذه الأسر أو استبعادها. فهي، في النهاية، شريك أساسيّ في العمليّة التربويّة، ولها الحقّ في أن تكون جزءًا من الحوار.
لذلك تبقى الحاجة قائمة إلى فتح مساحات للنقاش مع الأهالي، والعمل على تصويب النقاش العامّ ونقله إلى مستوى أعمق وأكثر وعيًا. فمثل هذه الحوارات قد تسهم في إعادة تشكيل بعض التصوّرات لدى الأسر، أو في توضيح الغايات التي تعمل المدرسة من أجلها، والآليّات التي تعتمدها، والقيم التي تستند إليها. وعندما تصبح هذه الأمور واضحة، يصبح النقاش أكثر عمقًا وشفافيّة.
في بعض الحالات، قد يكتشف الأهل أنّ المدرسة لا تعبّر عن توقّعاتهم أو قناعاتهم، فيختارون الانتقال إلى بيئة أخرى يشعرون بأنّها أكثر انسجامًا معهم. وفي حالات أخرى، قد يقرّرون البقاء لما يرونه من إيجابيّات في المدرسة، مع استمرار اعتراضهم على بعض الجوانب أو السياسات. وهنا تحديدًا تظهر إحدى أكثر مهامّ القائد التربويّ تعقيدًا وصعوبة.
لذلك من الضروريّ أن يمتلك القائد قدرًا عاليًا من الوعي والمسؤوليّة، وألّا يبقى وحيدًا في مواجهة هذه التحدّيات، بل أن يكون جزءًا من جماعة مهنيّة تفكّر وتتعلّم وتناقش معًا، بما يمكّنه من التعامل مع هذا النوع من الإشكاليّات بحكمة واتّزان.
عنوان ملفّ عددنا هذا "التعليم الشعبيّ"، ما أبرز عناصره؟ وبرأيك هل التعليم الشعبيّ ضرورة في سياقنا العربيّ؟
هذا عدد أترقّبه كثيرًا، لأنّ مفهوم التعليم الشعبيّ من المفاهيم التي تبدو أحيانًا هجينة أو عصيّة على التعريف في بعض السياقات، مع أنّها حاضرة في ثقافات جميع الشعوب تقريبًا. فهو، إلى حدّ كبير، يتجاوز الأطر الأكاديميّة والمهنيّة التقليديّة، لأنّه ينبع من الناس أنفسهم ومن حاجاتهم وتجاربهم. صحيح أنّ هناك عددًا محدودًا من المنظّرين الذين اشتغلوا على المفهوم، ولا سيّما في أدبيّات أمريكا اللاتينيّة، لكنّ التعليم الشعبيّ بوصفه ممارسة أوسع بكثير من تلك التنظيرات، وهو موجود بأشكال متعدّدة يفرضها كلّ سياق اجتماعيّ وتاريخيّ.
أتذكّر مثلًا في قريتي أنّنا كنّا نشارك في ما يمكن أن أسمّيه اليوم حلقات تعلّم، مع أنّنا لم نكن نستخدم هذا المصطلح آنذاك. كنّا نجتمع في النادي لنشاهد فيلمًا، أو نستمع إلى شاعر، أو نقرأ قصيدة لإبراهيم طوقان أو عمر الفرّا أو الشاعر القروي ونتحاور حولها، أو نناقش أجزاء من روايات غسّان كنفاني. كانت هذه الأنشطة تحدث بصورة عفويّة، لكنّ أثرها كان عميقًا في تشكيل وعينا.
في لبنان، على سبيل المثال، لم نتعلّم في مدارسنا الرسميّة عن أدهم خنجر، أو ملحم قاسم، أو كثير من محطّات الثورة العربيّة الكبرى. تعلّمنا ما قرّره المنهج الرسميّ فحسب. لكنّ معرفتي بهذه الشخصيّات والأحداث جاءت من البيوت، ومن المجتمع المحلّيّ، ومن الحسينيّة التي كانت تحتضن نقاشات متنوّعة، ومن النوادي واللقاءات الأهليّة. لذلك أرى أنّ التعليم الشعبيّ موجود دائمًا خارج الأطر الرسميّة، ويتشكّل بحسب ما يتيحه السياق وما يحتاج إليه الناس.
في فلسطين أيضًا نجد تجارب غنيّة جدًّا كُتب عنها كثيرًا، وبعضها نوقش في "منهجيّات". ويمكن أن نذكر هنا تجربة المعلّم منير فاشه الذي يُعدّ من أبرز روّاد التعليم الأهليّ والمجتمعيّ، وقد أسهم في تطوير لغة محلّيّة ومفاهيم نابعة من الواقع الفلسطينيّ نفسه.
من هنا، أرى أنّ التعليم الشعبيّ ينشأ من الحاجة، ومن الإمكانات المتاحة داخل المجتمع. فقد يتشكّل في قرية تضمّ معلّمين أو محبّين للأدب والشعر، وقد يتشكّل في مدينة تحتضن جامعات أو مراكز ثقافيّة. أتذكّر مثلًا أنّ بيروت، خلال سنوات الحرب والاجتياح الإسرائيليّ في الثمانينيّات، شهدت حلقات واسعة للنقاش والحوار شارك فيها أشخاص من أعمار وخلفيّات مختلفة. وكثير من الذين تعرّفت إليهم لاحقًا كانوا يعتبرون أنّ تعلّمهم الحقيقيّ جاء من تلك الجماعات والنقاشات، أكثر من ما جاء من المؤسّسات الرسميّة.
لذلك، يمكننا أن نضع تعريفات مختلفة للتعليم الشعبيّ، لكنّ التعريف الأقرب إليّ أنّه تعليم ينشأ من حاجات الناس في سياق معيّن، ويتشكّل استجابة لظروفهم وأسئلتهم. وهو بطبيعته متحوّل ومتجدّد، لأنّ الحاجات نفسها تتغيّر.
وأعتقد أنّ الحاجة إليه اليوم كبيرة جدًّا، ليس في العالم العربيّ فقط، بل عالميًّا أيضًا. فالأطر الرسميّة والناظمة للتعليم لم تعد كافية للإجابة عن كثير من الأسئلة الملحّة. بل إنّ بعض هذه المؤسّسات فقدت جزءًا كبيرًا من مصداقيّتها الأخلاقيّة. فعندما ننظر إلى ما يجري في غزّة أو في جنوب لبنان، ونرى حجم الغياب أو الصمت لدى كثير من المؤسّسات التي تتحدّث باسم التعليم التحرّريّ أو النقديّ، يبرز سؤال أخلاقيّ لا يمكن تجاهله. لقد اقتصر خطاب كثير منها على الدعوة إلى حماية الأطفال أو المدارس، من دون الانخراط الجادّ في مساءلة جذور المأساة، أو ما تفرضه من أسئلة تربويّة وإنسانيّة كبرى.
برأيي، يمثّل ذلك أزمة أخلاقيّة حقيقيّة في جزء كبير من المنظومة التعليميّة العالميّة، مع احترامي لاختلاف السياقات. وينطبق الأمر أيضًا على واقعنا العربيّ. فأين التعليم العربيّ اليوم من الإبادة؟ وأين هو من ضياع الأرض والتاريخ والهويّة والأجيال؟ أين النقاشات التربويّة حول هذه القضايا الكبرى؟
صحيح أنّ هناك مبادرات مهمّة وجهودًا قيّمة، ومنها ما تقوم به "منهجيّات" للحفاظ على الذاكرة والهويّة ومساحات الحرّيّة الفكريّة العربيّة، لكنّ الحاجة ما تزال أكبر بكثير من ما هو قائم. ولذلك أعتقد أنّنا بحاجة إلى مزيد من النقاش الشعبيّ، وإلى مزيد من التعلّم والتعليم والتفكير الشعبيّ.
ولعلّ من أهمّ ما يميّز التعليم الشعبيّ أنّه عابر للأطر والطبقات والمواقع. فهو يجمع أشخاصًا من أعمار وخبرات وخلفيّات مختلفة، ويدفعهم إلى الاشتباك مع الواقع وإنتاج معرفة تستجيب للأسئلة الملحّة التي يواجهونها، حتّى لو لم تكن قادرة على الإجابة عن كلّ شيء.
هل يمكن للتعليم الشعبيّ أن يتشكّل ويزدهر في ظلّ وجود دولة أو سلطة ومؤسّسات تعليميّة رسميّة، مثل وزارة التربية والمناهج والمدارس؟ أم أنّه يرتبط أساسًا بلحظات الغياب أو العجز أو الفراغ المؤسّسيّ؟
طبعًا يمكنه ذلك. فالتعليم الشعبيّ ليس بالضرورة نقيضًا للتعليم الرسميّ، بل هو في كثير من الأحيان حالة حوار ونقاش ومبادرة مجتمعيّة. وربّما يمكن وصفه أيضًا بالتعليم الأهليّ. في لبنان مثلًا لم نكن نستخدم دائمًا مصطلح "التعليم الشعبيّ"، بل كنّا نتحدّث عن حلقات نقاش، أو "جمعات" تعلّم، أو لقاءات مجتمعيّة بأسماء مختلفة.
وفي كثير من الأحيان يكون التعليم الشعبيّ مكمّلًا للتعليم الرسميّ، لأنّه يملأ مساحات لا تستطيع المؤسّسة التعليميّة تغطيتها. صحيح أنّ الحالة الفلسطينيّة في الانتفاضة الأولى كانت حالة استثنائيّة ومواجهة مباشرة، حيث تحوّل التعليم الشعبيّ إلى فعل مقاومة في وجه سلطة احتلال أغلقت المدارس ومنعت التعليم، فاضطرّ الناس إلى التعلّم في البيوت، وتبادل الخبرات، وطباعة الموادّ التعليميّة، وتعليم بعضهم بعضًا. وكانت بالفعل تجربة غنيّة جدًّا، وما تزال مدرسة نتعلّم منها. لكنّ التعليم الشعبيّ لا يقتصر على حالات الإغلاق. ففي لبنان أيضًا عرفنا أشكالًا كثيرة منه، ومنها حلقات السرد الشفهيّ والتاريخ الشعبيّ التي حفظت روايات وتجارب لم تجد مكانًا لها في الكتب المدرسيّة الرسميّة. وعلى امتداد الوطن العربيّ، من المغرب إلى المشرق، توجدمجتمعات محلّيّة لا تعبّر المناهج الرسميّة بالضرورة عن قصصها أو لغاتها أو ذاكرتها أو احتياجاتها، فتنتج أشكالها الخاصّة من التعلّم والتناقل المعرفيّ.
لكن لماذا نحتاج إليه أصلًا؟ إذا عدنا إلى الأمثلة التي ذكرتها، نجد أنّ التعليم الشعبيّ برز في لحظات تعطّلت فيها المؤسّسات التعليميّة أو مُنع الناس من الوصول إليها. في فلسطين نشأ في سياق إغلاق المدارس، وفي لبنان ظهرت تجارب مشابهة خلال الحروب والأزمات. لذلك يبدو أنّه كان دائمًا استجابة لغياب التعليم المؤسّسيّ أو تعذّر الوصول إليه. أمّا إذا كانت المدارس والجامعات والمؤسّسات التعليميّة موجودة وتعمل، فهل يبقى التعليم الشعبيّ ضرورة؟ أم أنّ ما نحتاج إليه في هذه الحالة مساحات مكمّلة للتعليم الرسميّ؛ مساحات للتفكير النقديّ والتعليم التحرّريّ والحرّيّة الفكريّة، وهي أمور قد لا توفّرها المدرسة بالقدر الكافي، لكنّها لا تعني بالضرورة أنّنا أمام تعليم شعبيّ بالمعنى الذي نتحدّث عنه؟
أعتقد أنّ المبادرات الشعبيّة والأهليّة لا ينبغي اختزالها في كونها مجرّد استجابة لغياب المدرسة. صحيح أنّها كثيرًا ما تنشأ في لحظات الأزمة، لكنّها تنشأ أيضًا عندما تعجز المؤسّسات الرسميّة عن تلبية بعض الحاجات المعرفيّة والثقافيّة والوجدانيّة للمجتمع.
في لبنان، على سبيل المثال، وأثناء العام الماضي عندما أُغلقت المدارس في المناطق التي تعرّضت إلى الاعتداءات الإسرائيليّة، بادر معلّمون في القرى الجنوبيّة إلى تدريس الطلبة، حضوريًّا في البيوت وعبر الإنترنت، لمساعدتهم في الاستعداد للامتحانات الرسميّة. وكانت هذه مبادرات أهليّة خالصة في معظمها، قامت على جهد المعلّمين وتطوّعهم وإحساسهم بالمسؤوليّة.
لكنّ التعليم الشعبيّ ينشأ أيضًا لأنّ التعليم الرسميّ لا يقدّم ما يكفي. وربّما كان من أهمّ أسباب نشوء التعليم الشعبيّ تاريخيًّا في العالم العربيّ، غياب قصص الناس ولغاتهم وسرديّاتهم عن التعليم الرسميّ.
أحد الأمثلة التي تستحضرها ذاكرتي، التجربة الأمازيغيّة في الجزائر. قبل الاعتراف بالأمازيغيّة لغة رسميّة (وهي متعدّدة الفروع واللهجات)، كانت اللغات والثقافات الأمازيغيّة مهمّشة إلى حدّ كبير داخل النظام التعليميّ. ومع ذلك، حافظت المجتمعات الأمازيغيّة على لغتها وأدبها وشعرها وفنونها، عن طريق حلقات ومبادرات شعبيّة ومجتمعيّة متواصلة. كان ذلك شكلًا حقيقيًّا من أشكال التعليم الشعبيّ، أسهم في حفظ اللغة والثقافة إلى أن أصبحتا أكثر حضورًا واعترافًا في المجال العامّ.
لذلك أرى أنّ التعليم الشعبيّ ينشأ إمّا عند غياب التعليم الرسميّ، أو عندما تغيب عن التعليم الرسميّ قصص الناس وسرديّاتهم وهويّاتهم ولغاتهم وأسئلتهم الأساسيّة. إنّه ينشأ من الحاجة، لا من الفراغ المؤسّسيّ فقط.
في خضمّ هذا النقاش كلّه، نستخدم باستمرار مفاهيم مثل الحرّيّة الفكريّة، والتفكير النقديّ، والتعليم التحرّريّ، والتعليم الشعبيّ، والعدالة الاجتماعيّة في التعليم. لكنّ كثيرًا من هذه المفاهيم يُقدَّم إلينا عادةً بواسطة مرجعيّات غربيّة. فهل استطاع العرب تأصيل هذه المفاهيم فكريًّا وتربويًّا من داخل تجاربهم وسياقاتهم الخاصّة؟
بالتأكيد. هذه المفاهيم ليست غريبة عن تراثنا الفكريّ والتربويّ. فخليل السكاكيني، على سبيل المثال، كان ينظر إلى المعلّم بوصفه إنسانًا قبل أيّ شيء آخر، ويرى في التعليم فعلًا لإحياء الإنسانيّة ورعايتها. وهو من الشخصيّات التي تأثّرتُ بها كثيرًا. كذلك قدّم مهدي عامل قراءات نقديّة مهمّة للسياسات التعليميّة، وانطلق من الواقع اللبنانيّ في نقد النظام التعليميّ الرسميّ، وتحليل علاقته بالبنية الاجتماعيّة والهيمنة الاستعماريّة والاقتصاديّة.
لذلك أقول إنّ المفاهيم موجودة، والأدبيّات موجودة أيضًا، وإن كانت في كثير من الأحيان أقلّ حضورًا أو تداولًا من ما تستحقّ. أتذكّر أنّني قرأت في بداياتي كثيرًا من أعمال التربويّين المصريّين، خصوصًا في الفترة التي كانت فيها المطبوعات المصريّة منتشرة على نطاق واسع في العالم العربيّ. وطوال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، اطّلعت بصورة أعمق على الأدبيّات التي كتبها تربويّون ومفكّرون فلسطينيّون، سواء في فلسطين أو في الشتات. إذًا، الخطاب موجود، لكنّ المشكلة تكمن أحيانًا في محدوديّة حضورها داخل الفضاء الثقافيّ والتعليميّ السائد. فالنظام التعليميّ العربيّ تأثّر، بدرجات متفاوتة، بأدبيّات ومقاربات وافدة من الخارج؛ ففي بلدان المغرب العربيّ مثلًا، يظهر التأثير الفرنسيّ بوضوح، بينما تميل مناطق أخرى إلى التأثّر أكثر بالأدبيّات الإنجليزيّة أو الأمريكيّة. لكنّ هذا لا يعني أنّنا نفتقر إلى مفاهيمنا أو مرجعيّاتنا الخاصّة.
وأعتقد أنّ جزءًا من ما تقوم به "منهجيّات"، وما نطمح جميعًا إلى القيام به، هو إعادة إحياء هذه المفاهيم وإبرازها وتسليط الضوء عليها. وهذا لا يعني رفض الأفكار التي نشأت في ثقافات أخرى، كما لا يعني اعتبارها بالضرورة غريبة أو هجينة. فالأفكار تتنقّل بين المجتمعات، لكنّها تكتسب معاني مختلفة حين تدخل سياقات جديدة.
فعندما نتحدّث عن التعليم النقديّ مثلًا، صحيح أنّ باولو فريري يُعدّ من أبرز روّاده ومنظّريه، لكنّ التفكير النقديّ لم يكن حكرًا على تجربته، بل نوقش ومورس في سياقات متعدّدة، واتّخذ أشكالًا متنوّعة ارتبطت باحتياجات المجتمعات وظروفها المختلفة. لذلك لا أرى أنّ السؤال الأهمّ هو: من أين جاءت الفكرة؟ بل كيف أُعيد التفكير فيها داخل سياقنا؟ وكيف تصبح أكثر ارتباطًا بأسئلتنا وتجاربنا؟
في عالم اليوم، ومع هذا التداخل الهائل ثقافيًّا وتقنيًّا، يصعب الفصل الحادّ بين الأفكار وتصنيفها وفق أصولها الجغرافيّة أو الثقافيّة. فحين تصبح الفكرة جزءًا من وعينا، لا تعود مسألة منشئها الأهمّ، بل يصبح الأهمّ كيف نفهمها، وكيف نعيد تأويلها، وكيف نطوّرها انطلاقًا من تجربتنا الخاصّة.
وهنا أجد أنّ أعمال المفكّر الفلسطينيّ إدوارد سعيد مهمّة للغاية، لأنّه ساعد القرّاء المهتمّين في التفكير في المفهوم الواحد من أكثر من زاوية، وعلى أكثر من مستوى. فالمفاهيم الكبرى، مثل الثقافة والأدب والفنّ والتنوير والنهضة، ليست مفاهيم ثابتة أو محايدة، بل مفاهيم تشكّلت تاريخيًّا داخل سياقات محدّدة.
ولا شكّ في أنّ البنية الأوروبّيّة المركزيّة، وما ارتبط بها من نظام استعماريّ عالميّ، أسهمت في نشر كثير من هذه المفاهيم ومنحها حضورًا وهيمنة عالميّين، بحكم امتلاكها أدوات القوّة والإعلام والطباعة والجامعات وإنتاج المعرفة. كما إنّ الجامعات والمؤسّسات المعرفيّة الغربيّة ما تزال تمتلك تأثيرًا واسعًا في كثير من بلدان الجنوب العالميّ، والجنوب هنا ليس توصيفًا جغرافيًّا فقط، بل مفهوم سياسيّ وتاريخيّ أيضًا. وعلى الرغم من أنّ مؤسّسات عربيّة مختلفة ازدهرت في العقود الأخيرة بسبب امتلاكها أدوات الإنتاج المادّيّ، إلّا أنّ قدرتها على إنتاج المشروعيّة الثقافيّة والفكريّة على نطاق واسع، لم تحدث حتّى الآن لأسباب لا يتّسع سياق المحاورة لها.
ما أجد نفسي متأثّرة به في تجربة إدوارد سعيد، طريقته في النظر إلى المفاهيم من مواقع متعدّدة في آن. فقد كان يقرؤها من موقعه الأكاديميّ في الولايات المتّحدة، ويقرؤها في الوقت نفسه بوصفه فلسطينيًّا، ومن داخل تجربته الشخصيّة وعلاقته بلبنان والمنفى والشتات. كان دائمًا ينظر إلى الفكرة من أكثر من موضع، ويُخضعها إلى التفكيك وإعادة التركيب. وأعتقد أنّ هذا النوع من التفكير ما يساعدنا في تأصيل المفاهيم بصورة أعمق. فالمفهوم أو المصطلح في النهاية ليس أكثر من اتّفاق بشريّ على تسمية شيء ما أو تفسيره في سياق معيّن. وقد يكتسب المصطلح نفسه دلالات مختلفة حين ينتقل من سياق إلى آخر.
فعندما كنت أقرأ أو أكتب عن التعليم التحرّريّ مثلًا، كان يتبادر إلى ذهني مباشرة التحرّر من الاستعمار، لأنّها التجربة التي نشأت في ظلّها. أنا لبنانيّة وعشت معظم حياتي في العالم العربيّ، ولذلك كان هذا البعد حاضرًا بقوّة في فهمي للمفهوم. لكن مع انخراطي لاحقًا في الأكاديميا الغربيّة، بدأت أرى أبعادًا أخرى لهذا المفهوم، وأدرك أنّ موقعنا في العالم أكثر تعقيدًا من ما نتصوّر أحيانًا. فحتّى حين ينتقل الإنسان إلى سياقات جديدة وينخرط فيها لغويًّا ومهنيًّا وبحثيًّا، لا يصبح بالضرورة جزءًا منها بصورة كاملة. فالمهاجر أو المغترب يحمل معه دائمًا طبقات من التجربة والمعنى والرؤية إلى العالم، تؤثّر في الطريقة التي يتفاعل بها مع الأفكار والمفاهيم. ولهذا أرى أنّ المفاهيم لا تتشكّل فقط بحسب الموقع الجغرافيّ، بل بحسب التموضع الفكريّ والتجربة التاريخيّة والإنسانيّة أيضًا.
كيف تنظرين إلى واقع التعليم في مناطق الحروب والأزمات المتعدّدة في منطقتنا؟ وما السبيل الأنجح لمواجهة هذا الواقع؟
لا أحبّذ الحديث عن "الأنجح" أو "النجاح" في مثل هذه السياقات، لأنّ التجربة علّمتني أن أفكّر في التعليم خارج القوالب الجاهزة والمعايير الصلبة. فالمعايير قد تكون أحيانًا ضروريّة، لكنّها قد تتحوّل في أحيان أخرى إلى رفاهيّة لا يتيحها الواقع، أو حتّى إلى أداة تقييد وقمع عندما تُفرض بمعزل عن الظروف التي يعيشها الناس. في سياقات الحروب المتكرّرة وما تخلّفه من تفكّك اقتصاديّ واجتماعيّ ونفسيّ، يصبح واجبنا الأساسيّ أن نحافظ على التعليم ونواصله، لكن ليس بالضرورة ضمن الأطر التقليديّة أو المعياريّة المعتادة. فاستمرار التعليم في حدّ ذاته مسؤوليّة أخلاقيّة وتربويّة.
وأنا هنا لا أتحدّث فقط عن التعليم بوصفه أداة للتحرّر أو للتمكين الاقتصاديّ، مع أهمّيّة ذلك كلّه، بل أتحدّث أيضًا عن التعليم بوصفه تعليمًا في جوهره: القراءة والكتابة، والتفكير المنطقيّ، والتحليل اللغويّ والعلميّ، والقدرة على الفهم والتخيّل. فهذه كلّها أمور أساسيّة يجب الحفاظ عليها. لماذا؟ لأنّ الإنسان يحتاج دائمًا إلى أفق وإلى تصوّر للمستقبل، يحتاج إلى أن يشعر بأنّه سيكمل تعليمه يومًا ما، وأنّ هناك إمكانيّة لحياة تتجاوز اللحظة الراهنة. هذا الإحساس لا يحافظ فقط على التعلّم، بل يحافظ على التماسك النفسيّ والفكريّ للإنسان، ويمنحه القدرة على الاستمرار.
من هذا المنطلق، أرى أنّ التعليم في أزمنة الحروب استثمار في أرواح الطلبة وعقولهم، بقدر ما هو استثمار في معارفهم. ففي ظلّ الحروب المستمرّة والقتل المتواصل وشعور الفقد وخسارة الأرواح، يصبح تركيزنا منصبًّا، بصورة طبيعيّة، على حماية الأجساد وإنقاذ الأرواح. لكنّ التعليم يشكّل نوعًا من التمرّد على اختزال الإنسان في جسده المستهدف فقط.
لذلك أفكّر دائمًا في التعليم بوصفه فعلًا يحافظ على إنسانيّة الطلبة، ويذكّرهم بأنّهم ليسوا مجرّد ضحايا أو أهداف للحرب، بل أصحاب عقول وأفكار وأرواح وأحلام. وأنّ خيالهم وفنّهم ورسمهم ومواهبهم ومهاراتهم، كلّها مهمّة ولها مكان في هذا العالم، مهما اشتدّ الدمار ومهما تفكّكت الأسر والأماكن والعلاقات الاجتماعيّة من حولهم. ولهذا أرى أنّ من أهمّ مبادئ استمرار التعليم في زمن الحرب أن نحافظ على إنسانيّتنا، وأن نساعد الطلبة في الحفاظ على شعورهم بإنسانيّتهم. فالتعليم هنا يصبح فعل مقاومة للانهيار النفسيّ والاجتماعيّ، بقدر ما هو فعل تعلّم.
ومن هنا أيضًا تأتي الحاجة إلى التحرّر من كثير من القيود والمعايير التي تحكم ما يُعرف بالتعليم النظاميّ السائد في معظم أنحاء العالم. فالسؤال الأهمّ ليس دائمًا: هل أجرينا الامتحانات الرسميّة، وهل حصل الطلبة على الشهادات أم لا؟ بل: هل حافظنا على معنى التعلّم وعلى قدرة الطلبة على الاستمرار؟
في غزّة تحديدًا، كان الطلبة أنفسهم يطالبون بإجراء الامتحانات الرسميّة. لأنّ ذلك كان بالنسبة إليهم شكلًا من أشكال الصمود والتأكيد على الوجود. كان بمثابة إعلان تحدّ يقول: نحن هنا، وما زلنا نريد أن نتعلّم ونكمل حياتنا.
وأيضًا لأنّ الأمل بحدّ ذاته يصبح مهمًّا. فكم طالبًا في غزّة سيتمكّن فعلًا من السفر أو متابعة الدراسة؟ لا أحد يعرف. لكن مجرّد فكرة أنّه يدرس ويستعدّ ويواصل تعليمه تمنحه أملًا، وهذه بحدّ ذاتها قصّة مهمّة.
بعد كلّ ما ناقشناه، كيف هي المدرسة الحلم عند د. نضال؟
سؤال جميل جدًّا، ومحيّر في الوقت نفسه. لأنّنا غالبًا ما نفكّر انطلاقًا من المتاح ومن الموارد والقيود التي تحيط بنا. أمّا حين كنت أتخيّل المدرسة التي أحلم بها، أو أكتب وأفكّر في التعليم، فكنت أحاول دائمًا أن أتجاوز ما هو قائم إلى ما يمكن أن يكون.
حين أتحدّث عن الحوار أو الخطاب، لا أقصد فقط الحوار بين المعلّم والطالب داخل الصفّ، أو النقاش الذي يدور داخل مبنى المدرسة. كنت أتخيّل دائمًا فضاءً أوسع للاشتباك الفكريّ مع مشكلات الواقع، وحوارات أعمق وأكثر حيويّة. كثيرًا ما كنت أقول لنفسي: ليت لديّ ساعة إضافيّة مع طلّابي قبل الدرس أو بعده، فقط لكي نتحاور أكثر، ونستمع إلى بعضنا بعضًا، ويجد كلّ طالب فرصة حقيقيّة ليعبّر عن رأيه، ويكمل فكرته، ويتعمّق فيها.
ولهذا كنت أتمنّى دائمًا ألّا تكون أعداد الطلبة كبيرة إلى هذا الحدّ، حتّى يحصل كلّ فرد في الغرفة على حقّه في التفكير والتعبير والمشاركة والحركة المريحة. فالمدرسة التي حلمت وما زلت أحلم بها، مدرسة أكثر تحرّرًا من قيود الجداول الصارمة. لا أقصد إلغاء التنظيم بالكامل، فكلّ مؤسّسة تحتاج إلى ما يساعدها في إدارة وقتها وتنظيم عملها، لكنّني أتخيّل مدرسة تمنح وقتًا أطول للتعلّم، ومساحات أوسع للنقاش الفكريّ غير المقيّد بحدود المنهج.
بالطبع هناك معارف وكفايات أساسيّة ينبغي تحقيقها، وهذا أمر ممكن دائمًا. لكن ما كنت أشعر بأنّه غائب في كثير من الأحيان هو الوقت المخصّص للتفكير والحوار. كنت أتخيّل مفهومًا مختلفًا للوقت المدرسيّ، ومفهومًا أكثر حيويّة للمادّة الدراسيّة نفسها؛ موادّ تنطلق من الواقع، ومن النصوص التي يقترحها الطلبة أو المعلّمون، أو من ما يقرؤه أحدنا ويجد فيه ما يستحقّ النقاش. كنت أحلم بأن نقرأ معًا أكثر، وأن نتحاور أكثر.
وأحلم أيضًا بمدارس تسكنها القصص والأدب والفنون على اختلافها، لا أن تقتصر على الكتب المدرسيّة والتمارين. أتذكّر حديث حلقة من "بودكاست منهجيّات" مع يسري الأمير بعنوان: حين تتكلّم اللغة من خلال القصّة: تعليم العربيّة عبر الأدب، وأتذكّر كيف كنت أحاول في كثير من المدارس الابتدائيّة التي عملت فيها، أن أقلّل من حضور التمارين التقليديّة قدر الإمكان، مقابل زيادة القصص والاستماع والموسيقى ومساحات الرسم والتلوين الحرّ والحركة الحرّة. كنت أؤمن بأنّ الطفل يحتاج إلى مساحة يجرّب فيها ويكتشف ويعبّر، من دون أن تكون كلّ خطوة مرسومة سلفًا، لأنّ النظام التعليميّ، في كثير من الأحيان، قائم على القيود والأطر. وكنت أتساءل دائمًا: ماذا لو أزلنا نصف هذه القيود فقط؟ كم مساحة من الحرّيّة يمكن أن تظهر؟
لكنّ الحرّيّة التي أتحدّث عنها لا تقتصر على الطفل وهو يرسم أو يلوّن. هي أيضًا حرّيّة الحوار بين المعلّمين أنفسهم، وبين العاملين في المؤسّسة، وبين المدرسة والأهالي، وبين المدرسة والجهات الراعية أو الوزارة. أحلم بأن نصل في تعليمنا العربيّ إلى مرحلة يصبح فيها احترام الاختلاف وتقبّل النقاش جزءًا أصيلًا من الثقافة التربويّة. أن تكون هناك ضوابط قائمة على الاحترام المتبادل، لا على الخوف أو الرقابة أو الإقصاء.
أحلم ببيئة تسمح لنا بالتحاور من دون خوف من النقد، وتمنحنا الجرأة على التفكير في التغيير، حتّى لو جاء من خارج المنهج أو خارج المسارات المألوفة. وربّما لا يؤدّي ذلك دائمًا إلى النتائج نفسها التي تقيسها الاختبارات في نهاية العام، لكنّ الأفكار التي يتعلّم الإنسان كيف يسائلها ويحلّلها ويتخيّلها، تبقى معه وتنمو على المدى البعيد.
وأظنّ أنّ هذا أقصى ما أطمح إليه باعتباري شخصًا يعمل في التربية: أن يمتلك الطلبة فسحة من الحرّيّة، وجرأة على التخيّل، وقدرة على إعادة النظر في ما يُقدَّم إليهم بوصفه أمرًا ثابتًا أو نهائيًّا. أن يجرؤوا على السؤال، وعلى التفكير، وعلى تخيّل بدائل أخرى للعالم. وربّما يكون هذا، في النهاية، ما يجعلني أستمرّ في العمل بالتعليم يومًا بعد يوم؛ لا الجداول الصارمة ولا الأطر المقيّدة للتفكير، بل الإيمان بإمكانيّة خلق مساحات أوسع للخيال والمعنى والحرّيّة.
وهنا أودّ أن أضيف نقطة مهمّة؛ فعندما كنت أعمل معلّمة في الضاحية الجنوبيّة، كنت أفكّر دائمًا في العلاقة بين الرعاية والحرّيّة. فنحن بحاجة إلى سلطة راعية للتعليم لا سلطة رقابيّة وعقابيّة، نحتاج إلى مدارس آمنة، وإلى مبانٍ لا تتسرّب إليها الأمطار، وإلى صفوف دافئة، ومواصلات آمنة، وكتب وتجهيزات مناسبة. هذه ليست رفاهيّات، بل حقوق أساسيّة. وفي الوقت نفسه، نحن بحاجة إلى الحرّيّة. بحاجة إلى مساحات للتفكير، وإلى القدرة على التحرّر من بعض القيود داخل المدرسة. ولذلك لا أرى تعارضًا بين الأمرين؛ بل أرى أنّ التعليم الجيّد يحتاج إلى الرعاية والحرّيّة معًا.





نشر في عدد (25) صيف 2026