التعلّم التشاركيّ Collaborative learning
التعلّم التشاركيّ Collaborative learning

ظهر مفهوم التعلّم التشاركيّ شيئًا فشيئًا، من تراكمات فكريّة وتربويّة امتدّت منذ أوائل القرن العشرين. يعود الفضل في بذوره الأولى إلى جون ديوي الذي شدّد على أنّ التعلّم يتشكّل في تربة التفاعل الاجتماعيّ والخبرة المشتركة. ومن بعده، قدّم ليف فيجوتسكي إطارًا أوضح، حين ربط تطوّر التفكير باللغة والتفاعل مع الآخرين، مؤكّدًا أنّ المعرفة تُبنى داخل سياق اجتماعيّ حقيقيّ (Gillies et al, 2023).

في النصف الثاني من القرن العشرين، بدأت هذه الأفكار تتحوّل إلى ممارسات تربويّة منظّمة، خصوصًا مع صعود اتّجاهات التعلّم النشط والبنائيّ. وفي السبعينيّات والثمانينيّات القرن الماضي، تبلور التعلّم التشاركيّ استراتيجيّة تعليميّة واضحة، مدعومًا بأبحاث ديفيد وروجر جونسون حول التعلّم التعاونيّ، والتي أظهرت أثر العمل الجماعيّ المنظّم في التحصيل الأكاديميّ وتنمية المهارات الاجتماعيّة. ومع دخول العصر الرقميّ، توسّع المفهوم ليشمل بيئات التعلّم عبر الإنترنت، إذ باتت المنصّات والشبكات تتيح للمتعلّمين بناء المعرفة بشكل جماعيّ يتجاوز الحدود الجغرافيّة (Holt, 2018).

يفيد التعلّم التشاركيّ أن يتعلّم الطالب ضمن مجموعة. يجلس المتعلّمون معًا في بيئة واحدة، يتبادلون الأفكار والخبرات، ويضع كلّ واحد منهم لبِنة في صرح الفهم المشترك. وتكون المعرفة نتاجًا اجتماعيًّا يتشكّل يوميًّا بالحوار والنقاش. يحتاج التعلّم التشاركيّ إلى تنظيم، إذ يوزّع المتعلّمون الأدوار والمسؤوليّات في ما بينهم، ويسعون معًا لتحقيق هدف تعليميّ واحد. ويقف المعلّم في موقع التوجيه والتيسير، يتدخّل حين تحتاج المجموعة إلى دفعة، ويترك لها المجال حين تجد طريقها (Keengwe, 2022).

يرتكز التعلّم التشاركيّ على مبادئ واضحة، تتمثّل في: الاعتماد المتبادل بين أفراد المجموعة، بحيث يشعر كلّ متعلّم بأنّ نجاح زميله جزء من نجاحه؛ والمساءلة الفرديّة التي تحول دون أن يختبئ أحد خلف الآخرين؛ والتفاعل المباشر بين المتعلّمين؛ وتنمية المهارات الاجتماعيّة التي لا تأتي إلّا بالممارسة اليوميّة. لذلك يجمع التعلّم التشاركيّ بين البعدين المعرفيّ والاجتماعيّ، ويعزّز التحصيل الدراسيّ، وينمّي في الوقت ذاته القدرة على العمل الجماعيّ والتواصل الفاعل (Stahl, 2023).

يعود الفضل في تحقيق التعلّم التشاركيّ إلى المعلّم الذي يصمّم مواقف تعليميّة تستدعي التفاعل الحقيقيّ بين المتعلّمين، وتتجاوز مجرّد ترتيبهم في مجموعات. يظهر جوهره في العلاقة التي تنشأ بين الطلّاب، وفي طبيعة المهامّ التي توكل إليهم، فهي تحتاج إلى أن تدفعهم إلى التفكير معًا، وأن تتخطّى توزيع الأدوار بشكل روتينيّ. حينها يجد المتعلّم نفسه أمام آراء متعدّدة تدفعه إلى مراجعة ما يعرفه، وتفتح أمامه آفاقًا جديدة، ويصبح التعلّم حينئذ أكثر ارتباطًا بالحياة، ويمنح الطلّاب فرصة تعلّم مهارات التواصل والحوار وتقبّل الاختلاف والعمل ضمن المجموعات (Vajjhala et al, 2024).

لكنّ هذا كلّه يتطلّب وعيًا في التطبيق، إذ قدّ تحتكر بعض الأصوات النقاش، بينما ينسحب آخرون إلى الهامش من دون إسهام حقيقيّ، فيخبو أثر التجربة. لذلك يبقى المعلّم مطالبًا بالمتابعة المستمرّة والتوجيه الدقيق، ليضمن أن يحمل كلّ متعلّم نصيبه من المسؤوليّة، وأن تتوازن الأدوار داخل المجموعة (Planche & Sharratt, 2016).

 

المراجع

- Gillies, R., Davidson, N. & Millis, B. (Eds). (2023). Contemporary Global Perspectives on Cooperative Learning. Taylor & Francis.

- Holt, M. (2018). Collaborative Learning as Democratic Practice: A History. Conference on College Composition and Communication of National Council of Teachers of English.

- Keengwe, J. (2022). Handbook of Research on Facilitating Collaborative Learning Through Digital Content and Learning Technologies. IGI Global Scientific Publishing.

- Planche, B. & Sharratt, L. (2016). Leading Collaborative Learning: Empowering Excellence. SAGE Publications.

- Stahl, G. (2023). Computer Support for Collaborative Learning: Foundations for a CSCL Community. Taylor & Francis.

- Vajjhala, N., Fonkam, M. & Cela, E. (Eds). (2024). Teachers' Roles and Perspectives on AI Integration in Schools. IGI Global Scientific Publishing.