مشروع السماء
مشروع السماء

في سنة 2020، وفي قلب الأحياء المكتظّة لمخيّمات اللاجئين في بيروت، وُلِد مشروع السماء استجابة لاحتياجات أربعين مراهقًا ومراهقة في لبنان، عقدوا العزم على الإفلات من زواج الأطفال والعمل القسريّ. كانوا يتوقون إلى التعليم في مكان لم تُفتَح في وجوههم فيه أبواب أيّ مدرسة. الكثير من الشباب اللاجئين والنازحين في عموم منطقة العالم العربيّ محرومون من حقّهم في التعليم، ومن أجل كسر هذه الحلقة وُجِد مشروع السماء، عن طريق توفير تعليم بمعايير عالميّة.

لم تنشأ مراكز السماء التعليميّة من شراكة تقليديّة، بل من التقاء مؤسّسين مشاركين من سوريا وبريطانيا وألمانيا، إلى جانب مؤسّس خامس هم الطلّاب أنفسهم. فمنذ البداية، أسهم الطلّاب في إرساء أسس أوّل مركز تعليميّ في بيروت. وما بدأ مركزًا تعليميًّا واحدًا، سرعان ما تنامى ليصبح خمسة مراكز، تخدم اليوم 1,150 شابًّا وشابّة في لبنان وسوريا.

 

نموذج حائز على جوائز في تعليم اللاجئين

يُحدث نموذج السماء التعليميّ المبتكَر تحوُّلًا في تعليم اللاجئين. فمن اللغة العربيّة إلى الفنّ، ومن اللغة الإنجليزيّة إلى مهارات التوظيف، ومن الرياضيّات إلى الرياضات التنافسيّة، يدرس الطلّاب برنامجًا متكاملًا أسهموا بأنفسهم في صياغته. ومع أنّ 90% منهم يلتحقون بالمراكز وهم لا يقرؤون ولا يكتبون ولا يُتقنون مبادئ الحساب، فإنّهم يخوضون رحلة تعليميّة متسارعة، تُمكّنهم من الإلمام بالقراءة والكتابة والحساب في غضون ستّة أشهر وحسب.

واليوم، حاز هذا المنهج جوائز دوليّة، وغدا مشروع السماء قوّة تغييريّة في ميدان التعليم غير النظاميّ المُسرَّع، بنموذج تحوُّليّ ينقل الطلّاب من الأمّيّة إلى مرحلة الاستعداد للالتحاق بالجامعة وللعمل المهنيّ المؤهَّل، في غضون ستّ سنوات فقط.

 

تمكين الشباب اللاجئين والنازحين عن طريق رياضة الكريكيت

إن كان التعليم الأكاديميّ يمنح الطلّاب المعرفة، فإنّ رياضة الكريكيت في السماء تفتح أمامهم طريقًا لتنمية المهارات الحياتيّة، فضلًا عن كونها مصدرًا للأمل والاعتزاز. فالرياضة لا تُعزّز الصحّة البدنيّة فحسب، بل تُغذّي الصحّة النفسيّة أيضًا، وتؤدّي دورًا بارزًا في الارتقاء بالأداء الأكاديميّ.

بيد أنّ الجوهر الحقيقيّ يتجاوز قواعد اللعبة. فباللعب يتعلّم الطلّاب العمل الجماعيّ والانضباط وكيفيّة التعامل مع الضغوط. والأهمّ من ذلك أنّ البرنامج يرسم مسارًا لقيادة تصاعديّة، إذ يستطيع أكثر اللاعبين التزامًا أن يصبحوا مدرّبين، فيختبرون عمليًّا، لا نظريًّا فحسب، ما تتطلّبه المسؤوليّة والمساءلة والقيادة الحقيقيّة. ولأنّ الكريكيت رياضة لا احتكاكيّة، يستطيع الفتيان والفتيات اللعب معًا، وهو ما يُعدّ ركيزة أساسيّة في الطريقة التي يبني بها مشروع السماء الثقة في نفوس طالباته، ويغرس قيم المساواة بين الجنسين في نفوس طلّابه.

 

فرص تشمل المجتمع بأسره

إن كانت المراكز التعليميّة مكرّسة للأجيال الناشئة، فإنّ المشاريع الاجتماعيّة التي يُديرها مشروع السماء تتوجّه إلى مَن يقفون خلف هؤلاء الأبناء؛ أي إلى الأمّهات. ويُدار "استوديو السماء" بنساء من مجتمعات السماء ولأجلهنّ، ويوفّر لهنّ مصدر دخل مستقلّ.

تأسّس الاستوديو سنة 2020، ويستقطب نحو خمسين امرأة، ويُنتج التطريز اليدويّ في مجالات الأزياء والمستلزمات المنزليّة والملابس. وتتراوح أعمار هؤلاء النساء بين العشرين والخامسة والأربعين، وهنّ ينتمين إلى خلفيّات تعليميّة متواضعة؛ إذ لم تتجاوز كثيرات منهنّ المرحلة الابتدائيّة، وواحدة من كلّ عشر منهنّ لا تُجيد القراءة ولا الكتابة. ومع ذلك، فالاستوديو ليس مجرَّد ورشة عمل، بل فضاء آمن تتبادل فيه النساء الدعم والمؤازرة.

 

شهادة G12++‎: حلّ ثوريّ يمنح الشباب النازحين شهادة معادلة عالية

يُستبعَد مليون شابّ وشابّة من النازحين عن التعليم العالي والعمل المهنيّ المؤهَّل. وعلى الرغم من أنّ هؤلاء الشباب يتمتّعون بالقدرات اللازمة للنجاح، فإنّهم يفتقرون إلى الوثائق الرسميّة التي تُثبت ذلك. والأنظمة القائمة عاجزة عن استثمار هذا المخزون الفريد من المواهب، ونحن جميعًا، بوصفنا مجتمعًا دوليًّا، نخسر بذلك مكاسب عالم أكثر شمولًا.

تعتبر شهادة G12++‎ التي طوّرها مشروع السماء، أوّل مؤهَّل مُصمّم خصّيصًا للشباب النازحين. وهي امتحان مستقلّ عن أيّ منهاج بعينه، يُمنح الطلّاب بموجبه شهادة تعادل مستوى التخرُّج من الصفّ الثاني عشر وفق المعايير الدوليّة، في خمسة مجالات هي: الرياضيّات التطبيقيّة، والتفكير العلميّ، واللغة العربيّة، واللغة الإنجليزيّة، ومهارات النجاح في الحياة. ويقيس هذا الامتحان مهارات الحياة الواقعيّة، بتكلفة زهيدة لا تتجاوز عشرين دولارًا، وقد صُمّم ليُطبَّق في مخيّمات اللجوء وسائر المناطق المحرومة حول العالم.

 

لم يُنجز مشروع السماء هذا العمل بمفرده. فمنذ سنة 2024، تواصل مؤسّسة Cambridge Assessment، أكبر هيئة امتحانات في العالم، الإسهام بدور محوريّ في تشكيل كلّ مرحلة من مراحل تطوير هذه الشهادة. كما حازت شهادة G12++‎ اعتماد إطار Skills Builder، وحصلت على المعادَلة من مؤسّسة Ecctis، وهي الهيئة الوطنيّة البريطانيّة المعنيّة بالمؤهّلات الدوليّة.

وسيتخرّج الفوج الأوّل من حاملي شهادة G12++‎ في شهر تمّوز/ يوليو، وقد خُصّصت مقاعد ومنح دراسيّة لهم في جامعة Cambridge، وجامعة Leicester، وجامعة ولاية Arizona، وجامعة Moravian، والجامعة الحديثة للأعمال والعلوم في لبنان "MUBS".

ويتطلّع مشروع السماء إلى الوصول إلى خمسين ألف شابّ وشابّة من النازحين سنويًّا بشهادة G12++‎، فاتحًا أمامهم أبواب التعليم العالي والعمل المهنيّ المؤهَّل. ويسعى المشروع للتعاون مع خبراء أكاديميّين وشركاء من الجامعات وقطاع التوظيف والتعليم التقنيّ والمهنيّ (TVET)، لدعم توسيع نطاق هذه الشهادة واعتمادها.

حين يحصل مراهق نازح على تعليم معترَف به، فإنّ الأمر لا يقتصر على تغيير حياة واحدة، بل تغيير ما يحمله هذا الشابّ إلى مجتمعه وبلده ومستقبله.