بكلّ تأكيد لا يرغب أيّ من الوالدين أن يرفض طلبًا لطفله الصغير، وقول "لا" أحد أصعب أجزاء تربية الطفل. لكن ماذا لو نتج عن الموافقة المستمرّة لطلبات الطفل عناد في شخصيّته؟ أو ربّما شخصيّة مدلّلة صعبة المراس؟
لولا الحدود التي وضعها الآباء والأمّهات لأطفالهم الفضوليّين والمتحمّسين لاستكشاف العالم من حولهم، لانخرطوا في سلوكيّات غير مناسبة أو غير آمنة غالبًا. وفي حين أنّ وضع الحدود أمر ضروريّ لتعليم الأطفال ضبط النفس والمسؤوليّة واتّخاذ القرار، فقد يكون من الصعب قول "لا" بطريقة حازمة وفعّالة، من دون التسبّب بردّ فعل سلبيّ عند الأطفال.
لكن، وعلى رغم كلّ هذا، فالخبر السارّ أنّ قول "لا" لا ينبغي أن يكون تجربة سلبيّة؛ إذ يستطيع الوالدان الحفاظ على حدود صحّيّة مع أطفالهم، مع إظهار التفاهم وتشجيع التعاون، وذلك باتّباع الاستراتيجيّات السليمة في التربية، ومعرفة متى وكيف ينبغي رفض طلب الطفل.
في هذا المقال، سوف نستكشف كيفيّة قول "لا" بشكل فعّال، ونقدّم بدائل للرفض الصريح.
لماذا قول "لا" مهمّ
يُعدّ قول "لا" جزءًا أساسيًّا من تربية الأبناء، لأنّه يساعد الأطفال على معرفة أنّ هناك حدودًا معيّنة، خصوصًا في ما يتعلّق بسلامتهم والمعايير الاجتماعيّة. وقد يواجه الأطفال الذين يكبرون من دون سماع كلمة "لا"، أو الذين تعوّدوا أنّ طلباتهم مُجابة دائمًا مشكلة في فهم الحدود، أو صعوبات في إدارة التعامل مع الإحباط عندما لا يحصلون على ما يريدون.
ومع ذلك، فإنّ الرفض المتكرّر، لا سيّما إذا كان من دون تفسير، يمكن أن يؤدّي إلى العناد ونوبات الغضب وحتّى الاستياء. لذلك، على الوالدين إيجاد توازن بين فرض سلطتهما وتعزيز الاحترام المتبادل. كما يمكن أن تؤثّر الطريقة التي يقول بها الأهل "لا" في قدرة الطفل على تعامله مع الرفض، وتنظيم عواطفه، وتطوير مهارات حلّ المشكلات.
طرق فعّالة لقول "لا" لطفلك
قول "لا" بشكل فعّال ينطوي على أكثر من مجرّد نطق الكلمة. في الآتي استراتيجيّات لمساعدتك على ضبط الحدود، مع تشجيع الفَهم والتعاون:
قدّم تفسيرًا
من المرجّح أن يقبل الأطفال الرفض إذا فهموا المنطق وراءه. فبدلًا من رفض الطلب ببساطة، اشرح سبب قولك "لا". على سبيل المثال:
بدلًا من: "لا، لا يمكنك تناول الحلوى قبل العشاء".
قُل: "أعلم أنّك تحبّ الحلوى، ولكن إذا تناولتها الآن، فسوف تُفسد شهيّتك للعشاء. دعنا نحتفظ بها إلى حين ننتهي من الأكل".
يساعد تقديم تفسير واضح الأطفال في رؤية أنّ القرار ليس تعسّفيًّا، ويشجّعهم على التفكير النقديّ في الموقف.
تفهّم مشاعر طفلك وتعاطف معه
عندما يسمع الطفل كلمة "لا"، قد يشعر بخيبة الأمل أو الإحباط. لذلك، فإنّ تأكيدك على التعاطف معه ومع مشاعره، يجعله أكثر تفهّمًا للرفض، حتّى لو لم يحصل على ما يريد.
على سبيل المثال: "أعلم أنّك منزعج لأنّنا لا نستطيع الذهاب إلى الحديقة الآن. كنتُ لأشعر بالشعور نفسه، لكنّ الوقت أصبح متأخّرًا، وعلينا العودة إلى المنزل".
استخدم لغة إيجابيّة
بدلًا من صياغة ردّك بالكامل على أنّه سلبيّ، ركّز على ما يمكن للطفل فعله بالمقابل. هذا النهج يُحوّل المحادثة من الرفض المباشر إلى وجود بديل بنّاء.
فبدلًا من قول: "لا، لا يمكنك اللعب في الخارج".
قُل: "الآن أصبح الظلام حالكًا للعب في الخارج، لكن يمكننا الخروج أوّل شيء في صباح الغد!".
يساعد هذا التأطير الجديد الطفل في الشعور بأنّ رغباته تُؤخذ في الاعتبار، حتّى لو لم يكن التوقيت أو الظرف مثاليًّا.
كن حازمًا ومتمسّكًا بقرارك
يلاحظ الأطفال التناقضات بسرعة. لذلك، إذا شعروا أنّ العناد أو نوبات الغضب يمكن أن تغيّر "لا" إلى "نعم"، فمن المرجّح أن يُكرّروا هذا السلوك. فكلّ ما عليك فعله أن تحافظ على هدوئك وتكون حازمًا عند قول "لا"، خصوصًا إذا كان هناك سبب وجيه ومُقنع لهذا الرفض.
على سبيل المثال، إذا قلت: "لا، لا يمكنك البقاء مستيقظًا حتّى وقت متأخّر الليلة، لأنّها ليلة مدرسيّة"، فلا تستسلم عندما يتوسّل: "فقط خمس دقائق أخرى"، لأنّ التمسّك بقرارك سيُعرّف الطفل على الحدود ويُعلّمه احترام القواعد.
قدّم الخيارات عندما يكون ذلك ممكنًا
إعطاء الأطفال خيارات بديلة ضمن حدود ليقرّروا بأنفسهم أيّها يختارون، يمنحهم القوّة ويقلّل من صراعات السلطة. على سبيل المثال:
بدلًا من: "لا، لا يمكنك مشاهدة التلفاز الآن".
قُل: "لا يمكنك مشاهدة التلفاز الآن لأنّ وقت الواجبات المنزليّة قد حان، ولكن يمكنك اختيار مشاهدة برنامج بعد الانتهاء من الواجبات المنزليّة أو بعد العشاء، أيّهما يُناسبك؟".
تعمل هذه الاستراتيجيّة على تحويل التركيز من الرفض إلى اتّخاذ القرار، ما يساعد الطفل في الشعور بمزيد من التحكّم.
علّم طفلك حلّ المشكلات
بدلًا من قول لا ببساطة، أشرك طفلك في إيجاد حلّ للمشكلة. على سبيل المثال:
إذا طلب طفلك لعبة جديدة لا يتوفّر ثمنها ضمن الميزانيّة، فقد تقول: "لا يمكننا شراء هذه اللعبة الآن لأنّنا نوفّر المال، ولكن ماذا عن إضافتها إلى قائمة أُمنيات عيد ميلادك؟ أو ربّما يمكنك ادّخار المال من أجلها من مصروفك".
يُعلّم هذا النهج الأطفال مهارات قيّمة، مثل القناعة والتفكير الاستراتيجيّ.
بدائل قول "لا" للطفل
في بعض الأحيان، قد يؤدّي قول "لا" صراحةً إلى تصعيد الصراع أو العناد، لذلك قد يساعد استخدام البدائل في تخفيف حدّة الرسالة، مع الحفاظ على الحدود:
- - "دعنا نفعل هذا بدلًا من ذلك". أعِد توجيه انتباه طفلك إلى نشاط أو خيار آخر.
- - "هذا ليس آمنًا". إذا كانت السلامة المشكلة، فكن واضحًا بشأن سبب عدم إمكانيّة تنفيذ طلبه.
- - "أتفهّم أنّك تريد هذا، ولكن إليك السبب وراء عدم قدرتنا على ذلك". التعاطف مع التفسير يختصر عليك نوبات طويلة من العناد والإصرار.
- - "يمكننا تجربة ذلك لاحقًا". أجّل الطلب بدلًا من رفضه تمامًا، إذا كان من المعقول القيام به لاحقًا.
***
قول "لا" بشكل فعّال يُعدّ مهارة أساسيّة للوالدين، لأنّه يضع حدودًا صحّيّة، ويساعد الأطفال في تعلّم إدارة مشاعرهم وردّات فعلهم عند الرفض والإحباط. ومع مرور الوقت، ستساعد التفاعلات الإيجابيّة والطرق البنّاءة في رفض طلب الطفل وتوفير خيار أفضل، في تطوير مهارات التنظيم الذاتيّ والمرونة وحلّ المشكلات، وهي أدوات قيّمة ستخدمه طوال حياته.
المراجع
https://blog.lovevery.com/child-development/the-dos-and-donts-of-saying-no/
https://parentingsimply.com/the-importance-of-saying-no-to-your-kids/


