بين الخيمة والكتاب، يقف التعليم في غزّة اليوم عند مفترق بالغ القسوة، حيث لم تعد المدرسة إطارًا ثابتًا، ولا الصفّ مساحة آمنة، ولا العمليّة التعليميّة مسارًا واضح المعالم. لقد تغيّر شكل التعليم ومضمونه معًا، لا بفعل التطوير المقصود، بل نتيجة واقع استثنائيّ فرض نفسه بقوّة، وأعاد تعريف ما يعنيه أن يتعلّم الطفل وأن يعلّم المعلّم، في ظلّ غياب الاستقرار وتحوّل الطوارئ إلى حالة شبه دائمة.
لم يعد الحديث عن التعليم في غزّة ممكنًا بمعزل عن السياق العام، فعدد كبير من المدارس تضرّر أو خرج عن الخدمة، وتعطّلت العمليّة التعليميّة النظاميّة في مساحات واسعة، ووجد آلاف الطلبة أنفسهم خارج الإطار المدرسيّ التقليديّ، وفي هذا الفراغ، لم يكن البديل تعليمًا مستقرًّا بقدر ما كان محاولة للحفاظ على الحدّ الأدنى من الصلة بالمعرفة، وعلى فكرة التعليم بوصفه حقًّا لا ينبغي أن يختفي، حتّى وإن فقد أدواته المعتادة.
في هذا المشهد تظهر الخيمة رمزًا لواقع تعليميّ جديد، لا بوصفها بديلًا تربويًّا، بل مساحة اضطراريّة تُمارس فيها العمليّة التعليميّة بأبسط صورها. يدخل المعلّم إلى مكان لا يشبه الصفّ، ويجلس الطلبة في ظروف تفتقر إلى مقومات التعليم الأساسيّة، بينما يحاول الجميع التمسك بالكتاب باعتباره آخر ما تبقّى من انتظام ومعنى، هنا لا يكون التعليم نقلًا للمعرفة بقدر ما يكون فعل صمود، ومحاولة لحماية الوعي من الانقطاع الكامل.
غير أنّ هذا الواقع لا يحمّل الطلبة وحدهم عبء التعلّم في ظروف قاسية، بل يضع المعلّم أمام تحدّيات مركّبة؛ فالمعلّم في غزّة اليوم يعيش حالة من عدم اليقين المهنيّ، في ظلّ غياب رؤية واضحة لمستقبل التعليم، وعدم انتظام الرواتب، وتقلّب السياسات، وتآكل الإحساس بالأمان الوظيفيّ، ويضاف إلى ذلك العبء النفسيّ الناتج عن العمل في بيئة غير مستقرّة، والتعامل مع طلبة يشاركونه القلق ذاته، ويعيشون آثار واقع يتجاوز قدرتهم على الاستيعاب.
ورغم ذلك يواصل المعلّم أداء دوره، لا بدافع الالتزام الوظيفيّ فحسب، بل بدافع شعوره العميق بالمسؤوليّة تجاه جيل كامل مهدّد بالانقطاع المعرفيّ. هذا الاستمرار على أهمّيّته لا ينبغي أن يُفهم بوصفه حلًّا، ولا أن يُستثمر لتكريس واقع هشّ، فالتعليم في الخيمة مهما حمل من رمزيّة إيجابيّة، يبقى حالة مؤقّتة لا يمكن البناء عليها مستقبلًا، ولا تعويضًا عن نظام تعليميّ متكامل يضمّن الجودة والعدالة والاستدامة.
إنّ أخطر ما يواجه التعليم في غزّة اليوم ليس فقط تدمير البنية التحتيّة، بل خطر تطبيع الأزمة، والتعامل مع التعليم الطارئ بوصفه وضعًا مقبولًا على المدى الطويل؛ فاستمرار غياب التخطيط الشامل، وتأجيل معالجة الإشكاليّات البنيويّة، يهدّدان بتحويل جيلًا كاملًا إلى ضحيّة فجوة تعليميّة يصعب تداركها لاحقًا. كما أنّ إغفال البعد النفسيّ والاجتماعيّ في مقاربة التعليم يزيد من هشاشة العمليّة التعليميّة، ويقلّل من قدرتها على تحقيق أهدافها الأساسيّة.
إنّ التعليم في غزّة بحاجة إلى مقاربة تتجاوز إدارة الأزمة إلى إعادة بناء الرؤيّة، مقاربة تعترف بخصوصيّة الواقع، دون أن تستسلم له، وتتعامل مع الطوارئ بوصفها مرحلة انتقاليّة لا نموذجًا دائمًا؛ فبين الخيمة والكتاب، لا ينبغي أن يضيع الهدف الأساسيّ: تعليم يضمن للطالب حقّه في التعلّم الكريم، وللمعلّم حقّه في بيئة مهنيّة مستقرّة، وللمجتمع أملًا في مستقبل لا يُختصر في النجاة وحدها.
ختامًا، لا يمكن فصل مستقبل غزّة عن مستقبل تعليمها، فالمجتمع الذي يحاول الحفاظ على كتاب في خيمة، إنما يعلن تمسّكه بالحياة والمعرفة معًا غير أنّ هذا التمسّك على أهمّيّته، يحتاج إلى دعم حقيقيّ، وإرادة واضحة، وسياسات تعليميّة مسؤولة، تُخرج التعليم من دائرة الطوارئ، وتعيد له مكانته بوصفه ركيزة أساسيّة لبناء الإنسان، لا مجرّد محاولة للبقاء.



