في حصص اللغة العربيّة للناطقين بلغات أخرى، لا يدخل الطلبة الصفّ ومعهم أدواتهم المادّيّة فقط، من دفاتر وأقلام وكتب، بل تتسابق معهم خرائط كاملة من أمكنة في ذاكرتهم، ولغاتهم المحكيّة في الجغرافيا التي تؤطّر وجودهم الأصليّ في بلدانهم، أو البلدان التي عاشوا أو يعيشون فيها. كلّ منهم يحمل معه ذكريات البيت الذي يسكنه، والشارع الذي تعوّد عليه، والمقصف الذي ارتاده مرارًا وتكرارًا. بالإضافة إلى المدينة التي تتشابك خيوط تفاصيلها مع صوته الداخليّ، وما إلى ذلك من التفاصيل التي تصنعه وتميّزه عن غيره ثقافيًّا ولغويًّا. فهذا التنوّع إذا ما نُظر إليه بعمق عوضًا عن رؤيته بوصفه تحدّيًا داخل الصفّ، من شأنه أن يمثّل داعمة تربويّة ينصهر عندها تعليم اللغة وتعلّمها، مع "الارتباط القويّ بالمكان" بوصفه مبدأ أساسيًّا من مبادئ التنمية المستدامة حول العالم.
تعمّقت هذه الفكرة عند تدريسي ضمن مسار اكتساب اللغة للمستوى الناشئ - مادّة اللغة العربيّة للناطقين بلغات أخرى - إذ اختار الطلبة بأنفسهم عنوان الوحدة تحت عنوان "أمكنة من حولنا"، وبنوا إطارها المفاهيميّ استنادًا إلى دليل البكالوريا الدوليّة. وفي هذه العمليّة، لم يكن الهدف استكشاف مفردات المكان وما يرتبط بها، مثل الفضاء والحيّز والنطاق والمجال وغيرها، وإنّما سمح بناء هذه الوحدة بفتح مجال للتفكير في العلاقة الوطيدة والمعقّدة بيننا وبين المكان، وبين اللغة والذاكرة، وبين ما يتعلّمه الطلبة وانتمائهم الجغرافيّ ضمن رقعة العالم المشترك، لأجد نفسي مع الطلبة أمام دمج حقيقيّ لمبدأ الاستدامة، أي "الارتباط القويّ بالمكان"، مع الأمكنة التي نعيش فيها والتي جئنا منها، وتربطنا بها علاقات واعية وجدانيًّا ومعرفيًّا.
الصفّ القائم على التنوّع الثقافيّ: فرصة تربويّة تتجاوز الواقع المُعاش
تضمّ صفوفي طلبة من ثقافات وبلدان مختلفة، مثل كندا وأمريكا وتركيّا وغيرها، ولهم جذور عربيّة تعود إلى الأردنّ ومصر وسوريا ولبنان، إلى جانب طلبة ليست لهم جذور عربيّة، ومن بينهم طلبة من إندونيسيا وباكستان والسويد والهند والفلبّين والبوسنة وغيرها. شكّل ذلك خليطًا ثقافيًّا ولغويًّا ديناميكيًّا وحيًّا داخل الصفّ، فكان بذلك خلفيّة ناطقة لا صامتة للتعلّم. وبدأت أجد نفسي أمام تصوّرات متعدّدة وغنيّة عن مختلف الأمكنة من حولنا، فتعدّدت أوصاف البيت والمدرسة" والحيّ والمقصف والملعب والحدائق والمتاحف وغيرها. فأسهم كلّ وصف في إبراز الاختلافات الثقافيّة، والمقارنات الغنيّة التي أزاحت عن الصفّ صِبغة الارتباك، وألبست التعلّم ثراء وغنًى.
وقد كان من بين متطلّبات الوحدة، أن ينجز الطلبة تعبيرات كتابيّة أو شفويّة حول أمكنة تربطهم بها صلات وروابط ذات معنى بالنسبة إليهم. فمنهم من اختار البيت لارتباطه بأهله، ومنهم من اختار مقصف المدرسة أو ملعبها لارتباطه القويّ بزملائه وأصدقائه، ومنهم من اختار فصلًا من الفصول الدراسيّة لارتباطه القويّ بمدرّس أو مدرّسة ألهمته. ومنهم من اختار بلده الأصليّ، أو بلدًا يحلم بالعيش فيه، أو البلد الذي يعيش فيه حاليًّا، ووصف ما يألفه منه من أمكنة وفضاءات. ليظهر بعد ذلك أنّ ما أنتجه الطلبة لم يكن وصفًا جامدًا، بل سرد شخصيّ ذو حمولات دلاليّة عميقة، جسّدت كلّ كلمة أو صياغة منه علاقة المتعلّم بالمكان المُعبّر عنه. وبعد ذلك تبادل الطلبة ما كتبوه، وقيّموا مُنجزات بعضهم البعض، وكان ذلك فرصة يتعلّم بواسطتها كلّ طالب من تجربة زميله.
كانت هذه اللحظة انتقالًا للغة العربيّة من كونها لغة للتعلّم، إلى لغة للعبور والمشاركة. فبدأت ألاحظ أنّ المتعلّمين لا يشاركون لإرضائي لأنّني معلّمة، وإنّما يشاركون بقصد الحكي والفهم والإفهام، الأمر الذي برز معه التنوّع الثقافيّ بوصفه محرّكًا للدافعيّة، ومجالًا رحبًا لتوسيع أفق التعلّم، ومصدرًا خصبًا للأفكار والدلالات.
التعدّديّة اللغويّة: جسر للمعنى لا عائق مُفترض
انطلقت مع متعلّميَّ في هذه الوحدة من مقاربة أساسها الاعتراف بالتعدّديّة اللغويّة داخل الصفّ، بوصفها موردًا قابلًا للاستثمار، لا بوصفها خللًا لا بدّ من ضبطه. عاد الطلبة - بطبيعتهم - إلى لغاتهم الأمّ في لحظات التفكير والمقارنة والبحث عن المعاني والدلالات، إذ ابتعدت الوحدة عن مقاومة التفكير باللغة الأصل، واقتربت من التوجيه والمساندة حتّى تكون اللغات الأمّ/ الأصل جسرًا يعبره الطلبة للوصول إلى اللغة المتعلَّمة/ اللغة العربيّة.
امتزجت النقاشات الجماعيّة في هذه الوحدة بروح اللغات الأخرى، وذلك من بداية التخطيط إلى مرحلة التأمّل في التقييمات النهائيّة؛ إذ سُمح في البداية للمتعلّمين باستعمال لغاتهم في مراحل التفكير الأولى، في صياغة الخطوط العريضة للوحدة، ثمّ انتقلوا بعد ذلك إلى الصياغة والتعبير باللغة العربيّة في مرحلة الصياغة والإنتاجات الكتابية والشفهيّة. والجميل أنّ هذا السماح/ العبور مثّل استراتيجيّة تعزّز حضور اللغة العربيّة عوض أن تُضعفها، فأحسّ المتعلّم أنّ هويّته اللغويّة محطّ اعتراف لا اغتراب، وبأنّها غير مهدّدة داخل الصفّ.
من هذه التجربة، أصبح واضحًا أنّ السماح بالتعدّد اللغويّ داخل الصفّ، من شأنه أن يُسهم في تشكيل معنى أعمق للتعلّم، ويساعد في اكتساب مفردات وعبارات جديدة ذات دلالات متنوّعة، في سياقات حقيقيّة من محيط المتعلّم والأمكنة التي اعتاد عليها. وكان من شأن هذه العبارات المكتسبة أن تساعد المتعلّم في تجاوز الارتباك عند الخطأ، وهكذا تظهر اللغة بوصفها فضاء فسيحًا ومفتوحًا للتجارب والدلالات والتفاوض، وتتجاوز بذلك أن تكون منظومة مغلقة تحدّ من فكر المتعلّم وتقدّمه.
الأمكنة بوصفها مفهومًا للتعلّم نحو الاستدامة
يمثّل الارتباط القويّ بالمكان الدعامة الأساسيّة التاسعة من معايير التعليم من أجل الاستدامة EFS، إذ يستخدم المتعلّم اللغة جسرًا للتعبير عن حبّه لتراثه، وارتباطه بالأمكنة التي يعيش فيها، مثل المدرسة والمجتمع والمناطق الحيويّة من حوله. كما تركّز هذه الدعامة على العلاقة الواعية بين المتعلّم والمحيط، وذلك انطلاقًا من الأمكنة الأقرب إليه جغرافيًّا وشعوريًّا، وصولًا إلى الأمكنة الأوسع والأبعد. فكلّما فهم المتعلّم جوهر هذه العلاقة، شعر بأنّه جزء منها، وأصبح بذلك أكثر مقدرة على احترام التنوّع والتعدّديّة الثقافيّة، بما في ذلك التعدّديّة اللغويّة المميّزة لمكان عن غيره، وكان كذلك أكثر احترامًا لموارده، وعلى قدر من المسؤوليّة تجاه القرارات التي يتّخذها إزاء هذه الأمكنة.
مناقشة هذه العلاقة مع الطلبة بلغاتهم أو باللغة الإنجليزيّة، كونها وسيطًا نشترك فيه جميعًا للتواصل الصريح قبل الضمنيّ داخل مضامين الوحدة، جعلت مفهوم المكان ضمن وحدة "أمكنة من حولنا"، ليس مجرّد موضوع من ضمن مواضيع الوحدة، وإنّما مدخلًا لفهم الذات والعالم والتعبير عنهما. وقد ظهر ذلك في إنجازات المتعلّمين عندما قارنوا بين مقصف مدرستهم الحاليّ، ومقصف مدارسهم السابقة في مكان آخر في البيئة المحلّيّة أو في بلدان أخرى. كما إنّ وصفهم الأسواق الشعبيّة في قطر، أو في بلدانهم ومدنهم الأصليّة، مثل لبنان وجاكرتا والمنصورة والقاهرة والبوسنة وغيرها، لم يقتصر على اكتسابهم مفردات فحسب، بل وجدوا أنفسهم بصدد إعادة التفكير في أمور كثيرة، مثل العادات الغذائيّة، وأنماط الحياة المتعدّدة، والتنظيم الاجتماعيّ السائد، وغيرها من السمات الثقافيّة العميقة.
على هذا الأساس، تحقّق مفهوم الارتباط القويّ بالمكان بشكل واضح وملموس، وذلك انطلاقًا من وصف الأمكنة وفهمها واستحضارها ومقارنتها مع غيرها، وفق قالب لغويّ يستخدم اللغة العربيّة وعاء لاحتواء المنتج النهائيّ شفهيًّا وكتابيًّا، ابتداءً من التعريف بالنفس وتحديد العمر والمستوى الدراسيّ، وصولًا إلى إبراز خصائص الأمكنة المختارة لإنجاز المهمّات الصفّيّة.
"مفهوم الروابط" ممارسة لا شعارًا
عند مرحلة اختيار المفهوم الرئيسيّ لوحدة "أمكنة من حولنا"، عرضت أمام المتعلّمين المفاهيم الأربعة لاكتساب اللغة، استنادًا إلى دليل البكالوريا الدوليّة للسنوات المتوسّطة من المبادئ إلى التطبيق، وهي التواصل والثقافة والإبداع والروابط. وقد اختاروا مفهوم الروابط لا اختيارًا نظريًّا، وإنّما اختيارًا واعيًا نابعًا من فهمهم وإدراكهم أنّ وحدتهم الحاليّة تقوم بالأساس على الربط، أكثر من غيره من المفاهيم الثلاثة الأخرى. ويتجلّى هذا الربط على أكثر من صعيد: بين الأمكنة، وبين اللغات، وبين التجارب الشخصيّة، وبين الأصليّ والمحلّيّ، وبين الحاضر والذاكرة، وبين الأنا والآخر.
وعرضت أمامهم السياقات العالميّة الستّة للبكالوريا الدوليّة ومجالات الاستكشاف الخاصّة بكلّ سياق، وبعد التشاور والبناء المشترك للمعنى، اتّحد المتعلّمون حول اختيار سياق "التوجّه من حيث الزمان والمكان"، وربطوه بالمجال الاستكشافيّ: "ما معنى أين ومتى؟ وما هو محلّيّ وأصيل"؟ فلاحظت أنّ ذلك منحهم شعورًا بالمسؤوليّة تجاه التعلّم، وجعل تشكيل خيوط وحدتهم نابعًا من أسئلتهم وعصفهم الذهنيّ المعزّز بالأدلة، وليس تخطيطًا جاهزًا تعدّه المعلّمة.
تجربة ذات أثر: من وسيلة للتعلّم إلى رمز للانتماء
امتلأت إنتاجات المتعلّمين الكتابيّة والشفويّة في نهاية الوحدة، بجمل تربط بين الأمكنة والذاكرة الخاصّة بكلّ متعلّم، إذ عكست وعيهم بالعلاقة بينهم وبين الأمكنة، واتّضحت آثار التجربة بشكل جليّ. لم تكن كتاباتهم متشابهة، بل كانت متنوّعة جغرافيًّا بتنوّع ثقافاتهم وانتماءاتهم، واشتركت في لغتها العربيّة لغة للتعبير وإطارًا مفاهيميًّا جامعًا.
علاوة على ذلك، ركّز المتعلّمون في هذه الوحدة على المهارات الاجتماعيّة بوصفها أسلوبًا أساسيًّا من أساليب التعلّم، وأظهر ذلك درجة عالية من التفاعل والثقة بالنفس، والاستعداد للمشاركة والتفاعل عن طريق تبادل الإنتاجات الكتابيّة، والاستماع إلى بعضهم البعض في الإنتاجات الشفويّة، وعقد حوارات ثنائيّة وجماعيّة حول أمكنة محدّدة من اختيارهم، بالإضافة إلى نسج قصص وتوليد أحداثها وشخصيّاتها لتناسب جغرافيا الأمكنة المختارة. أشعرت هذه التجربة المتعلّمين بأنّ اللغة العربيّة ليست لغة غريبة عنهم، وإنّما وعاء قادر على احتواء تجاربهم الشخصيّة وقصصهم المتخيّلة. ولعلّ ذلك ما جعلهم يعبّرون عن "ارتباطهم القويّ بالمكان"، بوصفه أهمّ مبدأ من مبادئ التعليم القائم على الاستدامة، والذي يركّز على تمكين المتعلّمين من أن ينظروا إلى أنفسهم على أنّهم عنصر فاعل وذو معنى في هذا العالم، لا مستقبل للمعرفة من دون تفاعل معها.
خلاصات واستنتاجات
تكشف هذه التجربة أنّ التعدّديّة اللغويّة والتنوّع الثقافيّ في صفوف العربيّة للناطقين بلغات أخرى، عاملان أساسيّان لتحقيق تعلّم ذي جدوى، وليسا عائقين في رحلة التعلّم. فهذا التنوّع الثقافيّ أو اللغويّ جعلهم أكثر ارتباطًا بواقعهم، وجعل اللغة العربيّة وسيلة لفهم العالم وبناء الروابط وتعزيز الانتماء، خصوصًا عندما ينظر إلى المكان نظرة قائمة على الاستدامة، والتفكير فيه حاضرًا ومستقبلًا، والوعي بموارده وخصوصيّته الثقافيّة.
نخلص أيضًا إلى أنّ تعليم اللغة العربيّة في هذا السياق، يساعد في صقل مهارات المتعلّمين بطرق تجعلهم قادرين على فهم أمكنتهم، واستيعاب التنوّع الذي يميّزها من حيث عاداتها وتقاليدها ولغاتها، وسماتها المادّيّة والرمزيّة، واحترام حدودها، ونسج علاقات واعية ومسؤولة تجاهها. بهذه الطريقة تكون العمليّة التعلّميّة التعليميّة غير قاصرة عند تعليم المفردات والقواعد، بل تصبح عمليّة تجعل من اللغة العربيّة بعينها مكانًا ونقطة للالتقاء والحوار والنموّ محلّيًّا وعالميًّا.





نشر في عدد (25) صيف 2026