ماذا نعلّم اليوم... للغد؟
ماذا نعلّم اليوم... للغد؟

مثّل العمل على إخراج هذا العدد إلى النور تحدّيًا لكلّ العاملين فيه، والذين وجدوا أنفسهم عالقين في دوّامة العمل الدؤوب لإنجاز العدد، والقلق الشخصيّ على السلامة والشعور بالأمان. وكان ملفّ العدد دافعًا بالنسبة إلينا إلى التأمّل في موضوعه: "المتعلّمون بعد المدرسة: ممارسات صفّيّة بعين مستقبليّة". 

 

هل الموضوع مرتبط بأجيال المستقبل وحسب؟ 

الواقع أنّ التعامل مع الجنون المستمرّ في عالمنا، يشكّل المقال الأوّل في هذا الملفّ: ما الذي يجب إعداد المتعلّمين له حتّى يتفاعلوا مع بيئة متحرّكة – بعنف في أحيان كثيرة – حتّى ينجوا بعقولهم وأرواحهم بأقلّ الأضرار. والمقالات المشاركة في الملفّ أعطتنا العناوين الأساس لما يجب تدريب أجيال المستقبل عليه؛ لا لجعلهم أفضل في اقتناص الفرص وحيازة الصفقات، بل ليكونوا خلاصة حضارة بشريّة ترنو إلى مستقبل أكثر عدلًا وخيرًا وأمنًا للجميع.  

فكرة الملفّ ومقالاته ركّزت على وجوب تضمين العديد من المهارات والقدرات في التعليم، وعلى ضرورة مأسسة هذه النواحي في صلب الممارسات اليوميّة، في كلّ المراحل والموادّ. وأهمّها: 

تعزيز عقليّة التساؤل: ليس العلم في امتلاك الإجابات الصحيحة، فهذا يحصل بالتلقين، ولا يحلّ مشكلات مستجدّة. العلم يبدأ من السؤال، وبالتحديد بالسؤال المتكرّر حول المسلمّات. إنسان الغد يجب ألّا يستسلم للمعرفة السهلة التي تؤمّنها شاشاته بالدرجة الأولى اليوم، بل عليه التمسّك بسؤال الـ"لماذا" الفاتح للأفق، قبل سؤال الـ"كيف" الذي يجعله منفّذًا ماهرًا لما لا يعرف مآلاته.  

تعزيز التفكير النقديّ: قد يكون التفكير النقديّ خشبة الخلاص للبشريّة من الانحدار عميقًا في مستنقعات التعصّب و"القبائليّة" والكره الخالص بلا وعي. كما إنّه الأساس في بناء إنسان قادر على التعامل مع المختلفات والمؤتلفات بينه وبين الآخرين، بما يسمح له بتجاوز الأفكار المسبقة، والتحيّز، وعدم رؤية الأمور من أكثر من منظور. 

تعزيز مفهوم القيم الجامعة: الحذاقة العلميّة والمهنيّة، مع تفكّك البُنى القيميّة عند إنسان الغد (واليوم طبعًا) قد تؤدّي إلى أخطار تهدّد ليس فقط الآخرين، بل مصير الكرة الأرضيّة برمّتها. العمل على الأنساق القيميّة الجامعة، مثل قيم الحقّ والعدل والخير والجمال، ومن غير تخصيص يجعل هذه القيم مختصّة بجماعة دون الأخرى، هو الضمانة لأجيال المستقبل بإعادة تكوين العلاقات بين الناس والدول والجماعات على أسس صحيحة. مفهوم القيم هذا، يجعل الفائدة الشخصيّة جزءًا من مجموعة محدّدات لاتّخاذ القرارات، عوضًا عن الاكتفاء بأنانيّة "الفوز" بأيّ ثمن. 

تعزيز الذكاء العاطفيّ والتواصل: قدرة الإنسان على التواصل مع ذاته قبل الآخرين، وفهم مشاعره وأسبابها، وحسن التعامل معها، تجعله أقدر على مواجهة المفاجآت والظروف الصعبة. كما تمنح مشاعره حصانة من أن تتمكّن المؤثّرات الخارجيّة، مثل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعيّ، من التلاعب بها. وهذا الصفاء الداخليّ يجعل التواصل مع الآخر أصحّ وأسلم، بما يضمن حوارات منتجة، وتقبّل الاختلاف وتجنّب الخلاف.  

التعامل مع بركة/ تحدّي الذكاء الاصطناعيّ: الاتّكاء على الذكاء الاصطناعيّ لم يعد خيارًا، ووجوده في بنية التعليم صار أساسًا إلّا من عجز عن ذلك نظرًا إلى قلّة الإمكانات والموارد. تدريب المتعلّمين على استعمال الذكاء الاصطناعيّ لا يقتصر على التعليمات والأوامر الملائمة وحسب، بل يجب أن يستثمر كلّ البنود السابقة في التعامل معه: السؤال الدائم عن منتَج الذكاء الاصطناعيّ؛ مقاربة إجاباته مقاربة نقديّة؛ وضع ما يخرج منه على المعيار القيميّ؛ السؤال عن أثر ما يقترحه في الذات وفي الآخرين. 

 

أملنا مع صدور العدد أن يكون السلام قد حلّ والقلق توقّف عند الجميع. ورغبتنا استمرار البحث في قضيّة ملفّ هذا العدد مستقبلًا لخطورة قضيّته، وفي محاولة للوصول إلى تبنّ لأفكاره في المناهج والاستراتيجيّات والمخرجات التعلّميّة – التعليميّة.