يقدّم تقرير "جرائم غير مرئيّة، فصول دراسيّة مفقودة: معالجة عدم الإبلاغ والإفلات من العقاب في الهجمات على تعليم الفتيات"، الصادر عن التحالف العالميّ لحماية التعليم من الهجوم في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، تحليلًا للتأثيرات المدمّرة التي تخلّفها الهجمات المسلّحة في تعليم النساء والفتيات في مناطق النزاع، مسلّطًا الضوء على تفاقم ظاهرة عدم الإبلاغ عن هذه الانتهاكات وغياب المساءلة عنها.
استهداف البنية التحتيّة التعليميّة
يستهدف النزاع المسلّح البنية التحتيّة التعليميّة بشكل ممنهج، ما يُفقد الفتيات ملاذهنّ التعليميّ. ففي اليمن، استخدمت الجماعات المسلّحة المدارس قواعد لتجنيد الطالبات، بينما شهدت سوريا اختطاف تلميذات من أمام مدارسهنّ للالتحاق بالتجنيد. وفي السودان، اقتحم مسلّحون مبنى جامعيًّا نسائيًّا، وارتكبوا اعتداءات بحقّ الطالبات. أمّا في العراق، فقد طال التفجير مراكز تعليميّة، في حين دمّرت ميليشيات في ليبيا مؤسّسات تعليميّة، ومنعت الفتيات من الاستمرار في دراستهنّ. يحوّل الاستهداف المادّيّ، والاستيلاء العسكريّ على الفصول الدراسيّة، المدرسة من فضاء للتعلّم إلى موقع للمخاطر الأمنيّة والجسديّة.
انقطاع الفتيات عن التعليم
يستعرض التقرير تداعيات انقطاع الفتيات عن التعليم في مناطق النزاع، حيث تتضاعف معدّلات التسرّب بينهنّ مقارنة بنظيراتهنّ في البلدان المستقرّة. في الصومال وأفغانستان وباكستان، يسحب الأهالي بناتهنّ من المدارس خوفًا من الاختطاف والعنف الجنسيّ على الطريق، بينما تواجه الفتيات ذوات الإعاقة صعوبات مضاعفة في العودة إلى الدراسة بعد تدمير المدارس. كما تتفاقم الأزمة بفقدان المرافق الصحّيّة الآمنة، ما يضطرّ الفتيات إلى ترك التعليم، خشية التعرّض إلى الاعتداء أثناء استخدام المراحيض البعيدة، في ظلّ غياب البنية التحتيّة الملائمة.
التعليم بوصفه آليّة حماية وإعادة تأهيل
يؤدّي التعليم دور آليّة حماية وإعادة تأهيل للفتيات في مناطق النزاع، إذ تمثّل المدرسة الفضاء الوحيد الذي يمنحهنّ الاستقرار النفسيّ، ويعيد إليهنّ إحساسهنّ بالطفولة بعيدًا عن آلام الحرب. في الكاميرون والكونغو الديمقراطيّة، لجأت فتيات إلى ممارسات غير مشروعة مقابل المال لدفع رسوم التعليم، بينما ارتفعت معدّلات زواج القاصرات في كينيا والصومال نتيجة إغلاق المدارس. ويؤكّد التقرير أنّ استمرار التعليم يشكّل حاجزًا وقائيًّا ضدّ تجنيد الأطفال، ويمنح الفتيات المجنّدات سابقًا فرصة إعادة بناء هويتهنّ بعيدًا عن سياق المقاتل، فضلًا عن إعادة دمج الناجيات من العنف الجنسيّ والأمّهات القاصرات ضمن برامج تعليميّة مرنة وآمنة.
السياسات والإطارات القانونيّة لحماية التعليم
يشير التقرير إلى التطوّرات القانونيّة والسياسيّة الدوليّة الرامية إلى حماية التعليم، وفي مقدّمتها اعتراف المحكمة الجنائيّة الدوليّة سنة 2025، بأنّ حرمان الفتيات من التعليم يُشكّل جريمة ضدّ الإنسانيّة تُصنّف ضمن جرائم الاضطهاد. ويُسلّط الضوء على إعلان المدارس الآمنة الذي وقّعته 121 دولة، والذي يُلزم الدول بحماية الطلّاب والمعلّمين والمنشآت التعليميّة من الهجمات والاستخدام العسكريّ. كما يُشير إلى دور لجنة الأمم المتّحدة في القضاء على التمييز ضدّ المرأة، بدمج هذا الإعلان ضمن توصياتها للدول الأعضاء، مطالبة بإصلاحات تشريعيّة وعسكريّة وسياسيّة تضمن محاسبة مرتكبي الاعتداءات على التعليم.
الحوكمة والبيانات التعليميّة
تتمثّل الأزمة في غياب البيانات الموثوقة والمنفصلة نوعيًّا عن الهجمات على التعليم، والتي تُفقد الانتهاكات بُعدها الحقيقيّ وتُعمّق الإفلات من العقاب. يُشدّد التقرير على ضرورة جمع معلومات مفصّلة حسب الجنس والعمر والموقع والجهة المسؤولة، بما يُمكّن من وضع استراتيجيّات وقائيّة فعّالة. ويُركّز على أهمّيّة مشاركة الفتيات أنفسهنّ في رسم خطط الأمن والسلامة المدرسيّة، كما هو الحال في الكاميرون، حيث أُشركن في تحديد تدابير الحماية، داعيًا إلى تمويل مستدام لقدرات الرصد الوطنيّة، وتعزيز تفويض بعثات الأمم المتّحدة الإنسانيّة في متابعة الانتهاكات القائمة على النوع الاجتماعيّ.
توصيات لتعزيز حماية التعليم
قدّم التقرير توصيّات عمليّة لتعزيز حماية التعليم وضمان استمراريّته للفتيات في مناطق النزاع، مُوجّهًا هذه التوصيات بالدرجة الأولى إلى الدول المُوقّعة على إعلان المدارس الآمنة. إذ يُطالب بتبنّي نهج حسّاس للنوع الاجتماعيّ في تنفيذ هذا الإعلان، وتحديدًا تجريم الاستخدام العسكريّ للمدارس في القوانين الوطنيّة، واتّخاذ تدابير استثنائيّة لإعادة دمج الفئات الأكثر تهميشًا، من النازحات وناجيات العنف الجنسيّ والأمّهات القاصرات في المدارس. كما يُؤكّد على ضرورة توفير نقل آمن ورعاية للأطفال وتعليم مرن ودعم ماليّ، لإزالة الحواجز التي تُبعد الفتيات عن مقاعد الدراسة. ويُوجّه التقرير رسالة موازية إلى الجهات المانحة والإنسانيّة، تفيد بضرورة توسيع تدريب العاملين التعليميّين على جمع بيانات منفصلة نوعيًّا عن الهجمات، وحماية قدرات الرصد الوطنيّة عن طريق تمويل مستدام، ومتابعة المساءلة القانونيّة لمرتكبي الاعتداءات بما يضمن محاكمة عادلة ونزيهة.





نشر في عدد (24) ربيع 2026