هوّة سحيقة بين الثورة المعلوماتيّة والمناهج التربويّة اللبنانيّة المحنّطة
هوّة سحيقة بين الثورة المعلوماتيّة والمناهج التربويّة اللبنانيّة المحنّطة
بيار شلالا | أستاذ لغة عربيّة في الكلّيّة الحربيّة- لبنان

إذا كانت المناهج التربويّة وليدة رؤية الحاضر والتخطيط للمستقبل ومواكبة العصر، بُغية تكوين أجيال يعتمد عليها كلّ وطن أو أمّة، وإذا كان ما تصبو إليه المناهج وما تأمل تحقيقه في لبنان، هو "بناء شخصيّة المعلّم الفرد والمواطن بأبعادها الفكريّة والوجدانيّة والسلوكيّة والروحيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والقوميّة، إضافة إلى تعزيز كفاية المتعلّم بربط اللغة بالحياة" ("مناهج التعليم العامّ وأهدافها"، الصادرة بالمرسوم10227 تاريخ 8 أيّار 1997، ص.41)، فإنّ هذه المبادئ أضحت حبرًا على ورق، في ظلّ تدنّي مستوى اللغة العربيّة في لبنان، البلد الذي يعود إليه الفضل في نهضتها وإنقاذها من براثن التتريك، ووطنُ روّادِها اليازجيّين ومارون عبّود وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران. وبلغت نسبة النجاح في مادّة اللغة العربيّة في الامتحانات الرسميّة بالمرحلة المتوسّطة 30 في المئة ومعدّلها العامّ ثمانية على عشرين العام 2013، بحسب آخر تقرير منشور لوزارة التربية. وهذا التدنّي في مستوى اللغة العربيّة "لا يقتصر على لبنان وحسب، بل يتعدّاه إلى دول أخرى في العالم العربيّ، وقد يكون حالة عامّة" (سلمان، 2014). 

هذا المقال محاولة متواضعة للإضاءة على الواقع المتردّي للغة العربيّة في لبنان والثغرات التي تعانيها، واقتراح بعض الحلول الناجعة والضروريّة لوضع حدّ لهذا التقهقر، وتلافيًا لمصير أسود محتّم، برأينا.

 

أسباب تردّي اللغة العربيّة في لبنان

وفي العودة إلى لبنان، فإنّ أحد أسباب هذا الواقع اللغويّ المرير هو الهوّة السحيقة الموجودة بين المتعلّم وكتبه التي من المفروض أن ينهل منها، ليس الأصول اللغويّة فحسب، بل الثقافة الوطنيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة. فالمتعلّم، بخاصّة في المرحلتين الابتدائيّة والمتوسّطة، هو ضحيّة نصوص،  في كتاب القراءة، عفا عليها الزمن. وكانت مقبولة حين صدورها العام 1997، وأضحت مرفوضة بعد مرور نحو ربع قرن تميَّزَ بثورة معلوماتيّة وإلكترونيّة وتكنولوجيّة هائلة، غيّرت حياة البشر، ولا سيّما الأطفال، تغييرًا جذريًّا، في طرق تفكيرهم وعاداتهم ووسائل عيشهم. ففي حين تواكب أجيالُنا العصرنةَ بكلّ حماس، وتفخر بما تقتنيه من أحدث الوسائل التكنولوجيّة، وتتواصل في محادثات يوميّة عبر مواقع الدردشة الإنترنتيّة، وتتبادل الأفكار في موضوعات تتّصف بالعمق، وتشاهد عشرات البرامج الثقافيّة والعلميّة على شاشات الفضائيّات، تُصاب هذه الأجيال بالصدمة عندما يُطلب منها قراءة نصّ ومناقشة الأفكار الواردة فيه، نصّ يتحدّث عن قصر مهجور تسكنه الجنّ - وهل من جنّ في زمن العلم؟ -، أو عن حلّاق القرية في حين يقصد، اليوم، محلًّا عصريًّا حيث يوجد مكيّف وتلفزيون وموسيقى هادئة، أو يُطلب منه كتابة رسالة إلى أبيه المهاجر، في زمن "الواتس-أب" والسكايب. وقد روى أحد الزملاء - معلّم في الصفّ السادس الابتدائيّ - عن دهشته لدى سماعه تعليقًا ساخرًا لتلميذ رفض المشاركة في قراءة نصّ وتحليله، لأنّه يتحدّث، في محور "الخوف: أفكارًا وتعابير"، عن طفل ضاع في أحد الأسواق التجاريّة، فاستبدّ به الخوف، وبدأ بالصراخ والبكاء، فإذا بهذا التلميذ يبادر إلى إبداء رأيه ساخرًا، مخاطبًا المعلّم مستنكرًا: "ولِمَ يخاف؟ ألا يحمل هاتفًا خلويًّا للاتصال بأهله؟ أو لِمَ لا يستعين بأيّ كان لطلب هذا الأمر؟".

إذًا، ثمّة بُعد شاسع وقطيعة عميقة، في مستهلّ العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، بين ما يتلقّنه المتعلّم، قراءةً وتحليلًا لنصوص عفا عليها الزمن، بحسب مناهج وُضِعت أواخر القرن العشرين، أي منذ نحو ربع قرن عمّتْ خلاله ثورة معلوماتيّة تكنولوجيّة هائلة، كما أشرنا أعلاه.

 

اقتراحات وحلول

ونصل إلى اقتراحات الحلول، علّها تنقذ اللغة العربيّة من براثن الانقراض، إذا استمرّ الصدأ يتآكلها، مع علمنا أنّ الأولويّات، في لبنان حاليًّا، هي اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة:

أوّلًا: تعديل فوريّ لمناهج الـ 1997، لتخاطب عقول المتعلّمين، المهاجرين هجرة جماعيّة إلى عالم الإنترنت والفضائيّات والمواقع الإلكترونيّة، فتفرض وضع محاور لغويّة تواكب التطوّر التكنولوجيّ والتقدّم المعلوماتيّ اللذين يثبان وثَبات عملاقة سنويًّا، وأجيالنا ترافق ذلك برغبة جامحة. وطبعًا، يجب عدم إهمال مؤلّفات عباقرتنا اللغويّين والتراث اللبنانيّ العريق في محور أو أكثر.

 

ثانيًا: التحفيز على المطالعة، لكن غير التقليديّة التي تُثقل حقيبة المتعلّم بكتاب إضافيّ. فنادرًا ما نشاهد تلميذًا يحتضن كتابًا يطالعه، بل نراه معانقًا هاتفًا خلويًّا أو مسلوب العقل أمام جهاز الكمبيوتر، عازفًا عن المطالعة، وهي الأساس في تنمية الملكة اللغويّة والتعبيريّة وإثرائها لديه. ولهاتين الآلتين تأثير سلبيّ ومؤذ جدًّا لاعتمادهما الكتابة العاميّة ورموزًا متعارفًا على تسميتها بـ "لغة الإنترنت". وهذا ما يهدم جسور التواصل مع اللغة الأمّ ويدفعها نحو الانقراض.

إذًا، يجب الإغراء على المطالعة. كأن تتوجّه المناهج إلى وضع عناوين لكتب هادفة - قصّة بيئيّة، اجتماعيّة، شبابيّة - تحفّز المتعلّم، وبمشاركة الأهل ربّما، على تجسيد ما طالعه في معرض أو مشهد تمثيليّ يُستوحى من بعض أحداث القصّة، ويكتب التلامذة نفسهم السيناريو الخاصّ به. فتغدو الصفوف خلايا نشطة تخلق ديناميّة نشطة تُثمر مستوى لغويًّا جيّدًا.

كما نقترح، جذبًا للمتعلّمين للإقبال على المطالعة بشغف، "المطالعة أونلاين". أي أن تُرسَل إليه قصّة، شهريًّا أو فصليًّا، على بريده الإلكترونيّ، فيطالعها، في أوقات فراغه، ويُطلَب منه تلخيصها أو إعطاء آرائه في أبطالها وأحداثها.

 وهذا نموذج مختصر جدًّا لقصّة "أونلاين":


سامرٌ والإنترنت

سامر حزينٌ. غابَتِ البسمةُ عنْ ثغرِهِ، منذُ فترةٍ قصيرةٍ. ما بالُهُ؟ ما الذي يكدّرُ حياتَهُ؟ يعيشُ في أسرةٍ لا تشكو أيَّ أمرٍ. الوئامُ يعمُّ. المحبّةُ تسودُ. السعادةُ تغمرُ الجميعَ إلّا سامرًا!

أبدى والدُهُ قلقَهُ، خلالَ جلسةٍ عائليّةٍ غابَ عنها سامرٌ، متسائلًا: "ما الذي طرأَ على حياةِ ابني؟ يجبُ اكتشافُ حقيقةِ ما يعانيهِ". علّقَتْ أمّهُ قائلةً: "نتائجُ الامتحانِ الأخيرِ لديْهِ ممتازةٌ. لا شكَّ أنَّ أمرًا غيرَ مألوفٍ يسبّبُ لهُ هذهِ الحالةَ النفسيّةَ". وأضافَتْ أختُهُ يارا: "رفاقُهُ في الصفِّ أعلموني أنَّهُ أصبحَ يميلُ إلى الوحدةِ، ويتجنّبُ مخالطتَهُمْ. كما إنَّ أصدقاءَهُ في الحيِّ لاحظوا ذلكَ أيضًا. وأحدُهُمْ استغربَ جلوسَهُ وحيدًا في إحدى زوايا الملعبِ حيثُ يلهونَ، مستخدمًا هاتفَهُ الخلويَّ كلَّ الوقتِ، ولا يزيحُ نظرَهُ عنْهُ، ولوْ ثانيةً واحدةً، وعلى وجهِهِ ملامحُ الخوفِ والاضطرابِ والتوتّرِ!". هنا، سألَ الوالدُ: "هلْ يمكنُ أنْ يكونَ الهاتفُ الخلويُّ الذي أهديْتُهُ إيّاهُ بمناسبةِ عيدِ ميلادِهِ الأخيرِ، منذُ ثلاثةِ أسابيعِ، هوَ سببَ التبدّل؟ هذا احتمالٌ معقولٌ".

في هذهِ اللحظاتِ، قامَتْ يارا متوجّهةً نحوَ غرفتِها المشتركةِ معْ سامرٍ. وإذا بها تعودُ مهرولةً نحوَ والديْها، وتهتفُ قائلةً: "أبي! أمّي! أنا مصدومةٌ. سامرٌ يشاهدُ فيلمَ رعبٍ على حاسوبِهِ النقّالِ (لابتوب)!!

"إنّه هديّتي لهُ أيضًا، بمناسبةِ عيدِ ميلادِهِ. يا للهوْلِ! ولا شكَّ في أنَّ سوءَ استخدامِ الهديّتينِ هو ما يؤذيهِ نفسيًّا"، قالَتِ الوالدةُ.

في اليومِ التالي، أسرَّتْ يارا إلى والديْها أنّها وجدَتْ، بينَ أغراضِ سامرٍ، لائحةً بعناوينِ الأفلامِ التي شاهدَها أوْ سيشاهدُها: مجزرة في نيويورك - سرقة مصرفٍ في باريس- إفلاسٌ وانتحارٌ- غرقُ طفل.

فقالَ الوالدُ: "يجبُ أن نسارعَ في معالجةِ حالةِ سامرٍ، بهدوءٍ ورويّةٍ وحكمةٍ".

وكانَتِ الخطّةُ الذكيّةُ والناجحةُ: اصطحابُ سامرٍ إلى حدائقَ عامّةٍ للتنزّهِ في الطبيعةِ الخلّابةِ التي تُمتّعُ النظرَ وتريحُ الأعصابَ؛ دعوتُهُ إلى مرافقةِ الأسرةِ لمشاهدةِ فيلمٍ ذي موضوعٍ اجتماعيٍّ جذّابٍ يحثُّ على التفاؤلِ ويولّدُ الفرحَ في النفوسِ؛ إقناعُهُ بلذّةِ مطالعةِ القصصِ المسلّيةِ وفوائدِها؛ إرشادُهُ، بسلاسة وهدوءٍ، نحوَ استخدامِ شبكةِ الإنترنت، على الهاتفِ الخلويِّ والحاسوبِ النقّالِ، منَ النواحي الثقافيّة والترفيهيّة (مشاهدةُ أفلامٍ فكاهيّةٍ ومبارياتٍ رياضيّةٍ محلّيةٍ وعالميّةٍ).

ومرّتِ الأيّامُ والأسابيعُ، والخطّةُ تنفَّذُ بتأنٍّ وحَذَرٍ وحرصٍ على مشاعرِ سامرٍ. وكانَ النجاحُ الباهرُ لها. وها هيَ الابتسامةُ ترتسمُ على وجهِهِ، ونفسيّتُهُ يطبعُها الفرحُ،  والتفاؤلُ شعارُهُ في الحياةِ، والإنترنت وسيلةٌ لديْهِ للتثقّفِ والترفيهِ والتسليةِ المفيدةِ فقط.


 

ثالثًا: تطوير أساليب التعليم: يجب تقريب البيئتين، المدرسيّة والواقعيّة، في أذهان المتعلّمين، فيتفاعلون عفويًّا وتلقائيًّا، بل بحماس، مع المحاور اللغويّة. وعلى سبيل المثال، تنظيم زيارة إلى مصنع في محور "العامل"، أو إجراء التلامذة مقابلة مع أب أو أمّ أحد الزملاء في محور "الأسرة"، أو استقدام مسؤولين أو عناصر من الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر أو الدفاع المدنيّ إلى الصفوف والتحادث في مهمّاتهم في محور "الفضائل الأخلاقيّة"، أو إجراء لقاءات مع مؤلّفي بعض النصوص لمناقشتهم في مضامينها.

 

رابعًا: تبسيط قواعد اللغة لئلّا ينفر منها المتعلّم، وتدريسها بأساليب عمليّة، لا نظريّة تلقينيّة، بعيدًا من الأمثلة الجافّة والشواهد المعقّدة.

 

خامسًا: تحفيز المعلّم على استخدام اللغة الفصحى في مختلف حصص اللغة العربيّة والتاريخ والجغرافيا والتربية المدنيّة. 

 

طبعًا، ثمّة اقتراحات عدّة أخرى للعلاج، لباحثين لغويّين كثُرٍ يهمّهم إصلاح ما آلَتْ إليه اللغة العربيّة من تردٍّ في المستوى. لكن، لا شكّ في أنّ هناك إجماعًا على جوهر الإشكاليّة، وقد تحدّثنا عنها بإسهاب وبموضوعيّة، ألا وهي هذه الهوّة السحيقة التي تفصل الواقع المتخلّف الذي يعتري التلقين الكلاسيكيّ التقليديّ للّغة العربيّة حاليًّا، والثورة التكنولوجيّة والمعلوماتيّة التي أحدثت تغييرًا جذريًّا في عالم الثقافة، وكانت التربية واللغة والمتعلّمون ضحاياها.

أخيرًا، نكرّر أنّ إنقاذ اللغة العربيّة ممّا تعانيه من عللٍ، مهمّ وملحّ جدًّا في لبنان، لكنّ الأولويّة تبقى للاستقرار الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسياسيّ، وتاليًا التربويّ.

 

المراجع

زين الدين، سلمان. (آب 2014). اللغة العربيّة التعلّميّة بين الواقع والمرتجى. المجلّة التربويّة في لبنان، 56، ص.42-46.