بالمقلوب تختصر الوقت، وتعمّق الفهم، وتعزّز مهارات القرن الواحد والعشرين
بالمقلوب تختصر الوقت، وتعمّق الفهم، وتعزّز مهارات القرن الواحد والعشرين
حنين ممدوح عامر | معلّمة - الأردن

هل تخيّلت يومًا أن تنقلب الأدوار بين الطالب والمعلّم؟ وأن يقضي الطالب وقت الحصّة في النقاش والتجريب بدلًا من الاستماع إلى الشرح المطوّل؟

يشهد التعليم في عصرنا تحوّلات جذريّة بفضل التطوّر التكنولوجيّ وتغيّرات احتياجات الطلبة، ومن هذه التحوّلات ظهور استراتيجيّة التعلّم المعكوس، أو ما يُسمّى بالصفّ المقلوب، والتي تمثّل نقلة نوعيّة في طرائق التدريس. تقوم هذه الاستراتيجيّة على قلب الأدوار التقليديّة بين المدرسة والمنزل، بحيث ينتقل اكتساب المعارف الأوّليّة إلى خارج الصفّ، بينما يُستثمر وقت الحصّة في أنشطة تفاعليّة وتطبيقيّة تعزّز الفهم العميق.

تعتمد هذه الاستراتيجيّة على أن يتعرّف الطالب إلى محتوى الدرس قبل الحصّة، من فيديو قصير، أو عرض تقديميّ، أو قراءة موجّهة يُعدّها المعلّم مسبقًا، تُرسل إلى الطالب عبر الصفوف الإلكترونيّة، وعندما يأتي الطالب إلى الصفّ يكون مستعدًّا للنقاش والمشاركة، بدلًا من الاكتفاء بالاستماع السلبيّ إلى الشرح. وبهذا الأسلوب يتحوّل وقت الحصّة إلى مساحة للتفاعل، وحلّ المشكلات، وطرح الأسئلة، والتوسّع في المعلومة، فيصبح دور المعلّم التوجيه والمتابعة والتصحيح والتقييم، بدلًا من مجرّد التلقين.

قد يواجه استخدام استراتيجيّة الصفّ المقلوب بعض التحدّيات، مثل الحاجة إلى إعداد موادّ رقميّة مناسبة، أو تفاوت إمكانات الطلبة في استخدام التكنولوجيا، لكنّ نتائجها الإيجابيّة تستحقّ التجربة، ما يجعل الصفّ أكثر حيويّة وفاعليّة.

في هذه المقالة سنتطرّق إلى مشاركة تجربة واقعيّة قمنا بممارستها في مدرستنا، مع ذكر إيجابيّات التجربة وتحدّياتها.

 

تجربة المدرسة

بدأ استخدام هذه الاستراتيجيّة في مدارسنا استنادًا إلى حاجتنا إلى توفير الوقت والجهد، نظرًا إلى زخم المناهج الدراسيّة، وعدم كفاية الوقت في تغطية جميع الدروس الواردة في الكتاب. قمت باختيار وحدة دراسيّة سهلة في مبحث اللغة العربيّة للصفّ الرابع، وكانت عبارة عن نصّ قراءة بعنوان "ضمّادات الجروح" للفصل الأوّل، ونصّ قراءة بعنوان "ابن الهيثم" للفصل الثاني، وأعددنا لهما مادّة رقميّة متكاملة، تضمّنت الأهداف والمخرجات العامّة، وتسجيلًا صوتيًّا للمعلّمة وهي تقرأ الدرس قراءة معبّرة، وصورًا تتعلّق بموضوع الدرس، إضافة إلى فيديو توضيحيّ بصوت المعلّمة يشرح الدرس ويوضّح الأفكار الفرعيّة والرئيسة. كما أرفقنا فيديو إثرائيًّا عن موضوع الدرس للتوسّع والاطّلاع، وبذلك يتمكّن الطالب من دراسة المادّة بسهولة ويسر بطريقة التعلّم الذاتيّ.

أرسلت المادّة المجهّزة إلى الطلبة عبر الصفوف الإلكترونيّة، مع إرفاق رسالة توضّح للطالب كيفيّة دراستها والتعامل معها بفاعليّة، وكانت تعليمات الدراسة بالتفصيل والترتيب على النحو الآتي:

1. استمع إلى قراءة الدرس جيّدًا بصوت المعلّمة المرفق مع الدرس. 
2. اقرأ الدرس عدّة مرّات حتّى تتقن قراءته. 
3. تعرّف معاني المفردات الجديدة جيّدًا (مرفقة مع الدرس). 
4. استنتج الفكرة الرئيسة للنصّ. 
5. أجب عن أسئلة معاني المفردات والتراكيب، وبإمكانك التأكّد من حلّك من الإجابات المرفقة. 
6. حلّ أسئلة الفهم والاستيعاب، وبإمكانك التأكّد من حلّك من الإجابات المرفقة. 
7. كن مستعدًّا لأداء المهمّة الصفّيّة لهذا الدرس يوم الخميس الموافق 6/2 في حصّة اللغة العربيّة.

 

أعطيت الوقت الكافي للطلبة للتمكّن من إنهاء المهمّة في مدّة أسبوعين كاملين، وحدّدت موعدًا لاختبار قصير يخضع له الطالب في الصفّ، للتأكّد من مدى فهمه وتحقيق الأهداف؛ بحيث يركّز الاختبار على تقييم مهارة القراءة الفاهمة، كأن يُسأل عن الفكرة العامّة للنصّ، واستخراج المعنى من النصّ، ويكون الاختبار شبيهًا باختبارات نصوص الاستيعاب التي تُجرى في الصفّ العاديّ.

وفي هذه الأثناء نستمرّ في الدراسة بوحدات أخرى بشكل طبيعيّ كالمعتاد، ما يوفّر الوقت لإنجاز المادّة المطلوبة. وقبل موعد الاختبار بحصّتين، يقوم المعلّم أثناء الحصّة الأولى بمناقشة الطلبة في المادّة المرسلة، بحيث تُعرض الفكرة العامّة للدرس، ويطرح المعلّم سؤالًا على الطلبة، كما يحدث في المناقشة بعد القراءة الصامتة لأي نصّ في الصفّ العاديّ، مثل "من منكم يستطيع إخبارنا ما الذي يتحدّث عنه الدرس؟" واستخدام مفردات الدرس في جمل جديدة، مثل كلمات ضمّادات وخدوش وكدمات وترقية وغيرها، ومناقشة الأفكار الفرعيّة للنصّ، مثل "ما الذي دعا إيريل ديكسون إلى اختراع الضمادات؟ وكيف كوفِئ على هذا الاختراع؟"

يجيب المعلّم عن استفسارات الطلبة، ويوضّح بعض الأمور المبهمة والتساؤلات لديهم، مثلًا: "هل الضمّادات التي نستخدمها اليوم هي ذاتها التي اخترعها إيريل ديكسون؟"  

في الحصّة الثانية يقرأ الطلبة الدرس قراءة جهريّة معبّرة، وبعدها يُجرى الاختبار في موعده المحدّد، مع مراعاة أن يقيس الاختبار المخرجات العامّة للدرس ومستويات بلوم، بحيث لا تبقى الأسئلة عند مستوى التذكّر، بل يُراعى فيها الفهم والاستنتاج والتطبيق وإبداء الرأي.

 

وأودّ التنويه هنا بأنّني في هذه المرحلة، ولغاية سنة 2018، لم أكن أعلم أنّ هناك استراتيجيّة بهذا الاسم ومعمول بها، وأنّه قد أُجريت عليها دراسات وأبحاث علميّة تؤكّد فاعليّتها. حتّى إنّني لم أسمع باسمها من قبل، بل كانت فكرة فرديّة طبّقناها على الصفّ الرابع في مبحث اللغة العربيّة فقط. لكنّ زميلة لي في الفريق نفسه، عرفت بمحض الصدفة أنّ هناك استراتيجيّة تحمل الهدف والخطوات التي نقوم بها، اسمها "الصفّ المقلوب". من هنا بدأت مرحلة بحثنا وتعمّقنا في هذه الاستراتيجيّة، وطوّرناها ضمن خطط مدروسة بناءً على خطوات واضحة، وعمّمنا التجربة في ورشات عمل تدريبيّة.

وبعد جائحة كورونا، تبنّت إدارة المدرسة هذه الاستراتيجيّة وقدّمت لنا ورشات تدريبيّة عنها، فأصبحت جزءًا من التحضير والتخطيط المسبق، بما يناسب كلّ مرحلة عمريّة وكلّ مبحث حسب احتياجاته. ولم تقتصر ممارسة الاستراتيجيّة على إعداد مادّة لدرس معيّن، بل تنوّعت الأساليب حسب المبحث وحسب الفئة العمريّة. فمثلًا كان معلّمو الصفوف الأولى يرسلون فيديو مسبقًا لفكرة الدرس، ليأتي الطالب إلى الحصّة وهو يحمل الأساسيّات، ويجري التوسّع في الدرس أثناء الحصّة مع المعلّم. وقد أثبتت هذه الاستراتيجيّة فاعليّتها، وحقّقت المرجوّ منها بدرجة مُرضية.  

 

كانت لاستخدام هذه الاستراتيجيّة آثار إيجابيّة ملموسة لدى كلّ من المتعلّمين والمعلّمين على النحو الآتي:  

  • - تعزيز الفهم العميق: بتعرّض الطالب إلى المادّة الدراسيّة مسبقًا، والتركيز على النقاش والتطبيق داخل الحصّة، فيشعر أنّه يمتلك المعلومة من مصادر متنوّعة، ويقلّ اعتماده على المعلّم في الحصول على المعرفة، ويتعدّاها إلى التوسّع والاستفسار والتوضيح.  
  • - توفير الوقت والجهد: باستثمار وقت الحصّة بفاعليّة، واختصار الوقت المهدور في إعطاء الأساسيّات التي يستطيع الطالب الحصول عليها بنفسه، وتخصيص وقت الحصّة للفهم العميق.  
  • - تنمية استقلاليّة المتعلّم: إذ ترتقي مهارة الطالب في التعلّم الذاتيّ، وهي من أهمّ مهارات القرن الواحد والعشرين، ويتحمّل مسؤوليّة الاطّلاع المسبق على المحتوى التعليميّ.  
  • - تنمية مهارات التفكير العليا: بحيث تتطوّر لدى الطالب مهارات التحليل والتفكير الناقد والتفكير الإبداعيّ، بدلًا من الاكتفاء بالحفظ.  
  • - زيادة التفاعل بين المعلّم والطالب: عن طريق الأنشطة الصفّيّة القائمة على الحوار والعمل الجماعيّ، فيزداد بذلك دور الطالب ويقلّ دور المعلّم، وهذا من أهمّ أساسيّات التعلّم النشط الذي يعتمد على خبرات الطلبة، ويجعل الطالب محور العمليّة التعليميّة.  
  • - وعلى الرغم من كثرة الإيجابيّات التي أوردناها هنا، كن مستعدًّا أيضًا لمواجهة التحدّيات عند استخدام الاستراتيجيّات والطرائق الحديثة في التعليم، والتي تنتج عن التغيير والتحديث في الأنماط المألوفة. فالمعلّم الناجح من سماته الشجاعة والإقدام والإصرار، وهو مثل الفارس المغوار، وأبطال الحكايات الذين يواجهون كلّ الصعوبات لتحقيق غاياتهم التي يؤمنون بأثرها في طلبتهم.

 

ومن التحدّيات التي واجهناها أثناء استخدامنا هذه الاستراتيجيّة الجديدة، وأيضًا الحلول التي استخدمناها لمواجهة هذه التحدّيات، نذكر الآتي:

  • - مقاومة بعض أولياء الأمور وبعض المعلّمين للانتقال من النمط التقليديّ؛ فمنهم من رأى أنّ هذه الطريقة عبء إضافيّ على الطالب والأهل، إذ إنّ التفاوت في مستويات الطلبة والفروق الفرديّة بينهم، من حيث امتلاكهم مهارات التعلّم الرقميّ، شكّل لدى البعض المخاوف والتوتّر من استخدام هذه الاستراتيجيّة. لكن، بالتحدّث إلى الأهل وتقديم التسهيلات في عرض المحتوى التعليميّ، زالت هذه المخاوف، واعتاد الأهل على النمط الذي تتبنّاه المدرسة، وأصبح جزءًا من روتين الواجبات لديهم، ومع الممارسة والتطبيق الفعليّ ورؤية أثر النتائج، قلّت هذه المقاومة.  
  • - كما إنّ بعضهم كان معترضًا على الاختبار، فطمأنّا الأهل بأنّه لا يُحتسب من معدّل الطالب، أو سيُحتسب جزء بسيط من علامته. كما وضّحنا لهم أنّ الهدف قياس مدى فهم الطالب، وتنمية مهاراته في التعلّم الذاتيّ التي أصبحت من متطلّبات هذا العصر، وأنّ استقلاليّة الطالب من أهمّ الأهداف التعليميّة التي تُعدّه للمستقبل.
  • - تدريب المعلّمين على إنتاج محتوى رقميّ فعّال: فكما توجد فروق فرديّة بين الطلبة، هناك أيضًا تفاوت في كفايات المعلّمين وقدراتهم، ومدى تقبّلهم للتغيير. لذا، كان لا بدّ من تقديم التدريب والرعاية المهنيّة، ليسهل على الجميع استخدام هذه الاستراتيجيّة. كما إنّ القرارات الإداريّة التي تتبنّى هذا النهج سهّلت ذلك.  
  • - الحاجة إلى بنية تحتيّة تكنولوجيّة مناسبة، من أجهزة وإنترنت وصيانة للأجهزة، بالإضافة إلى تدريب أولياء الأمور على استخدام الصفوف الإلكترونيّة. وهذا أيضًا عولج بسبب جاهزيّة المدرسة، فهي مُعدّة أصلًا لاستخدام التكنولوجيا، وتضمّ قسمًا كاملًا مختصًّا بذلك.  

 

***

ختامًا، وجدنا أنّ استراتيجيّة الصفّ المقلوب تمثّل استجابة واقعيّة لمتطلّبات القرن الواحد والعشرين، إذ توازن بين التفاعل البشريّ واستخدام التكنولوجيا، وتضع الطالب في قلب العمليّة التعليميّة ليكون باحثًا نشطًا لا مجرّد متلقٍّ سلبيّ، وتسمح للمعلّم باستخدام كافّة أدواره، مرشدًا وموجّهًا وميسّرًا للعمليّة التعليميّة. كما تختصر الوقت والجهد، خصوصًا مع الانفجار المعرفيّ في عصرنا الحاليّ، وتفتح آفاقًا واسعة لتطوير التعليم وجعله أكثر متعة وفاعليّة.

لكن يبقى السؤال: هل التجربة التي خاضتها مدرستنا تعدّ الطريقة الوحيدة لممارسة التعلّم المعكوس؟      

 

المراجع

- بيرجمان، جوناثون وسامز، آرون. (2015). التعلّم بالمقلوب: بوابة لمشاركة الطلّاب (ترجمة: زيد الكيلاني، عبد اللّه). مكتب التربية العربيّ لدول الخليج.  

- وزارة التربية والتعليم. (د.ت.). لغتنا العربيّة للصفّ الرابع. إدارة المناهج والكتب المدرسيّة.