الأطفال فضوليّون بطبيعتهم؛ فترى عقولهم تستوعب المعلومات باستمرار، وتحاول فهم العالم من حولهم باستمرار. ونتيجة لذلك، يطرحون الكثير من الأسئلة التي بعضها قد يفاجئ الأهل. وسواء كان الأمر يتعلّق بجسم الإنسان أو العلاقات أو المال أو حتّى الموت، فقد تكون أسئلة الأطفال أحيانًا محرجة أو غير مناسبة، خصوصًا عندما تُطرح في الأماكن العامّة.
في حين أنّ هذه اللحظات قد تجعل الأهل يرغبون في التبخّر في الهواء، فإنّ التعامل معها بالطريقة الصحيحة أمر مهمّ، لتعزيز التواصل المفتوح والثقة وفهم الطفل الصحّيّ للعالم. في هذا المقال، سنستكشف سبب طرح الأطفال لأسئلة محرجة، وكيفيّة الردّ عليها بشكل مناسب، واستراتيجيّات لتشجيع الفضول مع وضع الحدود.
لماذا يطرح الأطفال أسئلة محرجة؟
قد تبدو أسئلة الأطفال محرجة للكبار، لكن من وجهة نظر الطفل فإنّه يبحث فقط عن المعرفة. وفي الآتي بعض الأسباب التي تجعل الأطفال يطرحون مثل هذه الأسئلة الصريحة:
الفضول الطبيعيّ
يتعلّم الأطفال عن محيطهم كلّ يوم، ويطرحون الأسئلة لأنّهم يريدون حقًّا فهم الأشياء من حولهم، سواء كان الأمر يتعلّق بـ "لماذا يختلف لون بشرة الناس؟" أو "من أين يأتي الأطفال؟".
الافتقار إلى الوعي الاجتماعيّ
لا يفهم الأطفال الصغار بعد ما الذي يُعتبر مقبولًا اجتماعيًّا أو محظورًا. السؤال بصوت عالٍ: "لماذا هذا الرجل سمين جدًّا؟" في وسط متجر بقالة، ليس المقصود منه أن يكون وقحًا؛ إنّه ببساطة ملاحظة يريدون تفسيرًا لها، ولا يدركون تبعاتها عند قولها بهذه الطريقة.
التعرّض إلى أفكار جديدة
مع نموّ الأطفال، يتعرّفون إلى مفاهيم جديدة من الكتب والتلفاز والمدرسة والتفاعلات مع الآخرين. قد يسمعون مصطلحًا غير مألوف، ويسألون عنه من دون فهم سياقه.
اختبار الحدود
في بعض الأحيان، يطرح الأطفال أسئلة صادمة فقط لمعرفة ردّ فعل البالغين. قد يجرّبون الفكاهة، أو يختبرون ردود فعل الوالدين، أو يحاولون تحديد الموضوعات التي "لا يجوز لهم التطرّق إليها".
كيفيّة التعامل مع الأسئلة المحرجة
بدلًا من إسكات الطفل أو تجاهل سؤاله، من الأفضل التعامل مع الموقف بهدوء وتأنٍ. وإليك كيفيّة الردّ بفعّاليّة:
حافظ على هدوئك
بغضّ النظر عن مدى صدمة السؤال، حاول ألّا تُظهر انزعاجك. المبالغة في ردّ الفعل أو توبيخ الطفل، يمكن أن يجعلاه يشعر بالخجل من فضوله، ما يُثبّط عزيمته عن طرح الأسئلة في المستقبل. بدلًا من ذلك، خذ نفسًا عميقًا، وردّ بطريقة محايدة وهادئة.
مثال: إذا سأل طفلك: "لماذا يمتلك هذا الشخص ساقًا واحدة فقط؟" بصوت عال، وبدلًا من التوتّر، يمكنك أن تقول: "بعض الناس لديهم أجساد مختلفة، ولا بأس بذلك. دعنا نتحدّث عن هذا الأمر أكثر عندما نعود إلى المنزل".
أجب بصراحة لكن بشكل مناسب لعمر طفلك
لا يحتاج الأطفال إلى تفسيرات معقّدة أو مفصّلة بشكل مفرط. حافظ على إجابات بسيطة وواقعيّة ومناسبة لمستوى فهمهم.
مثال: إذا سأل الطفل: "من أين يأتي الأطفال؟" فقد يكتفي طفل ما قبل المدرسة بأن تقول له: "ينمو الأطفال في بطن أمّهاتهم". وقد يحتاج الطفل الأكبر سنًّا إلى شرح أكثر تفصيلًا، لكن مناسب لعمره.
استخدم الفرصة لتعليم القيم
توفّر العديد من الأسئلة المحرجة فرصة رائعة لتعليم اللطف والاحترام والقبول.
مثال: إذا سأل طفلك: "لماذا تمتلك هذه السيّدة وجهًا غريبًا؟" يمكنك أن تقول: "يبدو الجميع مختلفين، وهذا ما يجعل الناس مميّزين. ليس من اللطيف التعليق على مظهر الناس لأنّه قد يؤذي مشاعرهم، فهو شيء لا يستطيعون التحكّم به".
إعادة توجيه المحادثة أو تأخيرها إذا لزم الأمر
إذا ظهر سؤال في مكان غير مناسب، فأجب عنه بإيجاز، مع الوعد بمناقشته لاحقًا.
مثال: إذا سأل طفلك بصوت عالٍ وهو يشير إلى شخص مسنّ في السوبر ماركت: "لماذا تظهر على هذه الجدّة الكثير من التجاعيد؟ هل ستموت قريبًا؟" جرّب أن تقول له بهدوء: "التجاعيد علامة على أنّ الشخص عاش حياة طويلة ورائعة، وهذه التجاعيد تحمل الكثير من المعاني، سأخبرك عنها عندما نعود إلى المنزل".
شجّع على طرح المزيد من الأسئلة
حتّى إذا كان السؤال محرجًا، يجب أن يشعر الأطفال بالراحة في سؤال والديهم عن أيّ شيء. إذا شعروا بالحرج أو التجنّب، فقد يبحثون عن إجابات في مكان آخر ، ربّما من مصادر غير موثوقة.
تتمثّل إحدى الطرق الرائعة لتشجيع التواصل المفتوح في الردّ بـ: "هذا سؤال رائع! ما رأيك؟" وهذا لا يساعد فقط في قياس ما يعرفونه بالفعل، لكنّه يجعلهم أيضًا يشعرون بأنّ صوتهم مسموع ومقدَّر.
استخدم الكتب والموارد
إذا كنت غير متأكّد من كيفيّة الإجابة عن سؤال صعب، يمكن أن تساعدك الكتب والموارد التعليميّة. هناك كتب مناسبة للعمر حول موضوعات مثل تغيّرات الجسم والتنوّع والعواطف، تشرح الأشياء بطريقة يمكن للأطفال فهمها.
مثال: إذا سأل طفلك عن الموت، فإنّ قراءة كتاب للأطفال عن الخسارة يمكن أن يساعده في معالجة المفهوم بطريقة لطيفة وذات مغزى.
ماذا تتجنّب عند الإجابة عن الأسئلة المحرجة؟
عند التعامل مع الأسئلة المحرجة، حاول تجنّب هذه الأخطاء الشائعة:
-
- لا تخجل أو توبّخ: الردّ بـ "هذا سؤال وقح!" قد يجعل طفلك يشعر بالسوء لكونه فضوليًّا، ولو تكرّر هذا الموقف أكثر من مرّة قد تكون له تبعات، مثل انطواء الطفل وعدم شعوره بالفضول تجاه الحياة لاحقًا.
-
- لا تكذب: في حين أنّك لست بحاجة إلى تقديم تفاصيل كاملة، تجنّب اختلاق تفسيرات كاذبة يمكن أن تؤدّي إلى ارتباك. قد يؤدّي الكذب إلى زعزعة ثقة طفلك بك، وبهذا سيتجنّب أن يسألك لاحقًا.
-
- لا تتجاهل السؤال: إذا شعر الطفل بعدم الارتياح، فقد يبحث عن إجابات في مكان آخر - أحيانًا من مصادر غير موثوقة أو مضلّلة. لذا لا تتجاهل السؤال، أو بالأحرى لا تترك طفلك يفكّر في احتماليّة الإجابة لوحده، من دون أن تعطيه جوابًا يغذّي خياله وتفكيره، كي لا يلجأ إلى المصادر الخطأ ليجد الجواب الذي يبحث عنه.
-
- لا تشرح أكثر من اللازم: التزم بما يحتاج طفلك إلى معرفته في مستواه العمريّ. قد يكون تقديم الكثير من المعلومات أمرًا مرهقًا أو مشوّشًا لعقل الطفل.
***
الأسئلة المحرجة التي يطرحها الأطفال تُشكّل جزءًا طبيعيًّا من النموّ والتعلّم. وعلى رغم أنّها قد تكون غير مريحة في بعض الأحيان، إلّا أنّها توفّر لحظات تعليميّة قيّمة. وأفضل الطرق للإجابة عن هذه التساؤلات تكون بالتحلّي بالصدق والصبر، وتقديم تفسيرات مناسبة للعمر، فهذا سيساعد الوالدين في تعزيز علاقة ثقة، إذ يشعر الأطفال بالراحة تجاه فضولهم.
تذكّر أنّ الهدف ليس فقط الإجابة عن السؤال، ولكن أيضًا تشجيع الفضول وتعليم الاحترام وبناء تواصل مفتوح يدوم مدى الحياة. لذا، في المرّة القادمة التي يسأل فيها طفلك شيئًا محرجًا، خذ نفسًا عميقًا وابتسم، واغتنم الفرصة لتوجيهه بالحبّ والحكمة.


