لكلّ معلّم... الحصّة الأولى
لكلّ معلّم... الحصّة الأولى
2021/12/11
لميا أحمد خالد | معلّمة فيزياء- لبنان

مقدّمة

مع انطلاقة العام الدراسيّ، نتأهّب جميعًا، معلّمين وطلّابًا وأهالي، لاستقباله على أكمل وجه، كلٌّ بحسب دوره ومسؤوليّاته ومهامه. ولئن تكمن الصعوبة في البدايات، تكتسي الحصّة الأولى أهمّيّة كبيرة، سواء بالنسبة إلى المعلّم أو الطالب، إذ يختزن اللقاء الأوّل بذور عام دراسيّ سهل أو صعب يرافق العمليّة التعليميّة، ويكون كلّ طرف في حال اختبار للآخر وجسّ نبض. بالنسبة إلى المعلّم، فإنّه سيحاول تحديد سَير الحصّة الدراسيّة بتقييم قدرات طلّابه وكفاياتهم وانضباطهم وبفرض شخصيّته وسياسته وأسلوبه، أمّا الطالب فتنطبع في ذاكرته طوال العام الدراسيّ صورة شخصيّة المعلّم وتؤثّر تاليًا في أدائه الدراسيّ وتُلاصق فكره، مع إمكان تحسّن هذه الصورة المطبوعة أو تراجعها خلال العام. تشكّل الحصّة الأولى للمعلّم مفتاحًا لأوّل باب في بداية مسيرته التعليميّة السنويّة، وتتنوّع هذه المفاتيح بين معلّم وآخر وبين مادّة وأخرى وبين صفّ وآخر. وهنا، تضطلع الخبرة الفرديّة للمعلّم بدور أساس في إرساء أسس سياسته التعليميّة وبسط حضوره وشخصيّته.

 

أهمّيّة الحصّة الأولى تعارفيًّا في تحديد علاقة المعلّم بالطلّاب

يتجاهل أغلب المعلّمين مدى أهمّيّة هذه الحصّة التعريفيّة، ويُؤثِرون أهمّيّة التدريس فيبدأون في التعليم بعد ما يقارب العشر الدقائق بعد التعريف عن أنفسهم، متناسين تمامًا الدور الفاعل والرابط الذي يجب أن يبنى بين الطرفين، خصوصًا في هذه الحصّة التي تتشكّل ضمن ضوابط تختلف من معلّم إلى آخر ولا يمكن التعميم في هذا السياق. هذه بعض أفكارٍ قد تساعد من هم جدد في عمليّة التعليم:

1. عرّف بدايةً عن نفسك (الاسم، الشهادة، سنوات الخبرة، المادّة التي ستعلّمها)، والأفضل كتابتها على اللّوح (السبّورة) للاستفادة من الذاكرة البصريّة وتفادي تعليق بعض الطلّاب على أنّهم لم يسمعوا كلّ التفاصيل.

2. تعرّف إلى طلّابك وأسمائهم متحدّثًا بصوت مناسب واضح ومتنوّع، فلا تهمس بحيث لا يسمعك كلّ الطلّاب، ولا تصرخ بحيث يُساء فهمك. كذلك حاول التواصل بصريًّا، متجنّبًا التفريق بين طلّابك إن كان ثمّة معرفة مسبقة بأحدهم.

3. حدّد لطلابك السلوكيّات المطلوبة منهم، سواء الإيجابيّة أو السلبيّة، ذاكرًا العواقب والحوافز وفق سلوك كلّ فرد، مشدّدًا على الجانب الأخلاقي ورابطًا إيّاها بيوميّاتهم. وبيّن لهم أن هذه السلوكيّات تضطلع بالدور الأكبر في تكوين الانطباع الأوّل عنهم لدى الطرف الآخر، متحدّثًا عن توقعاتك لما ستكون عليه تصرّفاتهم.

4. اجعل رابط الثقة أساسًا في علاقتك معهم، فمثلًا، لا تعِد الطلّاب بشيء ثمّ تخلف به.

5. حاول أن تجد معهم حلولًا لمشكلاتهم في المادّة، واعرف ما الذي يفضّلونه وما الذي يرفضونه لتكوّن فكرة عن فهمهم المسبق للمادّة. فمثلًا، يمكن أن تجهّز بحسب النظام المدرسيّ لديك ورقة أو موقعًا إلكترونيًّا يحتوي على مجموعة من الأسئلة، بعض منها محدّد ضمن أجوبة والبعض الآخر يتيح للطلّاب التعبير عن رأيهم حول مادّتك لناحية طبيعة الصعوبات التي يواجهونها والحلول التي يرونها مناسبة. ومن ثمّ افتح وقتًا للنقاش بعد الانتهاء في ما بينكم، وتجنّب كتابة اسم الطالب على الورقة تفاديًا لأيّ إحراج.

6. عرّف بمادّتك وما تحويه من فصول، واشرح لطلّابك طريقة التقييم مبيّنًا مدى حماستك في تعليم المادّة.

7. بثّ الثقة في نفوس طلّابك بدعمهم معنويًّا، وباستقاء أمثلة لشخصيّات معروفة ناجحة أو لطلّاب سابقين أثّروا فيك، مراعيًا الفروق الفرديّة في الصفّ، ومظهرًا لهم أن الكلّ بإمكانه الوصول.

8. عند الحديث عن المادة، تكلّم على الفصل أو الدرس التي تراه سهلًا وجاذبًا للطلّاب. في الصفّ السابع، مثلًا، اشرح أكثر في محور المادّة عن نظريّة نيوتن وأينشتاين في تصنيف الضوء إن كان مادّة أم لا، وأن الضوء يحتوي على جزيئات تسمّى فوتونات وما إلى ذلك. وهذه تتأتّى نتيجة خبرة ومعرفة مسبقة باهتمامات الطلّاب في هذه المادّة، وبأنّ الفيزياء ليست مادّة نظريّة بحتة فهي منطلقة من أحداث حياتنا اليوميّة. هذه المعلومات ستشكّل لهم الفكرة الأوّليّة التي سيكوّنونها عن مادّة الفيزياء لكونهم يتعرّفون إليها للمرّة الأولى.

 

سلوك الصفّ وإدارته

 ثمّة فصول عدّة تتعلّق بسلوك الصفّ وإدارته، وكلّ فصل يتكوّن من سلسلة حلقات مترابطة. ولعلّ الفصل الأبرز فيها هو كيفيّة الإعداد لحصّة تفاعليّة سليمة متكاملة تترافق بخطوات عدّة تُكتسب عند البعض نتيجة خبراتهم التعليميّة وكفاياتهم التدريسيّة كالتحضير المسبق، وأساليب ضبط الصفّ والأساليب التفاعليّة. لذا، ليس من الخطأ أحيانًا اللجوء إلى استشارة المشرف التربويّ أو من هو ذو خبرة ودراية.

 

1. التحضير المسبق

إن تحضير الدرس مسبقًا قبل الشرح، ولا سيّما كتابيًّا، يساهم في تفادي كثير من الأخطاء الممكن الوقوع فيها ضمن الحصّة، وفي استشراف الصعوبات التي يمكن أن تعترض الطالب. لكنّ هذا لا يعني ضرورة التقيّد التام به، فثمّة مستجدّات أثناء الحصّة قد تغيّر من سيرورة ما هو معدٌّ له، وتاليًا تودي إلى استبعاد بعض الأفكار والنقاط واستحضار أخرى. من هذا المنطلق، ووفق بعض الدراسات، فإن قدرة الطالب الاستيعابيّة داخل الحصّة تتفاوت بين 5 إلى 15 دقيقة في الحصّة التعليميّة بحسب العمر، لذلك يجب عدم الإكثار من الأهداف الدراسيّة والاستعاضة عنها بالألعاب التربويّة التفاعليّة التي تبعد الملل والخمول، ومن المحبّذ تجهيز الأدوات قبل أيّ حصّة لمنع إهدار الوقت والاستفادة من كلّ دقيقة.

 

2. ضبط الصفّ

تتنوّع أساليب ضبط الصفّ وتختلف، وكلّما بحثتَ وشاركت في دورات تعليميّة وسُع أفق المعرفة لديك وتنوّعت الأساليب. ولكون التجديد مطلوبًا، ولكوننا نعيش في عصر اختلفت احتياجاته، فإن الأمر لم يعد محصورًا بلوح وطبشورة، لذلك:

1. لا تكثر من الفروض المنزليّة وأبدلها بما يلائم واقع الطلبة ممّا يزيد من محبّة الطلّاب فيك.  
2. خصّص، أحيانًا، وقتًا لإسداء بعض النصائح الحياتيّة التي تلامس واقعهم وتزيد من ثقتهم بنفسهم وبمعلّمهم.
3. تحرّك بين الطلّاب عند الشرح والمناقشة وخذ بآرائهم وعلّق عليها.
4. حاول بين الفينة والأخرى إضفاء جوّ من المرح وسجّل أيّ ملاحظة أو تصرّفٍ لفت انتباهك وعلّقه على الحائط.
5. أولِ الأهمّيّة اللّازمة لعمليّة التصحيح للواجب المنزليّ، والأهمّ التأكّد أثناء انشغالك في الكتابة على اللّوح (السبّورة) بانهماك الطلّاب بشيء يفعلونه.

 

3. أساليب تفاعليّة

كما ذكرنا، فإن التفاعل أساس في إدارة الصفّ، وتختلف حركته بحسب الفصول الدراسيّة وطريقة التدريس، منها:

1. العصف الذهنيّ أثناء شرح الدرس أو خلال حلّ التمرين.
2. تلخيص الدرس مع الطلّاب في نهايته، والأفضل بعد حلّ التمارين.
3. تدوين الطلّاب الأفكار أو القاعدات الصعبة على ورقة تعلّق على الحائط، ولا سيّما تلك التي لها علاقة بدروس لاحقة، مع مراجعتها سويًّا في بداية كلّ حصّة.
4. استخدام المواقع الإلكترونيّة، منها: google jamboards -mentimeter -power point -kahoot.
5. توظيف استراتيجيّات التعليم النشط.

 

الخلاصة

وقتك ثمين والأساليب كثيرة تختلف بحسب المعلّم والشخصيّة والمادّة، فعليك الاستفادة قدر المستطاع. المهمّة صعبة، لكنّها تستحقّ: استطلع، فكّر، اقتبس، تمرّن، ناقش، حلّل، استشر، تفاعل، اصبر، اخطئ لتنجح... كلّ ذلك يصبّ في مصلحتك، فلا تخف من الفشل واسعَ دائمًا واجعل من عبارة "اجتهد من أجل نفسك" الهدف الأساس في مهنتك التعليميّة.