- - حاصلة على شهادة الدكتوراه في علاج اللغة والسمع والتخاطب، بالإضافة إلى زمالتَين لما بعد الدكتوراه (Post-Doctorate).
- - تشغل حاليًّا منصب محاضرة ورئيسة برنامج التربية الخاصّة للقب الثاني (ماجستير وشهادة تدريس) في كلّيّة تربويّة.
- تعمل في عيادة لعلاج اضطرابات اللغة والتخاطب، حيث تقدّم خدمات تشخيصيّة وعلاجيّة.
- تركّز أبحاثها على تطوّر اللغة والمهارات السرديّة لدى الأطفال الناطقين بالعربيّة، بمن فيهم ذوو الإعاقات السمعيّة أو صعوبات التعلّم.
- تشمل منشوراتها دراسات حول الأداء اللغويّ، والصرف والنحو، والتقييم عن بُعد، وثنائيّة اللغة، والفروق الثقافيّة في الأداء الاجتماعيّ-الوجدانيّ، وتعليم لغة ثانية للطلّاب العرب ذوي الإعاقات.
- نُشرت أعمالها في مجلّات علميّة دوليّة مرموقة، وشاركت في مؤتمرات أكاديميّة عالميّة لاختصاصيّي اللغة والسمع والتخاطب.
- كما شاركت في مؤتمرات دوليّة في مجال التربية والتعليم، ما يعكس مكانتها العلميّة والمهنيّة البارزة على المستويين المحلّيّ والدوليّ.
-
كيف تقدّم د. خلوب نفسها للقرّاء/ التربويّين العرب؟
خَلوب، من مدينة الناصرة. أنا أمّ لنبيل، وابنة لعائلة طيّبة داعمة. والدي "جمال قعوار" عمل في السلك الاجتماعيّ الأدبيّ، وكان معروفًا بأخلاقه النبيلة، ووالدتي معلّمة. نشأنا في بيت يؤمن بثقافة التعلّم مدى الحياة، ومن هنا تولّد لديّ فضول دائم نحو المعرفة والتعلّم. حصلتُ على درجة الدكتوراه في علاج اللغة والتواصل والسمع، وتابعت بعدها رسالتَين لما بعد الدكتوراه، وما زلت أبحث وأتعلّم حتّى اليوم. أحمل شهادة تدريس في التربية الخاصّة، إلى جانب شهادتي الإكلينيكيّة/ العلاجيّة.
اليوم أرتدي ثلاث قبّعات مهنيّة: محاضِرة ورئيسة قسم الماجستير في التربية الخاصّة في كلّيّة، أدرّس تخصّصات التربية الخاصّة، وتطوّر اللغة، والإعاقات اللغويّة، وتطوّر اللغة لدى فئات ذوي الإعاقات. كما إنّني معالِجة في عيادتي الخاصّة، متخصّصة في العمل مع أشخاص يواجهون صعوبات وتحدّيات في التواصل. إضافة إلى ذلك، أعمل في مجال الإرشاد في التعليم الشامل، من خلال مرافقة مدارس وطواقمها، مع تركيز خاصّ على ضمان انتساب الطلّاب ذوي الإعاقات انتسابًا صحيحًا، وحصولهم على حقوقهم التعليميّة والاجتماعيّة والعاطفيّة والسلوكيّة.
يشمل هذا الإرشاد الطواقم التربويّة، وأحيانًا الأهل، بهدف دعم ملاءمة المدرسة والإطار التعليميّ للطلّاب ذوي الصعوبات التعلّميّة، على المستويات السلوكيّة والاجتماعيّة والعاطفيّة والتحصيليّة. وقد عملتُ لسنوات طويلة مباشرة مع الطلّاب داخل المدارس، قبل أن يتطوّر دوري نحو إرشاد الطواقم، استجابةً للتحدّيات اللوجستيّة التي تحول دون توفير معالجين متخصّصين لكلّ طالب، وسعيًا لتقديم دعم شامل يغطّي مختلف المهارات المطلوبة.
يمثّل هذا الإرشاد إجراءً عمليًّا، ولا سيّما للمعلّمين الذين لا يأتون من خلفيّة تربية خاصّة، ويجدون أنفسهم يتعاملون مع طلّاب ذوي صعوبات تعلّم من دون موارد أو أدوات كافية، ما يشكّل تحدّيًا كبيرًا لهم. وبالتجربة، نلمس أثر هذا الإرشاد في تحسين علاقة المعلّمين بالطلّاب، وفي إدارة الصفّ بشكل عامّ.
-
ما العوامل المختلفة التي أسهمت في تشكيل اهتمامكِ بمجال اضطرابات اللغة لدى الأطفال؟
طوال الوقت كنت أفكّر في أن أعمل في مهنة تحمل رسالة في المجتمع. في البداية، راودتني فكرة دخول مجال الطبّ، لكن تبيّن لي أنّ العمل المباشر مع الجسد يشكّل صعوبة بالنسبة إليّ، وهو ما فتح أمامي أفقًا آخر: مجالًا طبّيًّا يحمل البعد الإنسانيّ نفسه، من دون أن يكون الطبّ التقليديّ بحدّ ذاته. من هنا، تعرّفتُ، عن طريق أختي "نغم" التي تعمل معلّمة تربية خاصّة، إلى مهنة العمل في مجال اضطرابات اللغة لدى الأطفال، وأُتيحت لي فرص لمشاهدات متنوّعة عن طبيعة هذا المجال وآليّات العمل فيه.
اليوم أشعر بفخر كبير بانتمائي إلى هذا التخصّص، لما يتيحه لي من إمكانيّة إحداث تغيير، حتّى وإن كان بسيطًا، في مجتمع هو في أمسّ الحاجة إلى أدوات ووسائل تساعده في التعامل مع الطلّاب ذوي الإعاقات اللغويّة، وعلى احتوائهم وشمولهم بشكل عادل. ويزداد هذا التحدّي في ظلّ النقص الواضح في الأدوات المخصّصة للطلّاب الفلسطينيّين، بحيث تكون ملائمة ثقافيًّا ولغويًّا وحضاريًّا مع واقع الطالب نفسه؛ فلا يمكن ببساطة استعارة الأدوات الجاهزة، وإن أمكن الاستفادة من النماذج، فإنّها تحتاج إلى تسييق وتخصيص دقيقَين وواضحَين.
من هنا بدأت رحلتي الأكاديميّة منذ الدرجة الأولى، باختيار أبحاث متعلّقة بالطفل العربيّ واكتساب اللغة العربيّة، على الرغم من شحّ المرشدين في هذا المجال، حرصًا منّي على الإسهام في سدّ بعض الفجوات القائمة في الحقلين العلاجيّ والتدريسيّ.
-
تناولت موضوع ازدواجيّة اللغة/ اللغة المحكيّة واللغة المعياريّة، كيف تعرّفين هذه الازدواجيّة اعتمادًا على الأدبيّات البحثيّة بهذا الصدد؟
الازدواجيّة، عمليًّا وفي المنحى التعريفيّ، تُعدّ ميزة في اللغة العربيّة، إلى جانب لغات أُخرى تتّسم بالازدواجيّة. ثمّة أبحاث ترى في ازدواجيّة اللغة حالة أشبه بوجود لغتين، بمعنى أنّ الطفل العربيّ يُعدّ ثنائيّ اللغة: يكتسب اللغة المحكيّة أوّلًا، ثمّ يتعلّم اللغة المعياريّة لغةً ثانيةً. في المقابل، تشير أبحاث أُخرى إلى أنّ المحكيّة والمعياريّة تشكّلان منظومتَين ضمن لغة واحدة، وأنّ الطفل العربيّ يولد في إطار هاتَين المنظومتَين معًا.
كما توجد أبحاث أقدم، سبقت حتّى تداول مصطلح ازدواجيّة اللغة، تنطلق من أنّ اللغة العربيّة تمثّل اللغة المعياريّة، فيما تمثّل المحكيّة مستوى أدنى منها. في هذا التصوّر، تُفهم اللغتان على أنّهما مستويان لا منظومتان، ويتجلّى ذلك في أمثلة من قبيل اضطرار المتحدّث بالمحكيّة أحيانًا إلى استقراض بعض المصطلحات. وفي الوقت نفسه، ظهرت أبحاث لاحقة تقول إنّ ما يُسمّى استقراضًا ليس كذلك فعليًّا، بل هو تواجد للمصطلحات نفسها في اللغتَين على حدّ سواء.
بناءً عليه، يمكن القول: هناك ثلاث مدارس رئيسة في تعريف الازدواجيّة. وتشير غالبيّة الأبحاث إلى أنّ الازدواجيّة قد تُشكّل تحدّيًا أمام الطالب العربيّ في الصفّ الأوّل، إذ يُطلب منه القراءة والكتابة بلغة لا يستخدمها في واقعه اليوميّ، بينما تتناول أبحاث أُخرى هذه الازدواجيّة بوصفها امتيازًا يملكه الطالب العربيّ.
-
ما المقصود بالكفاءة السرديّة؟ وما أهمّيّتها في تطوير أداء المتعلّمين اللغويّ؟
يُعدّ السرد قدرة ذهنيّة لغويّة تواصليّة، تتيح للفرد استخدام الاستدلال المنطقيّ والذاكرة ومعالجة المحفّز اللغويّ، إلى جانب القدرات اللغويّة لتحديد اللغة المناسبة للموضوع، والقدرات الاجتماعيّة التي تتجلّى في أخذ الآخر بعين الاعتبار. وبذلك، يلخّص السرد مجموعة مجالات واسعة تتكثّف فيه لغويًّا وذهنيًّا وعاطفيًّا وسلوكيًّا واجتماعيًّا.
والكفاءة السرديّة، عمليًّا، هي السرد؛ أي القدرة على سرد أحداث بشكلٍ متسلسل ومترابط من حيث المضمون، ومتماسك من حيث اللغة. وقد يكون السرد قصّة، أو إعادة قصّة، أو مشاركة بخبر، أو رواية تجربة شخصيّة عاشها المتحدّث. ولفحص الكفاءة السرديّة، نحن بحاجة إلى النظر في عدّة مركّبات:
مركّب الميكرو: يفحص اللغة من حيث عدد المفردات المُستخدمة وتنوّعها، وطول العبارات؛ هل هي جمل بسيطة أم معقّدة، وسلامة اللغة ودلالاتها، أو وجود أخطاء صرفيّة أو نحويّة. كما يشمل استعمال أساليب التقييم، مثل تقييم الشخصيّات واستخدام مفردات التقييم (يفكّر، يعتقد، يحسّ، خاف، هرب...)، وهي كلمات تصف ما يدور في عقل الشخصيّات ومشاعرها وميولها أثناء السرد، وتُدخل المستمع إلى معرفة بالحالة الشعوريّة الواعية عند السارد. ويُضاف إلى ذلك قياس إثراء السرد بالتفاصيل، وفقًا لمدى معرفة المتحدّث بالحدث، أو استخدام مفردات مجازيّة تعبّر عن الحالة.
أمّا مركّب الماكرو، فيتعلّق بشكل السرد وتسلسل الأحداث الزمنيّ، ويشمل الترابط الذي يحافظ على المضامين، وذلك عن طريق استخدام مفردات تربط بين الجمل.
وقد تبيّن أنّ الكفاءة السرديّة مهمّة جدًّا، إذ وُجدت علاقات بين قدرات السرد والتحصيل الأكاديميّ لدى الطلّاب، وكذلك بين قدرات السرد والقدرات الاجتماعيّة العاطفيّة. وتجدر الإشارة إلى أبحاث عديدة تُظهر أنّ القدرات السرديّة للطالب في مرحلة البستان (المرحلة الأولى في الروضة)، تتنبّأ بتحصيله الأكاديميّ في المرحلة الثانويّة. وبطبيعة الحال، تؤثّر العوامل الاجتماعيّة في ذلك؛ فنحن مجتمعات تشاركيّة يجلس فيها الطفل إلى جانب جدّه، فيسرد الجدّ قصّة. ومن هنا، تبرز أهمّيّة إعطاء الطفل مساحة ليعيد سرد القصّة، أو ببساطة ليحكي ما جرى معه خلال يومه.
وهنا أودّ الإشارة إلى ضرورة إتاحة مساحات للأطفال أو الطلّاب الذين يعانون صعوبات تعلّميّة، لمساعدتهم في السرد، بالانطلاق من أسئلة بسيطة، مثل المكان والزمان. ومن المهمّ أيضًا الإشارة إلى أنّ المهارات المبنيّة على التواصل، أو القائمة على المشاريع، تُشكّل ضرورة لتطوير مهارات السرد والتواصل لدى الطلّاب. فبواسطة هذه المشاريع والتواصل واللعب، يمكن للطفل فهم مشاعر صديقه، واحترام دوره، واستكشاف أسلوبه في اللعب وغيرها. لذا، من الضروريّ إعادة النظر في فتح مساحات أوسع للتواصل واللعب، لما لذلك من دور في تطوير المهارات الاجتماعيّة والعاطفيّة.
-
ما أبرز الفروق اللغويّة بين الأطفال السامعين والأطفال الصمّ أو ضعاف السمع بناءً على نتائج أبحاثك؟
بناءً على بحث قمتُ به مع طلّاب صمّ وعسيري سمع (فئة أولى)، وطلّاب سامعين (فئة ثانية)، متشابهين من حيث الجيل والقدرات العقليّة، وفي جيل المراهقة، طُلِب إلى الطلّاب سرد قصّة شخصيّة اختبروا فيها خطرًا، اعتمادًا على محفّز ويليام لابوف. وكانت النتائج على النحو الآتي: من المنحى الميكرو، كان لدى الطلّاب السامعين سرد أطول مقارنةً بعسيري السمع والصمّ. ولوحظ في سرد عسيري السمع والصمّ وجود أخطاء صرفيّة ونحويّة بنسبة أعلى من السامعين. كما استخدم السامعون جملًا معقّدة، مقابل جمل أكثر بساطة لدى عسيري السمع والصمّ. كذلك وُجدت فروق في أساليب التقييم؛ إذ استعمل السامعون تعبيرات مجازيّة، وأظهروا تعاطفًا بدرجة أكبر، مقارنةً باستعمال أقلّ لهذه الأساليب لدى عسيري السمع والصمّ. كما لوحظ استعمال أكبر لمفردات من اللغة المعياريّة لدى السامعين مقارنةً بعسيري السمع.
أودّ في هذا السياق العودة إلى المحفّز، والذي تمثّل في طلب سرد حديث مرّ به الطالب في تجربة خطر، إذ لوحظ أنّ جميع الطلّاب، عسيري السمع والصمّ والسامعين، اختاروا اللغة المحكيّة للتعبير، ما يعكس انتماءهم اللغويّ.
وبطبيعة الحال، ترتبط هذه الخلاصات بعدم الوفرة في السماع الطبيعيّ للغة منذ الطفولة، سواء من حيث التنويع أو الكمّ، الأمر الذي أثّر في هذه الصعوبات وانعكس في السرد. كما لا بدّ من الإشارة إلى تأثير هذه الصعوبات في الاستنتاج. ففي البحث المشار إليه، حصل الطلّاب عسيرو السمع والصمّ على التقويم السمعيّ في مرحلة مبكّرة، ونتيجةً لذلك لم تكن هناك فروقات بينهم. غير أنّ العامل الجوهريّ يظلّ في أثر نقص المكنوز اللغويّ منذ الطفولة. ولا أستطيع التعميم هنا، لكن من خلاصات البحث، يظهر أنّ الأهل يتحدّثون أقلّ مع الطفل عندما يدركون أنّه عسير سمع، في حين يُفترض أن يكون الحديث معه كما لو كان طفلًا سامعًا.
وهنا أودّ الإشارة إلى خلاصة مجموعة من البحوث التي نفت رأيًا قديمًا، مفاده أنّ الطفل من ذوي الإعاقات اللغويّة إذا تعلّم لغتَين، ينبغي إيقاف إحداهما. وأثبتت الابحاث أنّ ثنائيّة اللغة لدى الطفل من ذوي الإعاقات اللغويّة تُعدّ امتيازًا؛ إذ تُكسبه قدرات لغويّة أعلى، مقارنةً بطفل لديه الإعاقة ذاتها ويتعلّم لغة واحدة. وبالتالي، فازدواجيّة اللغة أو ثنائيّتها تمنح الطفل، حتّى وإن كان من ذوي الإعاقات اللغويّة، امتيازًا ذهنيًّا وعقليًّا ولغويًّا.
-
ركّزت في العديد من أبحاثك على التعليم الدامج، ولا سيّما مع الأطفال ضعيفي السمع، ما أبرز خصائص هذا التعليم؟ وما أشدّ تحدّياته؟
من المهمّ تقريب الطفل عسير السمع أو الأصمّ من المعلّم في الغرفة الصفّيّة، لأنّه يعتمد على تركيز حواسّه الأُخرى لمتابعة الشرح. كما إنّ الثبات في حركة المعلّم يُعدّ ضروريًّا لإتاحة الفرصة لقراءة الشفاه، إلى جانب انتباه المعلّم لعدم الحديث أثناء الكتابة على السبّورة، على سبيل المثال. ومن الضروريّ أيضًا تعزيز الصفّ بأجهزة إتاحة سمعيّة، تُمكّن الطالب من استخدام سمّاعة موصولة بميكروفون لدى المعلّم، فيسمعه بوضوح من دون تأثّر بالفوضى السمعيّة داخل الصفّ. كذلك يُستحسن دعم الصفّ ببيئة دامجة، كأن يكون صفًّا هادئًا، وضبط صوت المكيّف لئلّا يُحدث تشويشًا، واختيار نوع أرضيّة لا تتفاعل مع أصوات الكراسيّ، بما يبني مجتمِعًا يعزّز بيئة الصفّ.
إضافةً إلى ذلك، يبرز دور الطاقم التدريسيّ في الاهتمام بالطالب بإجراء مواءمات تعليميّة وبرامجيّة مخصّصة له، إلى جانب العناية بالجوانب السلوكيّة والعاطفيّة والتواصليّة، إذ قد يفسّر الطالب عسير السمع بعض الظواهر بطريقة مختلفة. ومع إدراك التحدّيات الكبيرة التي تواجه المعلّم، ولا سيّما غير المتخصّص في التربية الخاصّة، نجد أنّ أبرز خصائص هذا التعليم ينبع من تحدّياته المرتبطة بظروف بيئيّة خاصّة. وبعد ذلك، يعمّق فهم هذه الخصائص الوعي بالتحدّيات، ويشكّل أساسًا صلبًا لملاءمة الأدوات التعليميّة.
-
هل ينال هؤلاء الأطفال الاهتمام الكافي في مدارس فلسطين التاريخيّة برأيك؟ ماذا ينقص؟
نظريًّا، يحصل الطلّاب على حقوقهم من حيث عدد ساعات علاجيّة معيّنة أو تنسيب ملائم، غير أنّ التطبيق يتعثّر بسبب نقص الموارد والمعالجين والأطر والميزانيّات. وهذا النقص ليس عارضًا، بل هو مدروس؛ فالميزانيّات غير متساوية، وعدد الطلّاب في الصفوف كبير، بما يتجاوز طاقة المعلّم في صفّ يحتاج فيه كلّ طالب إلى تعليم واهتمام فرديَّين، حتّى نستطيع القول إنّ هذا التعليم ناجع. وأحيانًا يكون المُعالج، وهذا حقّه، بحاجة إلى العمل على شخصيّته وكينونته واكتساب الخبرة في التعليم بشكل عامّ، ومن ثمّ الاستكمال في مجال التعليم الشامل، فلا يكون متفرّغًا تمامًا للعمل مع الطلّاب، وهو أمر ناتج عن عدم حصوله على الموارد التي يستحقّها.
بشكلٍ عامّ، هناك ثلاثة أنواع من التنسيب: الأوّل أن ينتسب الطفل من ذوي الصعوبات إلى مدرسة خاصّة بالإعاقة نفسها، والثاني أن يكون التنسيب على مستوى الصفّ، بحيث يكون الصفّ مخصّصًا للإعاقة نفسها في مدرسة عاديّة، أمّا الثالث فالتنسيب الفرديّ، أي أن يدرس الطفل من ذوي صعوبات التعلّم في صفّ عاديّ في مدرسة عاديّة. هذا التقسيم مطبّق نظريًّا، ويعود القرار النهائيّ للأهل، بينما يقدّم الطاقم المهنيّ توصياته، ومع بدء انتساب الطفل يبدأ بالحصول على حصّته من العلاجات، إن وُجدت، وفق ما ذُكر سابقًا.
أمّا على مستوى تجربتي الشخصيّة في المجتمع العربيّ، فما تزال هناك صعوبة في تقبّل الطفل من ذوي الإعاقة؛ إمّا رفضًا مباشرًا أو تقبّلًا قائمًا على التعاطف، وهو تعاطف يعكس بدوره صعوبة التقبّل الحقيقيّ. هذه النظرة بحاجة إلى تغيير جذريّ نحو اعتبار الطفل طالبًا له حقّ، بما في ذلك حقّه في ملاءمة المنهاج. ولا أنكر أنّ تقدّمًا كبيرًا حصل في المجتمع، إلّا أنّنا ما زلنا بحاجة إلى عمل أعمق على التقبّل والملاءمة. والحقيقة أنّ جزءًا من هذا التطوّر يعود إلى تراجع حدّة التنافس بين المدارس، ما جعلها أكثر انفتاحًا على قبول الأطفال من ذوي صعوبات التعلّم، إلى جانب وجود ترابط اجتماعيّ قويّ وملهم.
أحبّ كثيرًا أن يكون التعليم الشامل إطارًا يبدأ منذ الحضانة، لكنّ هذا ليس الواقع القائم. لذلك، هناك حاجة إلى تحضير الأطفال ضمن إطار خاصّ، ثمّ إدماجهم لاحقًا في الإطار الشامل. وهنا ينبغي الانتباه إلى مسألة منهجيّة مهمّة، وهي أنّ دراسة ذوي الإعاقات على أيدي باحثين من غير ذوي الإعاقة، تُعدّ أيضًا عاملًا محدِّدًا. كثيرًا ما أفكّر في نصيحة مكثّفة قالها طبيب أعصاب لصبيّة من ذوي الإعاقة: "الابتعاد عن البيئة السامّة". علينا أن ننتبه ألّا يكون البيت، أو نظرة الأهل، أو الإطار، أو البيئة التي يوجد فيها الطفل، مساحة سامّة غير داعمة.
من هذا المنطلق، فإنّ التعليم الشموليّ يُعدّ خيارًا وضرورة في آنٍ واحد، لأنّه يتيح تنسيب الطالب من ذوي الإعاقة إلى التعليم العامّ، مع ملاءمة المنهاج التحصيليّ والاجتماعيّ والعاطفيّ والسلوكيّ، بما يستجيب لاحتياجات الطالب المنتسب.
-
كيف ترين تطوّر تعليم العربيّة في العالم العربيّ، لا سيّما وأنّ معظمه يزاوج بين خصوصيّة اللغة والاتّجاهات الحديثة/ المترجمة في تطوير المناهج والوسائل التعليميّة؟
التعليم العربيّ اليوم يمرّ بمرحلة مركّبة، تتداخل فيها الفرص مع التحدّيات. عمليًّا، توسّع البحث في مجال اللغة العربيّة، وبات هناك وضوح أكبر داخل المؤسّسات التربويّة حول مفاهيم أساسيّة، مثل ازدواجيّة اللغة وخصائصها، والصعوبات التي يمرّ فيها الطالب، والفجوة بين المعياريّة والمحكيّة. ويُعدّ هذا التطوّر بحدّ ذاته امتيازًا.
في المقابل، ترتبط التحدّيات بطبيعة المناهج المعتمدة اليوم، ولا سيّما تلك القائمة على المشاريع أو على المنهج التواصليّ؛ إذ تحمل في كثير من الأحيان ضعفًا لغويًّا، كونها مترجمة في الأصل، وغير ملائمة للسياق العربيّ ثقافيًّا واجتماعيًّا. ويبرز تحدٍّ آخر يتمثّل في التكنولوجيا، فالطفل العربيّ اليوم معرّض إلى أجهزة متعدّدة يكتسب منها اللغة الإنجليزيّة بوتيرة أعلى من اكتسابه اللغة العربيّة. ويزداد هذا الأثر في بعض مناطق العالم العربيّ، حيث يكتسب الطفل اللغة من المربّية لا من الأهل، فتغدو لغة أجنبيّة بالنسبة إليه.
كما تؤثّر العولمة بشكل واضح في اللغة والمشهد اللغويّ العامّ، ويظهر ذلك مثلًا في اللافتات، إذ لم يعد الفضاء العامّ عربيًّا من حيث المضمون.
أمر آخر يجدر التوقّف عنده، وهو مسألة النشر البحثيّ؛ إذ تُقدَّم البحوث المنشورة باللغة الإنجليزيّة على أنّها أعلى مستوى من تلك المنشورة بالعربيّة، وهو أمر غير دقيق بالضرورة، وكأنّ إتقان الإنجليزيّة بات شرطًا دائمًا للاعتراف بالبحث العلميّ. من هنا، تبرز الحاجة إلى تعزيز اللغة العربيّة في هذا السياق.
خلاصة القول إنّ هناك فجوة لغويّة بين اللغة اليوميّة والمنهاج ولغة التواصل، وهو تحدٍّ يعيد طرح السؤال الجوهريّ: إلى أين نريد أن نتّجه بلغتنا وتعليمنا؟
-
ما الذي تحلم د. خلوب به على مستوى التعليم في العالم العربيّ؟
شكرًا على هذا السؤال. أتمنّى أن أجمع حلمي وحلم كلّ إنسان يحبّ مجتمعه ووطنه في كتاب.
أحلمُ بنهضة تربويّة عربيّة إنسانيّة وعلميّة في آنٍ، يكون فيها التعليم أداةً لبناء الإنسان، لا مجرّد نقل للمعرفة. أحلم بتعليم يضع الإنسان في المركز ويحترم كرامته، ويحترم كرامة الطالب وهويّته وثقافته، ويرى الاختلاف قيمةً لا عائقًا؛ قيمة تربويّة واجتماعيّة وتعلّميّة. ففي الأساسيّات نتوحّد، وفي الثانويّات نمتلك امتياز الاختلاف.
أحلم بعلم يربط المعرفة بالحياة، لا يكتفي بالامتحان فحسب. أحلم بتعليم عربيّ ينطلق من خصائص اللغة، وتعليم ينمّي التفكير لا التلقين. أحلم بمدرسة تدمج التفكير النقديّ والسرد والتعبير عن المشاعر والقدرة على طرح الأسئلة، وترى في الخطأ فرصة للتعلّم، لا وصمة فشل. أحلم بتعليم عادل وشامل يوفّر لكلّ الطلّاب حقوقهم العادلة، ويوفّر دمجًا حقيقيًّا مدعومًا لغويًّا وتربويًّا. الخلاصة، أحلم بتعليم يحرّر العقل، ويحفظ الهويّة، ويعدّ الإنسان قادرًا على الفهم والحوار والمشاركة في بناء المجتمع، وأخذ دور فاعل في تشكيل العالم.




نشر في عدد (23) شتاء 2026