المثلّث الديداكتيكيّ: من النموذج النظريّ إلى الممارسة الصفّيّة
المثلّث الديداكتيكيّ: من النموذج النظريّ إلى الممارسة الصفّيّة
فاطمة الزهراء لشقر | أستاذة وباحثة في ديداكتيك الجغرافيا وتدريس العلوم الاجتماعيّة- المغرب

داخل كلّ فصل دراسيّ تدور عمليّة معقّدة تتجاوز مجرّد نقل المعلومات من المعلّم إلى المتعلّم. فالتعلّم ليس عمليّة خطيّة بسيطة، بل تفاعل ديناميّ معقّد تتقاطع فيه ثلاثة عناصر أساسيّة: المعلّم والمتعلّم والمعرفة. ومن هذا التفاعل تتشكّل الخبرة التعليميّة، ويتحدّد مدى نجاح العمليّة التربويّة في تحقيق أهدافها.

في هذا السياق برز المثلّث الديداكتيكيّ باعتباره أحد النماذج التحليليّة الأساسيّة في علوم التربية، إذ يتيح فهم العلاقات المتبادلة التي تنظّم الفعل التعليميّ داخل القسم الدراسيّ. وقد اقترح هذا النموذج الباحث الفرنسيّ إيف شوفلار (Yves Chevallard) في إطار دراساته حول ديداكتيك الرياضيّات، إذ سعى لتحليل كيفيّة انتقال المعرفة من المجال العلميّ إلى المجال المدرسيّ، وكيف تتشكّل العلاقات التربويّة التي تحكم عمليّة التعلّم (Chevallard, 1985).

نشأ هذا النموذج في سياق نظريّة الوضعيّات التعليميّة التي طوّرها الباحث غي بروسو (Guy Brousseau)، والتي ركّزت على تحليل التفاعلات التي تحدث داخل الوضعيّة التعليميّة بين المدرّس والمتعلّم والمعرفة. وقد شكّلت هذه النظريّة أساسًا لفهم الديناميكيّات التي تنظّم التعلّم داخل القسم، قبل أن يُعمّم نموذج المثلّث الديداكتيكيّ لاحقًا ليشمل مختلف التخصّصات التعليميّة (Brousseau, 1998).

 

يقوم المثلّث الديداكتيكيّ على ثلاث علاقات أساسيّة تمثّل التفاعلات التي تنظّم العمليّة التعليميّة التعلّميّة، وهي:

العلاقة بين المعلّم والمعرفة (البعد الإبستمولوجيّ/ النقل الديداكتيكيّ)

تشير العلاقة بين المعلّم والمعرفة إلى الدور الذي يضطلع به المدرّس في تنظيم المعرفة، وتحويلها إلى معرفة مدرسيّة قابلة للتدريس. وقد بيّن شوفلار أنّ المعرفة العلميّة التي ينتجها الباحثون داخل الحقول العلميّة، لا تنتقل إلى المتعلّمين في شكلها الأصليّ، بل تخضع لسلسلة من التحوّلات التي تجعلها ملائمة للبرامج الدراسيّة ولمستوى المتعلّمين (Chevallard, 1985).

 

العلاقة بين المتعلّم والمعرفة (البعد السيكولوجيّ/ التمثّلات)

ترتبط العلاقة بين المتعلّم والمعرفة بالطابع المعرفيّ والنفسيّ لعمليّة التعلّم، إذ ينطلق المتعلّم في بناء معرفته من تمثّلاته السابقة التي تشكّلت عبر خبراته اليوميّة والتعليميّة.

تبرز أهمّيّة التمثّلات في التعليم من دورها المركزيّ في فهم العمليّات التعليميّة، إذ تتيح تشخيص الصعوبات المفاهيميّة عن طريق الكشف عن التصوّرات الخطأ لدى المتعلّمين (Driver et al., 1994). كما تسهم في بناء استراتيجيّات تدريسيّة ملائمة، تهدف إلى إحداث التغيير المفاهيميّ وتعميق الفهم (Chi, 2008)، فضلًا عن تعزيز أدوات التقييم التربويّ، عن طريق تحليل تطوّر فهم المتعلّمين للمفاهيم العلميّة ومدى استيعابهم لها (Treagust, 2006).

 

العلاقة بين المعلّم والمتعلّم (البعد البراكسيولوجيّ/ التعاقد الديداكتيكيّ)

تنظّم العلاقة بين المدرّس والمتعلّم مجموعة من القواعد الضمنيّة، والتي أطلق عليها غي بروسو مفهوم التعاقد الديداكتيكيّ، وهو مجموعة التوقّعات المتبادلة التي تحدّد أدوار كلّ من المدرّس والمتعلّم داخل الوضعيّة التعليميّة (Brousseau, 1998).

وغالبًا ما يكون هذا التعاقد غير معلن، لكنّه يوجّه سلوك المدرّسين والمتعلّمين داخل القسم، ويحدّد طبيعة التفاعل الذي يحدث أثناء عمليّة التعلّم. كما يرتبط هذا المفهوم بمبدأ التفويض الديداكتيكيّ الذي يقوم على منح المتعلّم دورًا نشطًا في بناء المعرفة، بانخراطه في حلّ المشكلات التعليميّة.

 

تجربة تطبيقيّة للمثلّث الديداكتيكيّ: رصد أثره في فهم الطلّاب للجغرافيا  

أُنجزت هذه التجربة الصفّيّة مع تلاميذ السنة الثانية من سلك البكالوريا، في إطار تدريس درس "العولمة: المفهوم، الآليّات، الفاعلون" باعتباره موضوعًا مركّبًا، يستدعي تعبئة قدرات تحليليّة تتجاوز الوصف إلى تفكيك العلاقات بين الأبعاد الاقتصاديّة والمجاليّة. وقد شكّل هذا الدرس مجالًا ملائمًا لتجريب مقاربة ديداكتيكيّة قائمة على تفعيل المثلّث الديداكتيكيّ، عن طريق إعادة تنظيم التفاعلات بين المعلّم والمتعلّم والمعرفة، داخل وضعيّة تعليميّة ذات طابع إشكاليّ.

انطلقت الحصّة باستثمار تمثّلات المتعلّمين بوصفها مدخلًا إبستمولوجيًّا لبناء التعلّم، بطرح سؤال مفتوح: "ما الذي يخطر ببالكم عندما تسمعون كلمة العولمة؟" وقد مكّن هذا الإجراء من الكشف عن بنية أوّليّة للمعرفة لدى المتعلّمين، اتّسمت بتعدّد التصوّرات التي تراوحت بين ربط العولمة بالشركات متعدّدة الجنسيّات، ودور التكنولوجيا، واتّساع المبادلات التجاريّة. ولم تُعتبر هذه التمثّلات مجرّد معطيات عفويّة، بل وُظّفت بوصفها قاعدة لبناء التعلّم، في انسجام مع التصوّرات البنائيّة التي تؤكّد مركزيّة المعرفة القبليّة في عمليّة التعلّم.

 

في مرحلة لاحقة، انتقلت الحصّة إلى بناء المعرفة بتوظيف الدعامة الوثائقيّة، إذ اعتُمدت ثلاث وثائق تمثّل أبعاد الظاهرة: خريطة للتجارة العالميّة، ومبيان لتطوّر الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة، وصورة لمجال اقتصاديّ عالميّ. وقد نُظّم المتعلّمون في مجموعات عمل صغيرة، قصد الانخراط في تحليل جماعيّ موجّه بأسئلة إشكاليّة، تروم تجاوز القراءة الوصفيّة نحو تفسير العلاقات المجاليّة والاقتصاديّة.

وقد أبرزت الملاحظة الصفّيّة في هذه المرحلة تباينًا في أنماط التفاعل المعرفيّ، إذ ظلّ بعض المتعلّمين حبيسي المستوى الوصفيّ، في حين أظهر آخرون قدرة أوّليّة على الانتقال نحو التفسير. وفي هذا السياق، اضطلع المدرّس بدور الضابط الديداكتيكيّ الذي يتدخّل بشكل مدروس لإعادة توجيه التفكير، عن طريق إعادة صياغة الأسئلة أو إبراز العناصر الدالّة داخل الوثيقة، من دون الوقوع في تقديم المعرفة الجاهزة، ما يعكس توازنًا بين التوجيه واستقلاليّة المتعلّم.

وفي إطار تقاسم التعلّمات، عُرضت نتائج المجموعات داخل القسم، ما أتاح بناء معرفة جماعيّة قائمة على التفاوض المعرفيّ. وقد تُوِّج هذا المسار ببناء خطاطة تركيبيّة، أسهمت في تنظيم المفاهيم الأساسيّة المرتبطة بالعولمة، وربط آليّاتها بالفاعلين الاقتصاديّين، ما أضفى طابعًا بنيويًّا على المعرفة المكتسبة.

 

أمّا على مستوى التقويم، فقد اعتُمدت وضعيّة تطبيقيّة ترتكز على تحليل خريطة للتجارة العالميّة، أبانت نتائجها قدرة أغلب المتعلّمين على تعبئة مكتسباتهم في وضعيّة جديدة، بواسطة الربط بين المعطيات الوثائقيّة والمفاهيم النظريّة، وهو ما يعكس تحقّق تعلّم ذي طابع وظيفيّ.

وعلى مستوى تحليل النتائج، كشفت التجربة عن تحوّل نوعيّ في علاقة المتعلّم بالمعرفة، تمثّل في الانتقال من وضعيّة التلقّي إلى وضعيّة الفعل المعرفيّ، كما تجلّى في ارتفاع درجة المشاركة الصفّيّة، وتطوّر القدرة على تحليل الوثائق الجغرافيّة، خصوصًا على مستوى الانتقال من الوصف إلى التفسير، وهو ما يُعدّ مؤشّرًا دالًّا على تنمية التفكير الجغرافيّ.

كما أسهم التنظيم الجماعيّ للعمل في تعزيز الكفايات التواصليّة والاجتماعيّة، وخلق ديناميّة صفّيّة قائمة على التفاعل، في حين برزت بوادر التفكير النقديّ من قدرة بعض المتعلّمين على مساءلة المعطيات وربطها بسياقاتها المجاليّة.

غير أنّ التجربة كشفت أيضًا عن حدود مرتبطة بصعوبة الانتقال إلى مستوى التركيب لدى بعض المتعلّمين، ما يؤكّد أنّ بناء الكفايات التحليليّة في الجغرافيا يتطلّب سيرورة تعلّميّة ممتدّة، قائمة على التدرّج والدعم المستمرّ.

بصفة عامّة، تبرز هذه التجربة أنّ تفعيل المثلّث الديداكتيكيّ لا يقتصر على إعادة توزيع الأدوار داخل القسم، بل يسهم في إعادة بناء العلاقة بالمعرفة في اتّجاه جعلها موضوعًا للفعل والتحليل، بما يعزّز التعلّم ذا المعنى.

 

***

لا يمثّل المثلّث الديداكتيكيّ مجرّد نموذج نظريّ لوصف عناصر العمليّة التعليميّة التعلّميّة، بل يشكّل إطارًا تحليليًّا يسمح بفهم الديناميكيّات المعقّدة التي تحكم بناء المعرفة داخل القسم الدراسيّ. فعن طريق دراسة العلاقات الثلاث التي تربط بين المعلّم والمتعلّم والمعرفة، يصبح بالإمكان تحليل الصعوبات التعليميّة، وتطوير الممارسات التدريسيّة بما يحقّق تعلّمًا أكثر عمقًا وفاعليّة.

وفي ضوء ذلك، يظهر أنّ جودة التعليم لا تعتمد فقط على محتوى المعرفة المقدّمة، بل على كيفيّة تنظيم التفاعلات التربويّة داخل القسم، وعلى قدرة المدرّس على تحقيق التوازن بين أبعاد المثلّث الديداكتيكيّ الثلاثة: نقل المعرفة بطريقة علميّة دقيقة، ومراعاة تمثّلات المتعلّمين، وبناء علاقة تربويّة محفّزة على التعلّم.

ومن هنا، يظلّ المثلّث الديداكتيكيّ أحد أهمّ الأدوات النظريّة التي تمكّن الباحثين والممارسين التربويّين من إعادة التفكير في الممارسة التعليميّة، بما يسهم في بناء تعلّم أكثر معنى وارتباطًا بتجربة المتعلّم داخل المدرسة وخارجها.

 

المراجع

- Astolfi, J. P. (2008). La saveur des savoirs: Disciplines et plaisir d’apprendre. ESF Éditeur.

- Astolfi, J. P., & Develay, M. (1989). La didactique des sciences. Presses Universitaires de France.

- Brousseau, G. (1998). Théorie des situations didactiques. La Pensée Sauvage.

- Chevallard, Y. (1985). La transposition didactique: Du savoir savant au savoir enseigné. La Pensée Sauvage.

- Chevallard, Y., & Joshua, M. A. (1982). Un exemple d’analyse de la transposition didactique: La notion de distance. Recherches en Didactique des Mathématiques, 3(2), 159–239.

- Chi, M. T. H. (2008). Three types of conceptual change: Belief revision, mental model transformation, and categorical shift. In S. Vosniadou (Ed.), International handbook of research on conceptual change (pp. 61–82). New York: Routledge.

- Driver, R., Squires, A., Rushworth, P., & Wood-Robinson, V. (1994). Making sense of secondary science: Research into children’s ideas. Routledge.

- Rosenthal, R., & Jacobson, L. (1968). Pygmalion in the classroom: Teacher expectation and pupils’ intellectual development. Holt, Rinehart & Winston.

- Sensevy, G. (2012). Le sens du savoir: Éléments pour une théorie de l’action conjointe en didactique. De Boeck.

- Treagust, D. F. (2006). Conceptual change: A discussion of theoretical, methodological and practical challenges for science education. Cultural Studies of Science Education, 1(1), 29–37.

- Vosniadou, S. (1994). Capturing and modeling the process of conceptual change. Learning and Instruction, 4(1), 45–69.