- أستاذ في علم النفس التربويّ والتربية الخاصّة، وأستاذ زائر في جامعة كامبريدج.
- يشغل منصب رئيس المجلس العالميّ للأطفال الموهوبين والمتفوّقين (WCGTC)، والرئيس السابق لدائرة التربية في الجامعة الأمريكيّة في بيروت (2015-2018).
- منسّق برنامج الدراسات العليا في الإرشاد والتوجيه المدرسيّ منذ سنة 2012، ومنسّق برنامج التربية الخاصّة منذ سنة 2006.
- أنهى درجتَي الدكتوراه والماجستير في علم النفس التربويّ والتربية الخاصّة (تربية ذوي الخصوصيّة المزدوجة) من جامعة كامبردج، والماجستير في التربية الخاصّة والبكالوريوس في علم النفس من الجامعة الأردنيّة، إضافة إلى دبلوم في صعوبات التعلّم من كلّيّة الأميرة ثروت التابعة لجامعة البلقاء التطبيقيّة.
- عمل باحثًا زائرًا في مركز رينزولي الدوليّ للموهبة والتفوّق والإبداع في جامعة كونيتيكت (2018-2019).
- زميل زائر للأكاديميّة البريطانيّة في كلّيّة التربية في جامعة كامبردج سنة 2010، وزميل زائر في كلّيّة التربية وكلّيّة فيتسوليام في جامعة كامبردج (2025-2026).
- باحث زائر في كلّيّة الدراسات الاجتماعيّة المتقدّمة (SASS) في سلوفينيا (2017)، وفي كلّيّة التربية في جامعة أدنبرة (2017).
- نشر أبحاثه في مجلّات عالميّة رائدة في التربية الخاصّة وتربية الموهوبين وعلم النفس، وله خمسة كتب منشورة:
- 1. نظريّات وبرامج في تربية المتميّزين والموهوبين، (دار الشروق، 1999).
- 2. اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه في المدارس اللبنانيّة: التشخيص والتقويم والعلاج، (Springer, 2016).
- 3. تربية الموهوبين في المدارس اللبنانيّة: تكامل النظريّات والأبحاث والممارسات، (2018 ,Springer).
- 4. خدمة الفئات المستضعفة والمهمّشة في السياقات الاجتماعيّة والتعليميّة، (2023 ,Springer).
- 5. الدمج المدرسيّ في لبنان: دمج الأبحاث حول الطلّاب الموهوبين وذوي صعوبات التعلّم في الممارسة العمليّة، (Frontiers, 2024).
- عضو منتخب في اللجنة التنفيذيّة للمجلس العالميّ للأطفال الموهوبين والمتفوّقين.
- ترأّس مشاريع تربويّة برعاية اليونيسف، والأونروا، واليونسكو، والأكاديميّة البريطانيّة، والوكالة الأمريكيّة للتنمية الدوليّة، والبنك الدوليّ، والاتّحاد الأوروبّيّ، ومعهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدوليّة، ومؤسّسة التعاون، كما عمل استشاريًّا لدى مؤسّسة الأصفريّ ومركز الالتزام المدنيّ وخدمة المجتمع في الجامعة الأميركيّة.
- يعمل مستشارًا أكاديميًّا مشاركًا في تأسيس مبادرة الشرق الأوسط للتعلّم الاحترافيّ، في كلّيّة الدراسات العليا في التربية في جامعة هارفارد.
نبدأ الحوار بتقديمك الشخصيّ لأنيس الحروب: الأكاديميّ التربويّ الإنسان، وكيف تشكّلت رحلته الأكاديميّة في علم النفس التربويّ والتربية الخاصّة.
يمكنني أن أعرّف بنفسي بأنّني نشأت في أسرة قرويّة متعلّمة ومتوسّطة الحال، من قرية وادي فوكين، إحدى قرى غرب بيت لحم، تقع بجانب حوسان وبتّير. ويُقال إنّ اسمها ذو أصل يونانيّ/ لاتينيّ بمعنى "وادي الشوك". وتضمّ القرية بقايا كنيسة يعود تاريخها إلى ما يقارب 1600 عام، ما يدل على عمق التاريخ الراسخ لشعبنا ووجودنا في المكان.
أثناء حرب سنة 1967، كان والدي في بيروت، حيث كان يخضع للامتحانات النهائيّة لنيل درجته الجامعيّة في جامعة بيروت العربيّة. ومع تطوّر الأحداث، ومرورنا بفترة قصيرة من الإقامة في مخيّم الدهيشة، وجدنا أنفسنا ننتقل إلى الأردنّ.
وُلدت في مدينة الزرقاء، ولذلك لم أرَ فلسطين، بينما وُلد أخواي الأكبران، خالد ونجاح، في بيت لحم. نشأت في الأردنّ، ودرست في مدارس الأونروا، مثل إخوتي وأخواتي وأبناء العائلة جميعًا تقريبًا. عائلتنا كانت وما تزال موزّعة بالتساوي بين فلسطين والأردنّ. بعد ذلك التحقت بالجامعة الأردنيّة، حيث درست علم النفس، ثمّ حصلت على درجة الماجستير في التربية الخاصّة، إضافة إلى دبلوم في صعوبات التعلّم من كلّيّة الأميرة ثروت في جامعة البلقاء التطبيقيّة. وبعد انتهاء الدراسة، باشرت عملي معلّمًا مدّة أربع سنوات في المدرسة الإنجليزيّة الحديثة، حيث عملت في مجال صعوبات التعلّم. في تلك الفترة، كان اهتمامي منصبًّا أيضًا على الموهبة والتفوّق.
وفي عملي، لاحظت أنّ العديد من الطلبة ذوي صعوبات التعلّم يمتلكون مواهب واضحة، ما دفعني إلى التفكير في النظرة النمطيّة السائدة التي تربط صعوبات التعلّم بالتأخّر أو العجز. رفضت هذه الفكرة، وبدأت العمل على مشروع كتاب باللغة العربيّة حول الطلبة الموهوبين المتفوّقين، والذي نُشر سنة 1999 عن دار الشروق، وكان عمري حينها نحو 23 أو 24 عامًا. كما تقدّمت بمقترح بحثيّ إلى جامعة كامبريدج لدراسة موضوع الطلبة الموهوبين ذوي صعوبات التعلّم (Dyslexia). وقد فوجئت حينها بقبول واسع للفكرة، على الرغم من أنّ هذا المجال لم يكن يحظى باهتمام بحثيّ كافٍ، بل كانت هناك نظرة تشكّك أصلًا بوجود هذه الفئة، باعتبار الجمع بين الموهبة وصعوبات التعلّم أمرًا غير ممكن.
أمّا عن سبب توجّهي إلى قطاع التربية، فقد نشأت في أسرة تربويّة، فوالدي عمل معلّمًا في أكثر من بلد، منها السعوديّة والمغرب والإمارات، وإخوتي جميعهم يعملون في المجال التعليميّ. بدأت بدراسة علم النفس، ثمّ وجدت أنّ أقوى الروابط وأكثرها عمقًا الرابط بين علم النفس والتربية.
أرى أنّ علم النفس من أهمّ التخصّصات وأوسعها، لتداخله مع مجالات عديدة، مثل التسويق والاقتصاد وعلم الاجتماع والحرب والتربية. وقد وجدت في التربية مساحة ممتعة وأوسع للتفكير والنقاش وتعدّد وجهات النظر، بعيدًا عن الحسم المطلق. ومع أنّ خلفيّتي كانت من تخصّص علميّ، إلّا أنّ شخصيّتي تميل إلى مساحات تعدّد الآراء وتنوّع التوجّهات. لم أكن مقتنعًا دائمًا بمنطق أنّ واحدًا زائد واحد يساوي اثنين بصورة مطلقة، وهذا التصوّر ما زلت أطبّقه في تدريسي حتّى اليوم. كثيرًا ما أقول لطلّابي: واحد زائد واحد ليس بالضرورة أن يساوي اثنين دائمًا، فتبدأ النقاشات حول الفكرة. ولتوضيح المقصود، أقدّم إليهم مثالًا بسيطًا: أحضر معجونتين، وأقول هذه واحدة وهذه واحدة، فإذا جمعناهما، هل تصبحان اثنتين؟ يجيبون: بل تصبحان واحدة. وهنا أوضح لهم الفكرة: ليس كلّ شيء في الحياة قطعيًّا أو حاسمًا، فهناك سياقات ومعانٍ مختلفة. العالم ليس دائمًا قائمًا على الأحكام المطلقة، بل يتضمّن مساحات رماديّة تستحقّ التفكير والحوار.
بعد كلّ هذه البدايات، هل لديك أيّ ندم على هذا الطريق؟
أبدًا، على العكس تمامًا. حتّى اليوم أرى أنّ هذا المسار كان ثريًّا ومُلهمًا. بل إنّ بناتي يدرسن علم النفس، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهذا أمر يسعدني كثيرًا. أحيانًا يمزحن بأنّي لا أتوقّف عن الحديث في علم النفس، ليس معهنّ فقط، بل مع أيّ شخص قريب منّي، وذلك لشدّة شغفي بعلم النفس وعلم النفس التربويّ، وارتباطهما العميق بمجال التربية.
لقد اكتشفت في هذه المهنة أنّ التربية مجال واسع بصورة مدهشة، وقابل للتشعّب في اتّجاهات معرفيّة وإنسانيّة كبيرة. يمكن للباحث أن يعمل في التربية المقارنة، فيدرس الفروق بين الجامعات، أو المؤسّسات، أو حتّى بين الدول وثقافاتها التعليميّة. ويمكنه أن يتناول مراحل التعليم المختلفة: ما قبل المدرسة، وأثناءها، وما بعدها. بل إنّ مفهوم المدرسة نفسه لا ينبغي أن يُحصر في الإطار الفيزيائيّ أو المكانيّ فقط، فالتعليم أوسع بكثير من حدود المدرسة التقليديّة، وهو فضاء ممتدّ يتجاوز الشكل المادّيّ للمؤسّسة التعليميّة.
لاحقًا، واصلت دراستي في جامعة كامبريدج، حيث حصلت على درجة الماجستير ثمّ الدكتوراه في التربية الخاصّة، مع تركيز محدّد على الموهوبين من ذوي صعوبات التعلّم. أمضيت هناك نحو خمس سنوات في الدراسة والبحث. بعد ذلك التحقت بالجامعة الأمريكيّة في بيروت أستاذًا مساعدًا في التربية الخاصّة وعلم النفس التربويّ. في لبنان يُستخدم مصطلح "التربية المختصّة" للدلالة على هذا المجال.
ومنذ ذلك الحين، تدرّجت أكاديميًّا وإداريًّا؛ فتولّيت رئاسة دائرة التربية، ونلت درجة الأستاذيّة، وكنت أستاذًا زائرًا في جامعة كامبريدج أكثر من مرّة، من بينها أستاذ زائر للأكاديميّة البريطانيّة في جامعة كامبردج، إضافة إلى كوني أستاذًا زائرًا في جامعة كونيتيكت، والتي تُعدّ من أبرز المراكز العالميّة في مجال تربية الموهوبين، ومرتبطة بمركز رنزولي المعروف في هذا التخصّص.
انُتخبتُ في العام الماضي رئيسًا للمجلس العالميّ للأطفال الموهوبين والمتفوّقين، وهو من أقدم المنظّمات العالميّة المتخصّصة في هذا المجال وأكبرها، والمعنيّ بتطوير المعرفة والسياسات والممارسات المرتبطة بتربية الموهوبين والمتفوّقين.
كنتَ قد تحدثت عن تجربة تدريس لمدّة أربع سنوات في مدرسة في عمّان، أليس كذلك؟ وهل اقتصرت علاقتك بالتعليم المدرسيّ على تلك السنوات الأربع، أم كانت هناك تجارب أخرى مع المدارس، حتّى خلال عملك في الجامعات؟
نعم، درّستُ في المدرسة الإنجليزيّة الحديثة (New English School). وفي الواقع، كانت هناك تجربة مهمّة خلال فترة دراستي في كامبريدج. أثناء وجودي هناك طالبًا، فقد بادرتُ إلى تأسيس مدرسة عربيّة. كان الدافع بسيطًا: كنتُ أريد أن أفيد وأستفيد في الوقت نفسه، خصوصًا أنّني لم أكن حاصلًا على منحة كاملة، بل على نصف منحة تقريبًا، ما استلزم منّي العمل في مجالات متعدّدة، من بينها التدريس.
قمتُ بإعداد ملصقات وتعليقها في كلّيّات كامبريدج للإعلان عن افتتاح مدرسة لتعليم اللغة العربيّة، بالتعاون مع عدد من الطلبة. كنتُ قد أحضرتُ معي المنهاج الأردنيّ من الأردنّ، وقلت: "من يرغب في تعلّم العربيّة، سنقوم بتعليمه". وبالفعل، وجدنا إقبالًا لافتًا؛ إذ سجّلت 16 عائلة أبناءها، وكان لدينا 16 طالبًا من العرب وغير العرب، تتراوح أعمارهم بين ستّ سنوات ونحو أربع عشرة سنة أو أكثر قليلًا. واستمرّت المدرسة لمدّة أربع سنوات، حتّى موعد مغادرتي.
في البداية، كان مقرّها في "ولفسون كولج"، ثمّ نقلناها لاحقًا إلى "فيتزويليام كولج"، وهي الكلّيّة التي أنتمي إليها. وقدّمت لنا الكلّيّة دعمًا مشكورًا، إذ وفّرت صفّين مجّانًا. بالنسبة إليهم، عُدّ هذا النشاط إضافة ثقافيّة مميّزة، حتّى إنّهم أدرجوه ضمن الملفّ التعريفيّ للكلّيّة بوصفه نشاطًا ثقافيًّا.
وماذا كنتم تدرّسون تحديدًا؟ هل كان التركيز على اللغة العربية فقط؟
نعم، كان التركيز على تعليم اللغة العربيّة، ولكن بروح ثقافيّة ومنهج غير مؤدلج، بعيدًا عن أيّ توجّه دينيّ أو أيديولوجيّ. كان هناك عطش حقيقيّ لدى كثير من العائلات لأن يتعلّم أبناؤهم العربيّة في إطار ثقافيّ مرن.
اعتمدنا على القصص والأدب بوصفهما مدخلًا أساسيًّا للتعليم. قسّمنا الطلبة إلى مجموعات بحسب مستوياتهم اللغويّة؛ فبعضهم بدأ من الحروف، وآخرون عملوا على قراءة القصص، بينما ركّزت مجموعات أخرى على الكتابة والتعبير. ومع توسّع التجربة، انضمّ إليّ أكثر من مدرّس للعمل معي وفق المستويات المختلفة.
ما كان لافتًا في تلك التجربة أنّ العائلات لم تنظر إليها فقط بوصفها برنامجًا تعليميًّا، بل فضاء ثقافيّ جامع. صحيح أنّ التقدّم اللغويّ لم يكن سريعًا دائمًا، بحكم هيمنة اللغة الإنجليزيّة على البيئة المحيطة، إضافة إلى أنّ التدريس كان مرّة واحدة أسبوعيًّا، يوم الأحد، ولساعتين أو ثلاث، لكنّ القيمة الحقيقيّة كانت في خلق جوّ ثقافيّ حيّ يجمع الأطفال والأسر. وباختصار، يمكن القول إنّنا علّمنا اللغة بواسطة الأدب.
أثناء وجودي هناك، تعرّفت إلى مدرسة "ستو سكول" (Stowe School)، وهي مدرسة داخليّة (Boarding School) تُعدّ من أبرز المدارس الخاصّة بين أكسفورد وكامبريدج، وتبعد عن كامبريدج نحو 65 ميلًا. لاحقًا، تواصلوا معي لتدريس بعض الطلبة. كان من بينهم طالب أبدى والده اهتمامًا كبيرًا بتعلّم ابنه اللغة العربيّة؛ أراد أن يتعلّم ابنه العربيّة إلى جانب دراسته، وقمتُ بالتدريس هناك لما يقارب عشرة أشهر.
وبالتوازي، درّست عددًا من الطلبة في كامبريدج دروسًا خاصّة في اللغة العربيّة. والحقيقة أنّ تخصّصي الأكاديميّ لم يكن في اللغة العربيّة، بل إنّ والدي هو المتخصّص فيها. غير أنّني كنت، وما زلت، عاشقًا للغة العربيّة، ومحبًّا للشعر العربيّ. في المدرسة الإنجليزيّة الحديثة (New English School) درّست اللغة العربيّة، إلى جانب الرياضيّات (Math). إضافة إلى أنّني خرّيج مدارس الأونروا، حيث كان التعليم بالكامل باللغة العربيّة، وقد درستُ الرياضيّات والعلوم والفيزياء والكيمياء بالعربيّة. وعندما انتقلت إلى التدريس في المدرسة الإنجليزيّة الحديثة، قمتُ بتدريس الرياضيّات والعلوم باللغة الإنجليزيّة، وكان ذلك مطلوبًا ممّن يمتلك القدرة على تدريس المادّة باللغتين.
في الأردنّ، كان نظام المدرسة الإنجليزيّة الحديثة مختلفًا وملحوظًا، إذ كان الطلبة يدرسون حتّى الصفّ السابع المنهاج الأردنيّ إلى جانب المنهاج البريطانيّ. ومن المفارقات التي كنت ألاحظها لأنّ الطلبة كانوا يدرسون الرياضيّات بالعربيّة والإنجليزيّة في آنٍ، أنّه في منهاج الرياضيّات بالعربيّة، كان استخدام الآلة الحاسبة (Calculator) ممنوعًا، بينما كان مسموحًا بها في منهاج الرياضيّات بالإنجليزيّة. فينتقل الطالب من صفّ يُسمح له فيه باستخدام الآلة الحاسبة، إلى صفّ آخر لا يُسمح له بذلك، وأحيانًا مع المدرّس نفسه. هذه الازدواجيّة تعكس إشكاليّة حقيقيّة، إذ قد تعتمد المدرسة أكثر من منهاج، لكن من دون تنسيق كافٍ بينها، ما يضع الطالب أمام ممارسات متباينة داخل البيئة التعليميّة نفسها.
ويمكن إضافة مثال مهمّ في هذا السياق. أذكر أنّه في مادّة التاريخ، عندما كان الطلبة يدرسون تاريخ الأردنّ باللغة العربيّة، وخصوصًا عند الحديث عن الثورة العربيّة الكبرى وبعض المحطّات التاريخيّة، كان يُقدَّم لورنس العرب بوصفه شخصيّة مثيرة للجدل، بل وأحيانًا يُنظر إليه على أنّه شخصيّة استعماريّة أو موضع شكّ. في المقابل، كان الطالب نفسه يدرس التاريخ باللغة الإنجليزيّة، حيث يُقدَّم لورنس العرب بصورة مختلفة تمامًا، أقرب إلى صورة المُخلّص أو الشخصيّة الحضاريّة الإيجابيّة. هذه الازدواجيّة في الطرح، حتّى وإن لم تكن دائمًا في المدرسة نفسها، بل في مدارس أخرى أيضًا، تعكس تناقضًا واضحًا في بناء السرديّة التاريخيّة. وهذا يدلّ على إشكاليّة أوسع تتعلّق بتبنّي مدارسنا لمناهج غير منبثقة من سياقاتنا الثقافيّة والمعرفيّة، ما قد يُنتج تناقضات تُربك الطالب، وتُحدث لديه التباسًا في الفهم.
ركّزت الكثير من أعمالك على الطلّاب ذوي الصعوبات التعلّميّة والطلّاب الموهوبين، هل ترى أنّ تعريفات هاتَين الفئتَين باتت واضحة أمام التربويّ العربيّ؟
يمكن القول إنّ هناك وضوحًا أكبر مقارنة بالسابق. فمثلًا مفهوم الموهبة كان يُعرَّف تقليديًّا بصورة ضيّقة، غالبًا بالذكاء أو التفوّق الأكاديميّ فقط، وهو معيار ما تزال بعض المدارس تعتمده بوصفه المعيار الأساس، وأحيانًا الوحيد. لكنّ هذا المفهوم شهد توسّعًا ملحوظًا، سواء في الأدبيّات البحثيّة أو في الممارسات التربويّة في عدد من الدول العربيّة، حيث أصبحت الموهبة تُفهم بصورة أكثر شمولًا، لتشمل الإبداع والقيادة والمواهب الفنّيّة والرياضيّة وغيرها. ومن المهمّ الإشارة إلى أنّه لا يوجد تعريف عالميّ واحد متّفق عليه تمامًا للموهبة، لكن هناك اتفاقًا واسعًا، عالميًّا وعربيًّا على فكرة تعدّد المواهب، لا حصرها في بُعد واحد.
أمّا في ما يتعلّق بصعوبات التعلّم، فقد كان هناك خلط شائع، خصوصًا حتّى التسعينيّات وربّما ما بعد ذلك، بين صعوبات التعلّم، وبطء التعلّم، والتأخّر المدرسيّ. لغويًّا قد تبدو المصطلحات متقاربة، لكنّها تربويًّا وتشخيصيًّا مختلفة تمامًا؛ فصعوبات التعلّم تشير إلى صعوبات نمائيّة أو أكاديميّة محدّدة، قد تظهر في القراءة أو الكتابة أو الحساب أو الانتباه. أمّا بطء التعلّم فيرتبط بانخفاض عامّ في القدرة المعرفيّة مقارنة بالأقران. في حين أنّ التأخّر المدرسيّ قد تكون أسبابه متعدّدة، نفسيّة أو أسريّة أو تعليميّة أو مرتبطة بالمدرسة أو المعلّم، وليس بالضرورة أن يكون نابعًا من خصائص داخليّة لدى الطالب.
يمكن أن يكون التأخّر المدرسيّ ناتجًا عن بطء التعلّم، وقد ينشأ عن عوامل أخرى متعدّدة. كما إنّ النظم التعليميّة الحديثة تتيح أحيانًا للطلبة بطيئي التعلّم وقتًا إضافيًّا، ما يغيّر طريقة النظر إلى مسارهم الأكاديميّ.
في هذا السياق، يكون التأخّر، في حالة بطء التعلّم، مستمرًّا ودائمًا، بينما قد يكون التأخّر المرتبط بظروف أخرى طارئًا، يظهر في فترة معيّنة وقد لا يستمرّ. فالتأخّر المدرسيّ قد يكون طارئًا، وقد تكون أسبابه غير طارئة، إذ يمكن أن ينجم، كما ذُكر، عن بطء التعلّم.
ويُعرف بطء التعلّم في الأدبيّات الإنجليزيّة بمصطلح (Slow Learner)، وهو يختلف عن (Learning Disabilities). ففي الحالة الأولى يكون الطالب بطيئًا في معظم مجالات التعلّم، نتيجة انخفاض قدراته المعرفيّة أو الذكائيّة، وبالتالي يظهر التأخّر بصورة عامّة. أمّا صعوبات التعلّم فهي صعوبات محدّدة، قد تكون في القراءة أو التهجئة أو الحساب. والفرق الجوهريّ أنّ بطيء التعلّم يكون بطيئًا بصورة عامّة في مختلف المجالات، بسبب محدوديّة قدراته المعرفيّة، بينما صعوبة التعلّم تكون صعوبة محدّدة في مجال بعينه.
فعلى سبيل المثال، قد يعاني الطالب صعوبة في الحساب فقط، ويُستخدم في الإنجليزيّة مصطلح (Arithmetic) لا (Mathematics) للدلالة على المهارات الحسابيّة الأساسيّة. وتشمل هذه المهارات عمليّات الجمع والطرح والضرب والقسمة، وقد تظهر لدى الطالب أخطاء نمطيّة، مثل عكس الأرقام أو الخلط بين الإشارات أو الانتقال غير الدقيق بين القيم المكانيّة. وهذه الظواهر قد تظهر في مختلف اللغات، بما فيها العربيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة. كما إنّ عُسر القراءة أو صعوبة القراءة (Dyslexia) في اللغة الأمّ ينعكس عادة على اللغات الأخرى، ويختلف عن مجرّد صعوبة تعلّم لغة ثانية.
ومن الإشكاليّات الشائعة في بعض المدارس الخاصّة المبالغة في تشخيص صعوبات التعلّم، إذ قد يُعزى ضعف الأداء في اللغة الإنجليزيّة، بوصفها لغة ثانية، إلى صعوبة تعلّم، بينما يكون السبب الحقيقيّ مرتبطًا باكتساب اللغة. وهذا يضيف تحدّيات إضافيّة إلى عمليّة التشخيص. ومن المهمّ التذكير بأنّ ذوي صعوبات التعلّم، في الغالب، من ذوي الذكاء المتوسّط أو الأعلى من المتوسّط. وقد أتاحت المفاهيم الموسّعة للموهبة وصعوبات التعلّم الاعتراف بإمكانيّة اجتماع الموهبة مع صعوبة التعلّم لدى الطالب نفسه، بعد أن كانت التعريفات الضيّقة تُقصي هذه الفئة. ونتيجة لذلك، خسرنا في السابق طاقات كان يمكن تنميتها، ويمكن وصفها مجازيًّا بأنّها طاقات مهدورة.
ما الشروط والأوضاع الضروريّة أمام المؤسّسات للتعامل مع الطلّاب ذوي الصعوبات التعلّميّة والطلّاب الموهوبين، على مستوى الرؤية والإعداد والامتداد المجتمعيّ؟
يعتمد الأمر أساسًا على المؤسّسة. يبدأ العمل من مستوى وزارات التربية والتعليم، ثمّ الجامعات، ومن بعدها المدارس والمؤسّسات والمراكز المختلفة، وصولًا إلى المنظّمات غير الحكوميّة. المطلوب وجود رؤية واضحة ومتكاملة، خصوصًا على مستوى السياسة التربويّة، بحيث تكون هناك سياسة محدّدة تجاه ذوي صعوبات التعلّم وذوي الاحتياجات الخاصّة، بمن فيهم الطلبة الموهوبون. هذه الفئات يجب ألّا تُعامل بوصفها فئات هامشيّة أو استثنائيّة على الدوام. ومن المهمّ الإشارة إلى أنّ هذه الفئة آخذة في الازدياد، ليس فقط من حيث العدد، بل أيضًا من حيث تنوّع الخصائص. قد يبدو أنّ الطلبة الموهوبين ذوي صعوبات التعلّم أكثر ظهورًا اليوم مقارنة بالسابق، إلّا أنّ هناك عوامل بيئيّة ومجتمعيّة وأكاديميّة تسهم أحيانًا، بصورة غير مقصودة، في زيادة تهميشهم، ما يجعل التحدّي أكبر مع مرور الوقت.
من هنا، يصبح من الضروريّ الانتقال إلى رسم سياسات قابلة للتنفيذ، ويتطلّب ذلك إعدادًا مهنيًّا عالي المستوى، وبناء برامج متخصّصة، وتطوير فهم مهنيّ مشترك داخل المدرسة وخارجها، وكذلك داخل الجامعة وخارجها. كما يشمل ذلك إعداد المعلّمين عن طريق برامج متخصّصة للتعامل مع ذوي صعوبات التعلّم. ولا ينبغي انتظار توفّر الدعم المادّيّ دائمًا، إذ يمكن للمؤسّسة أن تُحدث أثرًا كبيرًا بإمكانات محدودة. على سبيل المثال، يمكن توفير معلّم متخصّص داخل المدرسة، أو تخصيص مساحة مناسبة، غرفة أو مكتبة، لدعم الطلبة، سواء داخل الصفّ أو خارجه.
أمّا على مستوى التشخيص، فمن الضروريّ أن تكون أدوات الكشف متاحة على مستوى الوزارة والمدرسة. ولم يعد التشخيص حكرًا على المتخصّصين فقط، إذ توجد اليوم أدوات يمكن للمعلّم أو المرشد التربويّ النفسيّ استخدامها، للكشف المبكّر عن أنماط صعوبات التعلّم، وهي أدوات لا تتطلّب تدريبًا تقنيًّا عاليًا. ويمكن التعامل مع بعض الحالات داخل الصفّ، ثمّ خارج الصفّ عند الحاجة، وفق مستويات دعم متعدّدة، تُصنّف عادة ضمن مستويات ثلاثة.
اطّلعت على محاولات عربيّة للتعامل مع الصعوبات التعلّميّة والموهبة، هل تطال الفئات المهمّشة من الطلّاب؟
على مستوى العالم العربيّ، ظهرت محاولات مبكّرة للاهتمام بهذه الفئة. من أوائل التجارب كانت في مصر في خمسينيّات القرن الماضي، تلتها تجارب في العراق في الستينيّات والسبعينيّات. وفي الأردنّ، شهدت الثمانينيّات والتسعينيّات تطوّرات مهمّة، من بينها تأسيس مركز السلط الرياديّ، ثمّ مدرسة اليوبيل، ولاحقًا مركز التميّز، إلى جانب إنشاء المجلس العربيّ للموهوبين والمتفوّقين. كما ظهرت مبادرات أخرى في دول عربيّة مختلفة، منها مؤسّسة موهبة في المملكة العربيّة السعوديّة، ومبادرات في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، إضافة إلى محاولات متفاوتة في الكويت وقطر ولبنان. وفي لبنان تحديدًا، أُقرّت قبل عامين أوّل سياسة تعليميّة لدمج الطلبة الموهوبين، وهي الآن في حيّز التنفيذ.
ماذا يعني دمج الطلبة الموهوبين؟
الحقيقة هذا السؤال يفتح علىى موضوع آخر مرتبط بتعليم الطلبة الموهوبين، وهو: هل ينبغي أن تكون طرائق تدريسهم ضمن مدارس خاصّة، أم في مراكز متخصّصة، أم من الأفضل أن يكونوا مع الطلبة الآخرين؟
في البدايات، كان التوجّه السائد يميل إلى فصل الطلبة الموهوبين، سواء من خلال مدارس خاصّة أو مراكز متخصّصة. وقد اتُّبع هذا النموذج في عدد من الدول، مثل الأردنّ ومصر. لكن بعد سنة 1994 تقريبًا، ومع التوجّه العالميّ نحو الدمج، وخصوصًا بعد إعلان سالامانكا في إسبانيا، برز اتّجاه يدعو إلى دمج ذوي الاحتياجات الخاصّة، بمن فيهم الطلبة الموهوبون. فالموهوبون يُصنَّفون ضمن ذوي الاحتياجات الخاصّة وفق بعض التعريفات، بينما لا تعتمد تعريفات أخرى هذا التصنيف.
في لبنان، تُبُنّيت مقاربة ترى أنّ الطلبة الموهوبين يستفيدون ويُفيدون أكثر، عندما ينخرطون في البيئة الصفّيّة مع أقرانهم. وبالتالي، تعليم الموهوبين يمكن أن يعود بالنفع على جميع الطلّاب.
هل يمكن تطبيق هذا النموذج في المدارس الحكوميّة ذات الصفوف المكتظّة، والتي قد تضمّ خمسين طالبًا أو أكثر؟
في الواقع، قد تكون الصفوف المكتظّة ذات أثر سلبيّ أحيانًا، لكنّها قد تحمل جوانب إيجابيّة أيضًا إذا أُحسن توظيفها. وقد تناولت هذا الموضوع في برامج تدريبيّة في دول مثل ليبيا وتونس، إذ ناقشنا كيف يمكن تحويل الصفّ المكتظّ إلى بيئة أكثر ثراءً وتفاعلًا، بما يسمح بظهور المواهب وتبادل الخبرات بين الطلبة.
ومن المهمّ الإشارة إلى أنّ الدمج لا يسبق الكشف عن الطلبة الموهوبين، بل يأتي بعده. إذ لا بدّ أوّلًا من التعرّف إليهم وتحديدهم، ثمّ التفكير في آليّات توجيههم ودعمهم. ومن بين النماذج المعتمدة في هذا السياق ما يُعرف بالحلقات المتخصّصة (Cluster Groups)، إذ يُنظَّم الطلبة وفاقًا لمستوياتهم وتوجّهاتهم، وفي أوقات محدّدة، ضمن برامج مثل البرامج الإثرائيّة (Enrichment) أو البرامج التسريعيّة (Acceleration). وتُنفَّذ هذه البرامج داخل المدرسة نفسها، لا في مؤسّسات منفصلة بالكامل. بناءً على ذلك، كان التوجّه في لبنان، والذي كنت من المؤيّدين له، يقوم على تربية الطلبة الموهوبين ودمجهم ضمن بيئاتهم التعليميّة الطبيعيّة.
وبالطبع، يفتح هذا النقاش الباب أمام أسئلة تفصيليّة أخرى، تتعلّق بعدد الطلبة في الصفّ، والتجهيزات، وآليّات الإعداد، وغيرها من الجوانب التي يمكن التوسّع فيها لاحقًا.
متى يصبح الدمج خيارًا تربويًّا ناجحًا؟ وهل الدمج وظيفة معلّم متخصّص أم دور كلّ المعلّمين؟ وكيف السبيل إلى تحقيق ذلك؟
عندما نتحدّث عن الدمج، فنحن نقصد وجود الطلبة في الصفّ العاديّ، وهذا يعني أنّ معلّم الصفّ ليس بالضرورة مختصًّا في التربية الخاصّة أو في تعليم الموهوبين. ومن هنا، تبرز أهمّيّة السياسات التربويّة التي يجب أن تُشرك معلّم الصفّ العاديّ، بوصفه عنصرًا أساسيًّا في العمليّة التعليميّة، إلى جانب معلّم التربية الخاصّة، فتبقى مسؤوليّة التعامل مع صعوبات التعلّم مسؤوليّة مشتركة بين جميع المعلّمين.
فالمعلّم الركيزة الأولى في التعليم. فعند تدريس اللغة العربيّة، على سبيل المثال، ينتقل المعلّم من تعليم المفردات إلى القواعد، ثمّ إلى الكتابة والإملاء. والإملاء في اللغة العربيّة تحكمه منظومة دقيقة من القواعد، مثل أشكال الهمزة، ومواضعها، وحالات كتابتها على الألف أو الواو أو السطر، إضافة إلى قضايا اللام الشمسيّة واللام القمريّة وغيرها. وهذه قواعد أساسيّة ينبغي أن يتعلّمها الطالب من معلّم اللغة العربيّة. وينطبق الأمر ذاته على الرياضيّات وسائر الموادّ. غير أنّ امتلاك المعرفة بالمحتوى وحده لا يكفي، فالمعلّم يحتاج إلى تدريب منهجيّ في الأساليب التعليميّة. والمقصود هنا ليس التدريب المعرفيّ فقط، بل التدريب على طرائق إيصال المعلومة، وتكييفها، وتقديمها ببدائل متعدّدة تناسب أنماط المتعلّمين المختلفة. فكثير من التحدّيات الصفّيّة لا تتعلّق بتعقيد المادّة، بقدر ما تتعلّق بامتلاك أدوات التدريس المناسبة.
وفي هذا السياق، تظهر إشكاليّة شائعة، خصوصًا في الرياضيّات، عند تقديم مسائل لفظيّة تتطلّب قراءة فقرة كاملة قبل حلّ السؤال. فكيف يمكن للطالب الذي يعاني صعوبة في القراءة أن يتعامل مع هذا النوع من الأسئلة؟ هُنا تتقاطع صعوبة التعلّم مع طريقة عرض المحتوى، ويصبح دور المعلّم حاسمًا في تعديل الاستراتيجيّات التعليميّة بما يضمن تكافؤ الفرص بين الطلبة. أحد الحلول الممكنة يتمثّل في الاستعاضة عن الفقرة النصّيّة بتمثيل بصريّ أو شكليّ للمسألة. فبدل عرض نصّ طويل، يمكن تقديم الموقف في صورة أو مخطّط أو تسلسل بصريّ يوضّح الحدث، ثمّ تُبنى عليه العمليّة الحسابيّة المطلوبة. الهدف في نهاية المطاف تمكين الطالب من فهم الفكرة، إذ إنّ العبرة ليست في شكل السؤال، بل في مدى وصول المعلومة.
هذا النوع من التكييف في عرض المحتوى، يُعدّ من الأساليب التي ينبغي أن يكون معلّم الصفّ العاديّ على دراية بها، كما إنّه يقع ضمن اختصاص معلّم التربية الخاصّة بدرجة أعمق. ومن هنا تنشأ أهمّيّة التعاون والتنسيق بين المعلّمين. ففي بعض الحالات، قد تكون الصعوبة لدى الطالب مرتفعة، ما يستدعي تدخّلًا إضافيًّا خارج الصفّ، إذ يمكن تخصيص وقت داعم لتدريب الطالب على استراتيجيّات بديلة تساعده في التعلّم.
وبشكل عامّ، يمكن القول إنّ أيّ سياسة تربويّة ناجحة، يجب ألّا تُغفل أيّ عنصر من عناصر العمليّة التعليميّة، سواء كان معلّم الصفّ العاديّ، أو معلّم التربية الخاصّة، أو المرشد التربويّ، أو الإدارة المدرسيّة، أو الأهل، بل وحتّى الطلّاب أنفسهم. فإشراك جميع الأطراف يُعد شرطًا أساسيًّا لنجاح التدخّلات التعليميّة.
كيف يتجلّى دور الجامعات في إعداد المعلّم العربيّ أخذًا بعين الاعتبار هذه السياسة؟
لا يمكن التعميم على جميع الجامعات، غير أنّ بعض الخبرات الأكاديميّة تشير إلى وجود تركيز على مفاهيم أساسيّة، مثل الخطّة التربويّة الفرديّة والخطّة التعليميّة الفرديّة. فكلّ طالب من ذوي صعوبات التعلّم أو الاحتياجات الخاصّة أو حتّى الموهوبين، يحتاج إلى خطّة واضحة تتضمّن أهدافًا بعيدة وقصيرة المدى. تقوم هذه الخطط على مشاركة جماعيّة تشمل المعلّم، والمرشد، والإدارة المدرسيّة، ومعلّم التربية الخاصّة، والأهل، بل ومن المهمّ من الناحية المثاليّة، أن يكون للطالب نفسه دور في تحديد أهدافه التعليميّة.
أمّا على مستوى التدريب العمليّ في الجامعات، فيُطلب إلى الطلبة/ المعلّمين تحديد الموادّ أو المجالات التي يرغبون في تدريسها، ثمّ إعداد وحدات تعليميّة تُكيَّف لتناسب أنماط المتعلّمين المختلفة، بمن في ذلك الطلبة ذوو صعوبات التعلّم. ويتضمّن ذلك مراعاة التدرّج في مستوى الصعوبة، وتعديل طرائق عرض المحتوى.
وفي السياق التطبيقيّ، تتعاون الجامعات عادة مع مدارس للتدريب الميدانيّ، وغالبًا ما تكون هذه المدارس من القطاع الخاصّ. وقد يُعدّ ذلك من التحدّيات، إذ تبرز الحاجة إلى توسيع نطاق التعاون ليشمل المدارس الحكوميّة أيضًا. كما إنّ طبيعة بعض الجامعات الدوليّة، حيث تكون لغة التدريس الأساسيّة هي الإنجليزيّة، تفرض واقعًا خاصًّا من حيث اختيار المدارس والبيئات التعليميّة، سواء كانت خاصّة أم حكوميّة. هذا، في جوهره، ما يُفترض أن يحدث. فالمسألة لا تتعلّق بفلسفة عربيّة فحسب، بل بتوجّه عالمي راسخ، يقوم على مبدأ أنّ لكلّ طالب خطّة تربويّة وتعليميّة خاصّة به. وتتضمّن هذه الخطّة عناصر محدّدة، يفترض أن تعمل بصورة تكامليّة ضمن إطار فريق متعدّد الاختصاصات، بهدف تحقيق الأهداف المنشودة.
ومن المهمّ هنا التأكيد على أنّ هذه الأهداف لا تنفصل عن أهداف المنهج العاديّ، بل تتواءم معها. فالمقصد ليس إنشاء مناهج خاصّة لذوي الاحتياجات الخاصّة، وإنّما مواءمة المنهج العامّ وتكييفه بما يستجيب لخصائصهم واحتياجاتهم. ذلك أنّ الاتّجاه نحو مناهج منفصّلة يقود عمليًّا إلى العزل بدل الدمج، وهو ما يتعارض مع الفلسفة التربويّة المعاصرة.
متى يتحوّل الدمج من ممارسة تربويّة أصيلة إلى مجرّد شعار؟
قد يظهر هذا التحدّي في بعض المدارس الخاصّة أكثر من الحكوميّة، فهي ترفع شعار الدمج بوصفه عنصر جذب، من دون أن يقترن ذلك ببنية مؤسّسيّة حقيقيّة أو ممارسات تربويّة فعّالة، ما يفرغ المفهوم من مضمونه. كما قد يتجلّى الإشكال في بعض الأنظمة التعليميّة الرسميّة، حين يُعلَن عن تطبيق سياسات دمج في ظلّ صفوف مكتظّة، أو كوادر تعليميّة غير مؤهّلة تأهيلًا كافيًا، بحيث يغدو الدمج إجراءً شكليًّا أكثر منه ممارسة تربويّة مدروسة.
وعليه، فمعيار الدمج الحقيقيّ لا يكمن في الخطاب المؤسّسيّ أو التقارير الرسميّة، بل في توافر الشروط المهنيّة والتنظيميّة التي تضمن فاعليّته، وفي مقدّمتها إعداد المعلّمين، وتكييف البيئات الصفّيّة، وتوفير أنظمة دعم متخصّصة، بما يحفظ للدمج معناه التربويّ ووظيفته التعليميّة.
ومن المهمّ هنا التوقّف عند البعد المفاهيميّ للمصطلح ذاته. فالدمج ترجمة لمفهوم لا أعتقد أنّه ينقل بدقّة كاملة روح المصطلح الأصليّ في اللغة الإنجليزيّة، وهو (Inclusion)، استُخدمت أيضًا ترجمة (Integration) لمصطلح الاندماج. ومن وجهة نظر لغويّة وتربويّة، لا يعكس أيّ من المصطلحين العربيَّين تمامًا المعنى المقصود في السياق الأصليّ، بينما الأقرب مصطلح "التعليم الجامع"، فمصطلحا "الدمج" أو "الاندماج" قد يحملان، في إيحائهما اللغويّ، معنى ضمنيًّا يوحي بشيء من الإلزام أو الإدخال القسريّ. بينما يرتكز مفهوم (Inclusive Education) على فلسفة مختلفة جوهريًّا، تنطلق من أنّ هذه المدرسة تمثّل المكان الطبيعيّ والأساسيّ لجميع الطلّاب، وأنّ الاستثناء يتمثّل في العزل لا العكس، أي إنّ الطالب لا يُدمَج بوصفه حالة خاصّة، بل يُنظر إليه باعتباره جزءًا أصيلًا من البنية التعليميّة. أحيانًا، قد تخون الترجمة النصّ الأصليّ، لا من حيث الألفاظ فقط، بل من حيث الدلالات التربويّة العميقة. ولهذا، فالنقاش المفاهيميّ ليس ترفًا لغويًّا، بل مسألة ذات أثر مباشر على الممارسة التعليميّة.
بالعودة إلى الواقع التطبيقيّ، نعم، قد يتحوّل الدمج في بعض المدارس إلى شعار، وقد يُستخدم أحيانًا ضمن خطاب تسويقيّ يُبرز قدرة المدرسة على استيعاب طلّاب ذوي احتياجات متنوّعة، بما في ذلك الإعاقات الشديدة. غير أنّ هذا الاستخدام ينطوي على خطورة كبيرة. فإذا لم يُدعَم الدمج ببنية مؤسّسيّة حقيقيّة وإعداد مهنيّ مناسب، فقد يتحوّل إلى تجربة منفّرة، ليس للأهالي فحسب، بل للمعلّمين والطلّاب أيضًا، بل وقد يقود إلى التشكيك في الفلسفة التربويّة ذاتها. فالدمج ليس نمطًا واحدًا جامدًا، وليس بالضرورة دمجًا كلّيًّا دائمًا. ثمّة أشكال ومستويات متعدّدة للدمج، أكاديميّة ومجتمعيّة وتنظيميّة. كما إنّ التعليم التمايزيّ أو التفريقيّ (Differentiated Instruction) يذكّرنا بأنّ الاختلاف بين الطلّاب حقيقة تربويّة لا يمكن تجاهلها، وأنّ توحيد البيئات التعليميّة لا يعني توحيد أساليب التعليم.
الخطأ الجوهريّ يبدأ حين يُطرَح السؤال بصيغة تبسيطيّة: "هل أنت مع الدمج أم ضدّه؟" الأدقّ هو: أيّ نوع من الدمج؟ وتحت أيّ شروط؟ فلكلّ نموذج من نماذج الدمج شروطه. وإذا لم تتوافر هذه الشروط، فالجمع بين الطلّاب قد يرتدّ بنتائج سلبيّة على الجميع. فغياب إعداد المعلّمين، وعدم تهيئة البيئة المدرسيّة مادّيًّا وتربويًّا، وعدم إعداد الطلّاب أنفسهم للتنوّع داخل الصفّ، كلّها عوامل قد تجعل الدمج تجربة مؤذية للطالب، بدل أن تكون داعمة له، وقد تعرّضه، على سبيل المثال، إلى التنمّر أو العزلة.
هل صار لدينا عربيًّا نتاج يُقارب مواضيع الصعوبات التعلّميّة والمواهب، أم كلّ ما نتعلّمهُ عبارة عن ترجمات وتفسيرات لهذي الترجمات، وهل لذلك أيّ أثر في إعداد المعلّمين العرب؟
الصحيح أنّ جزءًا كبيرًا من الأدبيّات البحثيّة العربيّة ما يزال يعتمد على نظريّات وتوجّهات غربيّة، أوروبّيّة وأمريكيّة بصورة رئيسة. وهذا الأمر مفهوم إلى حدّ ما، إذ لا يمكن لأيّ حقل معرفيّ أن يعمل بمعزل عن ما يُنتَج عالميًّا، لكنّ الإشكاليّة تظهر حين يتحوّل الأمر إلى تبنٍّ غير نقديّ أو إلى ممارسات أقرب إلى "القصّ واللصق".
في المقابل، توجد محاولات جادّة لتطوير نماذج أكثر ارتباطًا بالسياقات المحلّيّة. والتجربة اللبنانيّة مثال مهمّ في هذا الإطار، حيث جرى العمل على صياغة سياسات ومفاهيم للكشف عن الموهوبين بالاستناد إلى دراسات محلّيّة، من دون الانفصال عن المرجعيّات العالميّة.
ومع ذلك، يمكن تسجيل نقد واضح لبعض الأطر التشريعيّة التي ما تزال تستند إلى مقاربات طبّيّة تقليديّة للإعاقة، كما هو الحال في بعض القوانين التي تخلو تقريبًا من مفهوم الدمج بصيغته التربويّة الحديثة، ما يعكس فجوة مفاهيميّة وتشريعيّة ذات أثر مباشر على الممارسة التعليميّة. يمكنني أن أقدّم قراءة نقديّة لما جرى في لبنان، وتحديدًا في ما يتّصل بقانون سنة 2000 الخاصّ بالإعاقة. فهذا القانون، ومنذ إقراره حتّى اليوم، لم يطرأ عليه تعديل يُذكر. وهو، في جوهره، أقرب إلى إعادة إنتاج شبه حرفيّة لوثائق صادرة عن منظّمة الصحّة العالميّة، ويمكن وصفه بأنّه نموذج "قصّ ولصق". فعلى الرغم من أنّه صدر رسميًّا في سنة 2000، فمرجعيّته الأصليّة تعود إلى سنة 1981، وهو قائم على مقاربة طبّيّة بحتة (Medical Perspective)، تعكس توجّهًا طبّيًّا تقليديًّا في فهم الإعاقة وتعريفها.
واللافت في هذا السياق أنّ مفهوم "الدمج" يكاد يكون غائبًا عن نصّ القانون. فحتّى عند البحث المباشر في الوثيقة، لا يظهر المصطلح إلّا نادرًا، وربّما في موضع واحد فقط ضمن عشرات الصفحات. وهذا الغياب ليس تفصيلًا لغويًّا، بل يعكس توجّهًا مفاهيميًّا كاملًا، إذ إنّ القانون، بهذا المعنى، لا يؤسّس لفلسفة دمج تربويّ، بل يميل إلى مقاربة انعزاليّة في التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة. كما إنّ القانون يمنح صلاحيّات التنفيذ الأساسيّة إلى وزارة الشؤون الاجتماعيّة، ما يعكس امتدادًا تاريخيًّا لنموذج إداريّ قديم. فمن الناحية التاريخيّة، كانت وزارات الشؤون الاجتماعيّة تضطلع بمسؤوليّات الرعاية والخدمات الاجتماعيّة، في حقب لم يكن فيها مفهوم وزارة التربية والتعليم قائمًا بصيغته الحديثة، وكان دورها يتركّز على الرعاية والدعم والخدمات، لا على التربية والتعليم بوصفهما حقًّا أساسيًّا ومنظّمًا ضمن السياسات التربويّة.
أمّا في المقاربات التربويّة المعاصرة، فالجهة الطبيعيّة المعنيّة بقضايا الدمج وزارة التربية والتعليم، لا وزارة الشؤون الاجتماعيّة. فمسألة الدمج مسألة تربويّة وتعليميّة في المقام الأوّل، وليست مسألة رعاية اجتماعيّة فحسب. وقد تداركت بعض الدول العربيّة، مثل الأردنّ وقطر والإمارات، هذه الإشكاليّة المفاهيميّة والإداريّة، وأعادت تنظيم الأطر التشريعيّة والسياسات ذات الصلة، بينما ما تزال الحالة اللبنانيّة تعاني، إلى حدٍّ ما، فجوة مفاهيميّة في هذا المجال.
وتكمن المفارقة في أنّ قانونًا يحمل في بنيته توجّهًا انعزاليًّا، يُراد له أن يشكّل مرجعيّة لسياسات دمج حديثة. فثمّة تناقض واضح بين وثيقة ذات أساس طبّيّ انعزاليّ، وبين فلسفة تربويّة تقوم على الدمج والمشاركة. وهذه الإشكاليّة ليست نظريّة فقط، بل تمتدّ آثارها إلى الممارسة والسياسات التعليميّة.
في المقابل، فالسياسات المتعلّقة بالطلّاب الموهوبين والمتفوّقين تمثّل نموذجًا مختلفًا نسبيًّا، إذ إنّها، في بعض الحالات، تستند إلى مزيج من المرجعيّات العالميّة والدراسات المحلّيّة، في محاولة لبناء إطار أكثر اتّساقًا مع السياق الوطنيّ.
في ما شاركت عن التجارب العربيّة، هل ترى أنّ التجارب هذه تقارب مفهوم العدالة التعليميّة؟
في ما يتعلّق بالتجارب العربيّة عمومًا في مجالَي صعوبات التعلّم والموهبة، فالصورة ليست أحاديّة أو قطعيّة. يمكن القول إنّ ثمّة مساحات للتفاؤل وأخرى للتشاؤم، وربّما "التشاؤل". ففي العديد من الدول العربيّة، يمكن أن تلتقي خبراء وممارسين يعرضون قراءات متباينة للواقع ذاته، فبعضهم يركّز على التقدّم المحرز والمبادرات النوعيّة، بينما يشير آخرون إلى الثغرات والتحدّيات البنيويّة. وهذا التباين في وجهات النظر لا ينبغي اعتباره تناقضًا، بقدر ما يعكس طبيعة الواقع نفسه. فالمشهد التربويّ، مثل غيره من المجالات، يتضمّن عناصر إيجابيّة وأخرى إشكاليّة. والنقاش المهنيّ الرصين يفترض الاعتراف بهذا التعقيد، بعيدًا عن النزعات التبسيطيّة التي تميل إمّا إلى التجميل المفرط، أو إلى التوصيف القاتم. مقاربة هذه القضايا بواقعيّة نقديّة تتيح فهمًا أعمق للتحوّلات الجارية، وتساعد في تطوير سياسات أكثر اتّزانًا وفاعليّة، بدل الوقوع في ثنائيّات حادّة بين التفاؤل المطلق والتشاؤم المطلق.
تكمن المشكلة التي نواجهها دائمًا في أنّنا ننتظر ما ستفعله الولايات المتّحدة أو الغرب على مستوى المفاهيم، ثمّ نبادر نحن إلى التغيير. نترقّب ما الذي سيتبدّل في السياسات هناك، ثمّ نعكس ذلك على سياقاتنا. ولتوضيح الفكرة، يمكن النظر إلى مصطلح "ذوي الاحتياجات الخاصّة". قد يبدو المصطلح إيجابيًّا من حيث تركيزه على الاحتياجات بدل الإعاقات، وربّما قابلًا للتوسّع ليشمل جوانب أخرى، لكنّ السؤال الجوهريّ: هل نبقى حبيسي انتظار تطوّر المصطلحات عالميًّا، قبل أن نطوّر نحن لغتنا ومقارباتنا؟
يركّز مصطلح "ذوي الاحتياجات الخاصّة" على الاحتياجات، لكنّه لا يمنح القدرات المساحة ذاتها. وقد طرحت سابقًا في لبنان تساؤلًا حول إمكانيّة اعتماد تسمية مثل "ذوي القدرات والاحتياجات المختلفة". إلّا أنّ الاعتراض كان أنّ هذا المصطلح غير متداول عالميًّا. وهنا يبرز تساؤل مشروع: لماذا لا نكون سبّاقين؟ لماذا نصرّ على تعريف الأفراد من زاوية احتياجاتهم قبل قدراتهم؟ فعلى سبيل المثال، عندما نصف شخصًا يستخدم الكرسيّ المتحرّك، فنحن نعرّفه بالأداة لا بقدراته. وبالمقابل، شهدنا عودة قويّة لمصطلح "ذوي الإعاقة"، وهو مصطلح يحمل أبعادًا قانونيّة وحقوقيّة مفهومة. فمن الناحية القانونيّة، قد يؤدّي استخدام مصطلحات عامّة مثل "ذوي الاحتياجات الخاصّة"، إلى تمييع الحقوق المحدّدة للأشخاص ذوي الإعاقة، وهي حقوق منصوص عليها في تشريعات العديد من الدول، سواء في لبنان أو الأردنّ أو غيرهما، وتشمل مجالات مثل التنقّل والمواصلات والتعليم، وغيرها من الامتيازات والتسهيلات.
من هذا المنطلق، يمكن تفهّم التوجّه القانونيّ، لكنّ حديثي هنا ينطلق من زاوية تربويّة لا قانونيّة. ففي السياقات التعليميّة، مثل المدارس والجامعات، يمكن تطوير لغة أكثر شمولًا، مثل الحديث عن "ذوي القدرات والاحتياجات المختلفة"، بما يعكس رؤية تربويّة أوسع لا تلغي الاحتياجات، لكنّها لا تختزل الأفراد فيها. كما إنّ هذا الإطار يمكن أن يستوعب مختلف الفئات، بمن فيها الطلبة الموهوبون.
وبالعودة إلى الأساس، يمكن القول إنّ هناك محاولات للخروج من هذا الإطار المفاهيميّ العالميّ المهيمن، وإن كانت أحيانًا خجولة. ومع ذلك، لا يمكن إنكار حدوث تحوّلات مهمّة عبر الزمن. فمنذ أواخر التسعينيّات وحتّى اليوم، يمكن رصد حركة مختلفة وتقدّم ملموس على عدّة مستويات، وإن كان هذا التقدّم ما يزال دون الطموحات.
ما المستقبل الذي تراه لتجربة التعليم الفلسطينيّة، ولا سيّما في ظروف الإبادة التعليميّة في الداخل، ومحاولات تهميش التعليم في الشتات؟
التعليم في فلسطين، سواء داخلها أو في الشتات، ظلّ هدفًا مباشرًا. ويبرز استهداف الأونروا مثالًا واضحًا على ذلك. فعلى الرغم من كلّ ما يمكن مناقشته حول التحدّيات أو نقاط الضعف، شكّلت الأونروا على مدار عقود، عنصرًا محوريًّا في تشكيل هويّة تعليميّة جامعة للفلسطينيّين في مناطق متعدّدة. وفي غزّة تحديدًا، إذ يشكّل اللاجئون نسبة كبرى من السكّان، كان دور الأونروا بالغ الأهمّيّة، واستهدافها ليس أمرًا طارئًا، بل توجّه متعمّد وممتدّ. كما إنّ استهداف البنية التحتيّة التعليميّة والثقافيّة في غزّة، من مدارس وجامعات ومكتبات ومراكز ثقافيّة، يعكس محاولة لضرب ما يمكن تسميته برأس المال التربويّ والثقافيّ الفلسطينيّ.
إذًا، يُستهدف رأس المال التربويّ الفلسطينيّ بصورة مباشرة، في محاولة لقمعه وإنهائه. ويتّضح ذلك عند النظر إلى الواقع القائم، سواء في غزّة أو حتّى في مدارس القدس الشرقيّة، إذ يتواصل استهداف المنهاج الفلسطينيّ. ولا يقتصر الأمر على الداخل الفلسطينيّ، فالفلسطينيّون في مناطق مختلفة يخضعون لمناهج متعدّدة، هي الأخرى ليست بمنأى عن محاولات التأثير وإعادة التشكيل، بما في ذلك فرض تصوّرات محدّدة حول "ثقافة السلام" بصيغة تكاد تبدو محايدة، ولكنّها خبيثة ومراوغة، بما قد يقود إلى إنتاج إنسان فلسطينيّ منزوع الارتباط بقضيّته وهويّته. ويُمكن فهم هذا التوجّه بوصفه محاولة لفكّ الارتباط مع فلسطين، وهو ما يبدو أنّه هدف قائم داخل فلسطين وخارجها.
هل يمكن لهذا المسار أن ينجح؟ لقد تناولت هذا الإشكال في دراسة قيد النشر حول غزّة بعنوان (Displaced Giftedness in Gaza)، أطرح فيها إطارًا نظريًّا يناقش محاولات تعطيل المواهب لدى الفلسطينيّين أو عدم تفعيلها، بإضعاف رأس المال التربويّ والثقافيّ والاقتصاديّ أو إلغائه، وذلك بتدمير البنية التحتيّة: المدارس والجامعات والمكتبات والأرشيفات التربويّة، وكلّ ما يرمز إلى التعليم والثقافة. فحين تُستهدف هذه المرتكزات، يصبح بزوغ المواهب أمرًا بالغ الصعوبة.
وفق تقديرات حديثة، ومنها ما ورد في تقارير دوليّة، تواجه العمليّة التعليميّة في غزّة فجوة زمنية تُقدَّر بنحو خمس سنوات. ومع ذلك، ظهرت وسائل تعليميّة بديلة ومبتكرة يبدعها الفلسطينيّون في غزّة. قد تبدو هذه الحلول استثنائيّة في اللحظة الراهنة، لكنّها مرشّحة لأن تصبح أنماطًا أكثر شيوعًا، مثل التعلّم في الخيام أو عبر الإنترنت.
ومن الأمثلة اللافتة ما يُعرف بالتجمّعات التعليميّة، حيث يبادر الأهالي إلى تنظيم تعلّم أبنائهم، ويشارك متطوّعون في التدريس من داخل غزّة وخارجها، بما في ذلك من الضفّة الغربيّة وخارج فلسطين. ويعكس هذا الواقع وعيًا عميقًا بأنّ التعليم نفسه أصبح مستهدفًا. وقد عبّر عدد من المعلّمين عن قناعة مؤثّرة مفادها أنّ استمراريّة التدريس، حتّى في أقسى الظروف، تمثّل فعلًا رمزيًّا ووجوديًّا، إذ إنّ التوقّف عن التعليم قد يُفهم بوصفه قبولًا بالهزيمة.
كما يبدو أنّ هناك إدراكًا جمعيًّا لدى المجتمع الفلسطينيّ لطبيعة هذا الاستهداف، وكأنّ ثمّة اتفاقًا ضمنيًّا على ضرورة بذل أقصى الجهود للحفاظ على استمراريّة التعليم. وعلى الرغم من حجم الدمار، برزت نوابغ وإنتاجات معرفيّة لافتة. وطوال العامَين الماضيَين، تمكن ملاحظة حراك تأليفيّ وتوثيقيّ ملحوظ، إذ يجري تدوين التجارب في روايات وكتب ونصوص متعدّدة. وهذا تطوّر مهمّ، خصوصًا إذا ما قورن بما حدث في نكبة سنة 1948، حين وقعت أحداث جسام لم تُوثَّق بالقدر الكافي. ما نشهده اليوم يعكس أثر الوعي والمستوى التعليميّ في حفظ الذاكرة وصياغة السرديّة. ويظهر التعليم هنا بوصفه شكلًا من أشكال الصمود. بل إنّ بعض المعلّمين يعبّرون عن شعور وجوديّ عميق، إذ يرون في التعليم دليلًا على الاستمرار والبقاء. ولهذا، فالاطّلاع على تجارب المعلّمين في غزّة يكتسب أهمّيّة خاصّة، ولا سيّما ما يوثَّق في منصّات ومدوّنات متخصّصة، تنقل خبراتهم في سياق غير مسبوق من الاستهداف.
استلهامًا من ملفّنا الحاليّ: أيّ طالب نريد أن نُخرِج من منظوماتنا التعليميّة؟ ما القيم والصفات التي ينبغي العمل عليها في المسار المدرسيّ؟ وهل يمكن تحقيق ذلك في ظلّ التعقيدات السياسيّة والاجتماعيّة الراهنة؟
من وجهة نظري، علينا إعداد طالب يمتلك تفكيرًا ناقدًا، وقادرًا على التحليل، وطرح الأسئلة، واتّخاذ مواقف مبنيّة على الفهم لا على التلقين. فالتعليم، في جوهره، لا ينبغي أن يقتصر على نقل المعرفة، بل يجب أن يركّز على تنمية مهارات التفكير النقديّ والإبداعيّ، أو ما يُعرف بمهارات التفكير العليا لدى المتعلّم. في تقديري، يُعدّ تعليم التفكير الناقد والإبداعيّ من أصعب أنماط التعليم داخل غرفة الصفّ. فكثير من المدارس والمعلّمين يؤكّدون أنّهم يسعون لتنمية الإبداع لدى الطلبة، لكنّنا أحيانًا لا ندرك أنّ بعض الممارسات الصفّيّة، سواء في طريقة الإلقاء، أو إدارة الحوار، أو حتّى في لغة الجسد لدى المعلّم، قد تُسهم، من حيث لا نشعر، في تقييد الطالب أو كبح تفكيره الإبداعيّ. يظلّ تعليم التفكير الإبداعيّ والناقد تحدّيًّا حقيقيًّا، لأنّه بطبيعته يفتح المجال للتساؤل، وقد يدفع الطالب إلى مساءلة أفكار غير مألوفة، بل وربّما مساءلة المعلّم نفسه، أو التفكير في قضايا لم تكن مطروحة أصلًا، مثل العدالة الاجتماعيّة أو الأسريّة أو الحرّيّة الفكريّة.
وتكمن الإشكاليّة حين يكون المعلّم، بحكم موقعه، الطرف الأكثر معرفة وسلطة داخل الصفّ، إذ قد يشعر بعض الطلبة بعدم الارتياح للتعبير عن آرائهم، أو خوض نقاشات تتّسم بتعدّد وجهات النظر، خشية الوقوع في موقع غير مريح. ومن هنا يظهر الفرق الجوهريّ بين دور "المدرّس" ودور "المربّي".
إذا افترضنا وجود هذا المربّي الذي يتيح لطلبته مساحة واسعة من الحرّيّة الفكريّة والمساءلة وتقبّل الاختلاف، فهل تسمح الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة السائدة في كثير من الدول العربيّة بممارسة هذا النمط من التعليم؟
إذا أردنا إجابة سريعة، فيمكن القول إنّ التحدّيات قائمة بلا شكّ، غير أنّ هناك، في رأيي، هوامش يمكن للمعلّم الواعي أن يخلقها ضمن بيئته المحلّيّة. فكثيرًا ما نميل نحن المعلّمين، إلى الاعتقاد بأنّ السياسات أو القيود المفروضة لا تسمح بمثل هذه النقاشات، لكنّ الواقع يشير إلى إمكانيّة إيجاد مساحات تربويّة مرنة، تُمارَس فيها مهارات التفكير والحوار. فالأمور ليست دائمًا أحاديّة أو مغلقة، إذ إنّ "واحدًا زائد واحد" لا يساوي دائمًا اثنين بالمعنى التربويّ والفكريّ.
لو أُتيحت فرصة إعادة تشكيل النظام التعليميّ العربيّ، فما الخطوات الأولى التي يمكن البدء بها؟
في تقديري، ينبغي أن ينصبّ التركيز أوّلًا على التعليم العامّ بوصفه ركيزة أساسيّة. وأتحفّظ هنا على استخدام مصطلح "حكوميّ"، لما يحمله أحيانًا من دلالات إجرائيّة أو تسييسيّة، مفضّلًا الحديث عن "مدارس القطاع العامّ". فهذه المدارس تمثّل الأساس الحقيقيّ لأيّ نظام تعليميّ.
وإذا أجرينا مقارنة سريعة مع عدد من الدول المتقدّمة، نجد أنّ نسبة التعليم الخاصّ تظلّ محدودة نسبيًّا، ففي الولايات المتّحدة مثلًا لا تتجاوز نحو 10%، وفي بريطانيا تدور حول نسب متقاربة، بل وتنخفض في بعض الدول إلى ما دون ذلك بكثير. وفي دول مثل النرويج، على سبيل المثال، يكاد وجود المدارس الخاصّة يكون نادرًا. ويعكس هذا الواقع قيام الدولة بدورها المركزيّ في توفير تعليم قويّ وعادل.
في المقابل، تُظهر التجارب في عدد من الدول العربيّة فجوة كبيرة بين القطاعَين العامّ والخاصّ، وهي فجوة لا نجدها بالحدّة نفسها في كثير من الأنظمة التعليميّة المستقرّة. وغالبًا ما يرتبط اتّساع التعليم الخاصّ بضعف منظومة التعليم العامّ، أو بتراجع ثقة المجتمع بها. ويمكن هنا استحضار مثالَين متمايزَين: في لبنان، سبق القطاع الخاصّ قيام الدولة بقرون، حيث وُجدت المدارس والجامعات الخاصّة قبل نشوء الدولة الحديثة، ما يجعل الظاهرة مفهومة في سياقها التاريخيّ. أمّا في الأردن، فقد تأسّس النظام التعليميّ الحديث بعد قيام الدولة، ولم يكن للقطاع الخاصّ الدور نفسه في البدايات، ومع ذلك شهد توسّعًا ملحوظًا لاحقًا، وهو ما يطرح تساؤلات حول مسارات التطوّر وأولويّات السياسات التعليميّة.
ومن القضايا الجوهريّة كذلك مسألة التعليم الإلزاميّ. في رأيي، ينبغي أن يبدأ التعليم الإلزاميّ من سنّ الخامسة، بما يشمل السنة الأخيرة من رياض الأطفال، تجنّبًا لظهور فجوات اجتماعيّة واقتصاديّة مبكّرة بين الأطفال. فالواقع الحاليّ يُظهر أنّ الالتحاق المبكّر بمؤسّسات تعليميّة متميّزة بات مرتبطًا بالقدرة الاقتصاديّة للأسرة، ما يعمّق التمايز الاجتماعيّ منذ الطفولة.
كما إنّ التعليم المهنيّ ما يزال يعاني تهميشًا واضحًا في كثير من السياقات العربيّة، ويُنظر إليه أحيانًا بنظرة دونيّة غير مبرّرة. في حين أنّ الأنظمة التعليميّة المتقدّمة تتعامل معه بوصفه مسارًا متكاملًا وضروريًّا. ومن المفارقات أنّ المدارس المهنيّة غالبًا ما تُنشأ في مناطق نائية أو بعيدة عن المراكز الحضريّة، وكأنّها خيار هامشيّ. لذلك، أرى أنّه من الضروريّ دمج التعليم المهنيّ ضمن البنية المدرسيّة العامّة، بحيث يكون مسارًا متاحًا ومتكاملًا داخل المدارس الأكاديميّة نفسها. فمن المهمّ تعريض الطلبة إلى طيف واسع من الخيارات والمسارات، لأنّ كثيرًا منهم لا تتاح لهم فرصة التعرّف الحقيقيّ إلى المهن والتخصّصات المختلفة إلّا في مراحل متأخّرة.
أمّا في ما يتعلّق بتدريس اللغة العربيّة، فأودّ التأكيد أنّني مع تدريس اللغات الأجنبيّة، بل ومع التوسّع فيها بقدر ما يلزم، الإنجليزيّة والفرنسيّة وغيرهما. غير أنّ الإشكاليّة تظهر حين تُقدّم لغة على حساب اللغة العربيّة، وكأنّ العربيّة لغة ثانويّة أو محدودة القيمة. في رأيي، تمتلك اللغة العربيّة ثراءً مفرداتيًّا وبنية لغويّة تسهم في دعم التفكير وتنميته.
تشير بعض نظريّات علم النفس إلى أنّ الطلاقة في القراءة والكتابة ترتبط بزيادة سرعة التفكير، وتعزيز القدرة على المعالجة المعرفيّة واستنباط الأفكار. كما تذهب بعض النظريات إلى أنّ اللغة والتفكير، في مراحل عمريّة معيّنة، خصوصًا في حدود سنّ العاشرة، تصبحان كيانًا واحدًا، فلا التفكير يسبق اللغة ولا اللغة تسبق التفكير، بل يتداخلان بصورة عضويّة. وعليه، فامتلاك حصيلة لغويّة غنيّة في اللغة الأمّ يظلّ عاملًا حاسمًا في النموّ المعرفيّ.
ومهما بلغ إتقان الطالب للغات الأجنبيّة، فلن تكون في معظم الحالات لغة أمًّا بالمعنى العميق للكلمة. فاللغة الأمّ تؤدّي دورًا محوريًّا في تشكيل أنماط التفكير والتعبير. ومن هذا المنطلق، أرى أنّنا نخسر كثيرًا من الطاقات والمواهب حين لا نولي اللغة الأمّ العناية الكافية.
نلاحظ أحيانًا أنّ بعض الطلبة يكتبون باللغات الأجنبيّة، غير أنّ قدرتهم التعبيريّة، مقارنة بالمتحدّثين الأصليّين، تبقى محدودة نسبيًّا. فقد لا تتجاوز في بعض الحالات 30% أو 40% من الطاقة التعبيريّة الممكنة لدى أصحاب اللغة الأمّ. كما إنّ النتاج المعرفيّ والإبداعيّ لدى المتحدّث الأصليّ يكون غالبًا أكثر سلاسة وعمقًا وتنوّعًا.
وفي المقابل، فترسيخ اللغة العربيّة بصورة قوّيّة لا يتعارض مع تعلّم اللغات الأخرى، بل يمكن أن يدعمها. فهناك ما يُعرف بانتقال أثر التعلّم، إذ تنتقل المهارات المعرفيّة واللغويّة من اللغة الأمّ إلى اللغات الأخرى، ما يعزّز قدرة المتعلّم على توليد الأفكار والتعبير عنها بمختلف اللغات.





نشر في عدد (24) ربيع 2026