هل التعليم إلّا شامل؟
هل التعليم إلّا شامل؟

يصدر عدد منهجيّات الثالث والعشرون مع طلوع شمس سنة جديدة، نبثّها كلّ أمل ما زلنا نقدر عليه، كون الأمل سلاحنا الأوحد: 

منهجيّات تتوجّه إلى كلّ طالب وطالبة، ومعلّم ومعلّمة، وإداريّ وإداريّة، ومهتمّ بالشأن التربويّ ومهتمّة، والأهل المهجوسين بمستقبل أليَق بأبنائهم وبناتهم... بأجمل أمل بأجمل غد؛ نرومه جميعًا لأنّنا شعب هذه الأرض الطيّبة التي تنبت أغراسًا أصيلة تستحقّ الحياة، في ظلّ التغوّل والموت النهم الذي يحيط بنا. 

ملفّ هذا العدد كان مفاجأة لنا، إذ لم نتوقّع هذه المشاركة الكثيفة في ملفّ يتناول "التعليم الشامل: طرائق وتجارب واستراتيجيّات". والواضح أمامنا أنّ الموضوع ليس غائبًا عن بال التربويّات والتربويّين، بل كان أمرًا حيويًّا قدّم فيه المشاركون خبرات فريدة في ممارسة التعليم الشامل الذي لا يستثني متعلّمًا من أيّ جهة، أكان على مستوى الدمج لذوي الصعوبات التعلّميّة والإعاقات الجسديّة، أو على مستوى تفاوت الثقافات، أو الأعمار، أو اللغات، أو المستويات، أو أيّ تمييز لمتعلّم في الصفّ الواحد. 

من هنا، يمكن لنا براحة أن نقول إنّ ملفّ العدد سيشكّل مرجعًا مهنيًّا لا يمكن القفز فوقه لأيّ مهتمّ بشأن التعليم الشامل، أو العدالة التعليميّة، أو الدمج في التعليم. وهذا أمر نفخر به من المستوى الأوسع من الذاتيّة: هو فخر بثقة التربويّات والتربويّين العرب بمنهجيّات - مجلّة وموقعًا – بوصفها المنصّة التي تحمل همّ تطوير التعليم العربيّ، والدفاع عن أصليّته، والنحو باتّجاه الدفع الدائم إلى تأصيله. 

وبالعودة إلى موضوع الملفّ، والذي قدّمنا فيه تأطيرات نظريّة للتعليم الشامل، وعرضنا فيه عددًا كبيرًا من الممارسات والطرائق والاستراتيجيّات التربويّة، وصولًا إلى تناول دور كلّيّات التربية وإعداد المتعلّمين في هذا الشأن؛ فإنّنا نطرح السؤال البديهيّ:  

هل يكون التعليم تعليمًا إن لم يكن شاملًا؟ هل من المقبول أن يستمرّ "تعليمٌ" من غير سماع صوت أنين طالب تُرك معانيًا وحده ووُسِم بـ"علامة رسوب"، أو الإنصات إلى أنين صمت متعلّم آخر، هُجِر لتمييزه بفعل وضع لم يختره؟ هل هناك تعليم لا يعامل كلّ المتعلّمين بعدالة؟ 

هذا السؤال يدفع النقاش إلى مستوى المسؤوليّات؛ فعلى الرغم من تقديرنا لكلّ معلّمة أو معلّم مبادرين إلى الشمول في التعليم، ولكلّ مؤسّسة تربويّة تعمل جاهدة على تبنّي الشمول في تعليم طلّابها، ومساعدة معلّميها على التأهيل المهنيّ الذي يتناسب مع رؤيتها، وتقديم الدعم اللوجست والعمليّ اللازم لتسهيل مهمّتهم؛ إلّا أنّ الأمر يتعدّى قدرة المبادرات الفرديّة، والتي للأسف لا يمكن تطبيقها إلّا في المؤسّسات ذات القدرة الماليّة السامحة بذلك. وهذا يترك الكمّ الأعظم من الطلّاب خارج هذا التوجّه التربويّ الذي اعتبرناه التعليم بحدّ ذاته. 

إذا كان التعليم لا يستقيم إلّا بشموليّته لتحقيق العدالة التعليميّة لكلّ متعلّم، فالمسؤوليّة الأساس تقع على كاهل راسمي السياسات في الدوائر العُليا. هي المسؤولة عن وضع النظم والمناهج والاستراتيجيّات التي تحقّق هذه العدالة. وهي المسؤولة عن تأهيل المعلّمين في هذا الإطار، وتقديم الدعم اللازم لتسهيل مهامّهم. وهي المسؤولة عن تأمين الظروف المناسبة لتحقيق هذا التعليم، بتأمين العدد الكافي من المدارس لمنع الاكتظاظ في الصفوف، ولمنع تفاوت الأعمار، ولجعل المعلّم يصل إلى شيء من العدالة على مختلف الصعد، والتي تتيح له تحقيق العدالة التعليميّة بدوره لمتعلّميه.  

التعليم الشامل لا يمكن أن يكون استراتيجيّة انتقائيّة لمن استطاع إليها سبيلًا؛ هو قناعة راسمي السياسات أن لا مستقبل مشرقًا إلّا بتحقّق هذه العدالة، وأنّ الإنفاق عليه بسخاء أقلّ كلفة – بأشواط - من غضّ الطرف. 

في الختام، عيديّة منهجيّات لمتابعيها وشركائها في سعيها نحو تعليم عربيّ متطوّر أصليّ أصيل، كانت المزيد من التطوّر والتوسّع. وفي هذا نقدّم إليكم "بودكاست منهجيّات"، منصّة لقاء للتربويّات والتربويّين العرب بأصوات مختلفة، عسى أن تستفيدوا منها.