في خضمّ تحوّلات العالم العربيّ الرقميّة، وُلدت من فلسطين مبادرة تعليميّة غير مسبوقة تحمل اسم "سناسل: نلعبُ معًا، نتعلّمُ معًا"، لتكون أوّل منصّة عربيّة من نوعها تجمع بين المتعة والمعرفة، وتُعيد تعريف المتحف بوصفه فضاء حيًّا لا يقف عند أسوار مبانيه، بل يتمدّد إلى كلّ بيت ومدرسة وهاتف محمول. انطلقت الفكرة من رؤية استراتيجيّة للمتحف الفلسطينيّ، مفادها أنّ المتحف عابر للحدود، ومن واجبه أن يصل إلى كلّ طفل لا يستطيع اجتياز الحواجز أو قيود الوباء. كانت النتيجة مشروعًا رقميًّا تعليميًّا، بدأ تطويره أواخر سنة 2020، لتُطلَق نسخته الأولى منتصف سنة 2022، بدعم من مؤسّسات محلّيّة ودوليّة، ويُتاح مجّانًا للمدارس والعائلات في فلسطين والشتات.
استُلهم الاسم من تصميم المتحف ووظيفته، وربطه بعمليّة تعلُّم قائمة على البناء والتدرُّج؛ إذ ترتبط السناسل بالثقافة الفلسطينيّة، فهي الجدار الحجريّ الذي يبنيه الفلّاح الفلسطينيّ على حوافّ تلاله، حجرًا فوق حجر، ليوقف انجراف التربة ويحفظ خصوبة الأرض. استعار المشروع الاسم إيمانًا بأنّ التعلّم المتحفيّ يحدث بالبناء التدريجيّ والجماعيّ، إذ يضيف كلّ طفل حجره، ويحمي هويّته، ويشارك غيره في تشييد جسر معرفيّ لا ينهار.
تقدّم سناسل منظومة متكاملة من الأنشطة التفاعليّة المصمّمة بعناية لتواكب احتياجات الأطفال بين 5 و12 سنة، فتخاطب نموّهم المعرفيّ والوجدانيّ على امتداد مراحل الطفولة المبكّرة، وصولًا إلى عتبة المراهقة. ولا يقتصر ثراؤها على تنوّع الأعمار، بل يمتدّ إلى اتّساع مجالاتها، إذ تنفتح على الأدب والتاريخ والجغرافيا، وتعبر إلى الفنون والعلوم، وتتجذّر في التراث والزراعة، وتمتدّ إلى الرياضيّات وغيرها من الحقول التي تُنمّي التفكير، وتغذّي الخيال، وتُعزّز روح البحث والاكتشاف.
كما تنتظم أنشطة سناسل ضمن أربعة محاور متكاملة، تُشكّل معًا رحلة المتعلّم كاملة. يبدأ الطفل في "نستكشف"، حيث يجمع المعارف والقصص، ثمّ ينتقل إلى "نصنع" ليحوّل ما تعلّمه إلى أعمال فنّيّة وابتكارات ملموسة. بعد ذلك يخوض مرحلة "نلعب"، فيختبر تعلّمه بألعاب وتحدّيات تُرسّخ المفاهيم، وأخيرًا يصل إلى "نتواصل"، حيث يعرض نتاجه ويتبادله مع الآخرين، ليكتمل بذلك بناء السنسلة التعليميّة حجرًا فوق حجر.
أنشطة "نستكشف"
في نستكشف، يدخل الطفل إلى مخزن رقميّ غنيّ بالقصص والصور والأصوات، فيُصغي إلى مدوّنة صوتيّة من المدرسة، ويستمع إلى حكاية الصابون النابلسيّ الذي هزم الملك، ويتجوّل في جولة افتراضيّة داخل معرض "مَدى البُرتقال"، ويرافق ابن الصيّاد في رحلته من يافا إلى حيفا، ثمّ يستريح أمام زخارف الأرضيّات الملوّنة، فيعيد ترتيبها بأصابعه. هذه أمثلة فقط، فالمخزن المفتوح يضمّ عشرات الأنشطة التي تُطلق خيال المتعلّم وتُعمّق انتماءه، من دون أن تُثقله بفيض المعلومات، مع إتاحة مساحة رحبة للعب والتساؤل.
أنشطة "نصنع"
يتحوّل الطفل هنا من متلقٍّ إلى صانع فاعل؛ حيث يُسجّل أولى حكاياته في "مدوّنة صوتيّة" باستخدام هاتفه، ويُصمّم "بلاطًا شاطرًا" فيدرك مفاهيم الهندسة والتناظر، ويُعيد ترميم صورة "دالية"، فيتعلّم مفهوم الحفاظ على التراث، ثمّ يطرّز "سيلفي" على القماش، فيدمج بين التقنيّة والمهارة اليدويّة. هذه أمثلة سريعة من عشرات الأنشطة التي تُدرّب يد الصغير وعقله على التخطيط والتجريب والإتقان، فتُعلّمه أنّ المعرفة تُبنى حجرًا بعد حجر.
أنشطة "نتواصل"
في فضاء نتواصل، تتحوّل المنصّة إلى ساحة مفتوحة بلا حدود، يلتقي فيها الأطفال والمعلّمون والأهل، ليشاركوا ما أنجزوه من أعمال فنّيّة وقصص وصور وأصوات، فتستعيد فلسطين ملامحها المبعثرة في شاشات صغيرة تتناثر في كلّ بيت ومدرسة. يُعلّق الطفل رسمته على معرض الزوّار الافتراضيّ، فيتلقّى التحيّة من قريته البعيدة ومن مخيّم اللاجئين الذي لا يملك هو الآخر إلّا الهاتف المحمول، ويُسجّل اسمه في سجلّ الزوّار الافتراضيّ ليكتب بخطّ يده: "أنا أحيّي فلسطين من غزّة، وها هو جبلي يرسم نفسه على لوحتي". أمّا خريطة المتاحف الفلسطينيّة، فتُفتح له خارطة حيّة، لينقر على أيّ موقع فيرى معروضاته، ويضيف تعليقًا صوتيًّا على لوحة تراثيّة، فينتقل إلى نقطة أخرى ليقرأ قصيدة زميله. وهكذا، تتشابك الأصوات والصور في رحلة متصّلة لا يقطعها حاجز ولا انقطاع كهرباء.
أنشطة "نلعب"
يُمارس الطفل في "نلعب" ما تعلّمه من دون قيود: يُركّب ملصقات فلسطينيّة ليتعرّف إلى رموزه الوطنيّة، ويُجرّب حزّورة الحديقة فيُخضع ملاحظته للاختبار، ويُنافس أصدقاءه في "مرّنوا ذاكرتكم بالصابون النابلسيّ"، فترسخ المعلومة بالمتعة والمرح. هذا غيض من فيض عشرات الألعاب التي تُخفي التعليم خلف التحدّي والمفاجأة، فتُحوّل الخطأ إلى خطوة على طريق الصواب، واللعب إلى مساحة للتعلّم بالتجربة.





نشر في عدد (24) ربيع 2026