في عصرنا الرقميّ المتسارع، ينشأ الأطفال وسط وفرة غير مسبوقة من المحتوى الإلكترونيّ، إذ أصبحت منصّات مثل يوتيوب وتيك توك جزءًا لا يتجزّأ من يومهم، لا باعتبارها مجرّد أدوات للترفيه، بل مصادر للتعلّم واكتشاف الذات والتفاعل الاجتماعيّ.
توفّر هذه المنصّات عالمًا زاخرًا بالإبداع والمعرفة، لكنّها في الوقت ذاته تحمل بين طيّاتها تحدّيات لا يُستهان بها. لذا، فإنّ فهم الأثر الإيجابيّ والسلبيّ للمحتوى الترفيهيّ الذي يتعرّض إليه الأطفال، لم يعد ترفًا، بل ضرورة مُلحّة لكلّ من الوالدين والمعلّمين ومقدّمي الرعاية، الساعين إلى ترسيخ عادات رقميّة صحّيّة لدى الأجيال الناشئة.
لماذا ينجذب الأطفال بشدّة إلى يوتيوب وتيك توك؟
قبل أن نُناقش الآثار، من المهمّ أن نتفهّم سحر هذه المنصّات من منظور الطفل. فالمحتوى القصير، المصوَّر بإتقان بصريّ، والمشحون بالإثارة، صُمّم خصّيصًا لجذب الانتباه بسرعة مذهلة. أمّا التنوّع فيكاد لا يُحصى: من الرسوم المتحرّكة، والحِرف اليدويّة، وتحدّيات الرقص، إلى مراجعات الألعاب، والتجارب العلميّة، وسرد القصص.
يمتلك الأطفال فضولًا فطريًّا وتوقًا للاستكشاف، وهذه المنصّات تلبّي ذلك الفضول لحظة بلحظة، وغالبًا بأساليب يتعذّر على الإعلام التقليديّ مجاراتها.
لكن كما هي الحال مع كلّ قوّة كبيرة، فإنّ هذا العالم الرقميّ يتطلّب وعيًا ومسؤوليّة، لا سيّما حين يكون المتلقّي عقلًا طريًّا لا يزال في طور التشكّل.
فوائد المحتوى الترفيهيّ للأطفال
على رغم ما يُثار من قلق حول المحتوى الرقميّ، إلّا أنّ منصّات مثل يوتيوب وتيك توك لا تخلو من جوانب إيجابيّة، خصوصًا عندما يُنتقى المحتوى بعناية ويُستخدم بوعي. في الآتي أبرز الفوائد التي يمكن أن يجنيها الأطفال من هذا النوع من الترفيه:
1. 1. فرص تعليميّة ممتعة وفعّالة
يقدّم العديد من صنّاع المحتوى على المنصّات الرقميّة محتوىً تعليميًّا مخصّصًا للأطفال، يُبسّط المفاهيم المعقّدة، ويحوّلها إلى تجارب مرئيّة ممتعة. قنوات مثل قناة أسرتنا وSciShow Kids، إلى جانب عدد من الحسابات على منصّة تيك توك، تتناول موضوعات متنوّعة، تشمل العلوم والرياضيّات والتاريخ والفنون وأخلاقيّات التعامل في الحياة بأسلوب بسيط، ويدمج بعضها المعلومات بالأناشيد لتسهيلها على الطفل. هذا الأسلوب لا يُعزّز الفهم المدرسيّ فحسب، بل يُثير فضول الأطفال الطبيعيّ، ويساعدهم في اكتشاف اهتماماتهم وشغفهم في سنّ مبكّرة.
2. 2. تحفيز الإبداع والخيال
يتمتّع الأطفال بقدرات إبداعيّة فطريّة، ومنصّات الفيديو القصير تُعد منجمًا زاخرًا بالأفكار والمحفّزات. من دروس الرسم والطهي، إلى الأغاني والعروض التمثيليّة، يمكن للأطفال تعلّم هوايات جديدة وتنمية مهاراتهم الفنّيّة. كما تمنحهم هذه المنصّات مساحة للتعبير عن أنفسهم؛ إذ يقوم العديد منهم بإنتاج مقاطعهم الخاصّة، ما يُنمّي لديهم مهارات السرد القصصيّ، والوعي البصريّ، وأساسيّات إنتاج المحتوى.
3. 3. تعزيز روح التفاهم والانفتاح
توفّر المنصّات الرقميّة مثل يوتيوب وتيك توك، فرصة فريدة لتوسيع مدارك الأطفال، باطّلاعهم على ثقافات متنوّعة، ووجهات نظر مختلفة، وأساليب حياة متعدّدة. عن طريق المحتوى القصصيّ والمحادثات والتجارب المرئيّة، يمكن لهذه المنصّات أن تغرس في الأطفال روح التعاطف والانفتاح والفضول الإيجابيّ تجاه الآخر.
وعوضًا عن ترسيخ الصور النمطيّة أو الانغلاق، فإنّ هذا النوع من المحتوى، حين يُستهلك بوعي، يُمكن أن يكون أداة قويّة لتعزيز التسامح، وتقدير التنوّع، وفهم العالم من زوايا جديدة. وهو ما يُسهم في تنشئة جيل أكثر وعيًا بالاختلاف، وأكثر قدرة على التفاعل مع مجتمع عالميّ متعدّد الثقافات.
4. تطوير مهارات اللغة والتواصل
عند تعرّض الأطفال إلى محتوى غنيّ بالسرد أو الحوار أو الفكاهة، فإنّهم يكتسبون بشكل غير مباشر مهارات لغويّة متقدّمة. كما إنّ متابعة مقاطع بلغة ثانية تُعزّز من قدراتهم على ثنائيّة اللغة. ومن جهة أخرى، فإنّ الأطفال الذين يُنشئون محتواهم بأنفسهم، غالبًا ما يُطوّرون مهارات في التواصل الكتابيّ والتخطيط والتنظيم الفكريّ، وهي مهارات تمتدّ فوائدها إلى ما هو أبعد من الشاشات.
أضرار المحتوى الترفيهيّ للأطفال
على رغم ما تحمله المنصّات الرقميّة من فرص تعليميّة وترفيهيّة، إلّا أنّ استخدامها من دون رقابة أو وعي قد يُفضي إلى آثار سلبيّة جديرة بالاهتمام، خصوصًا في سنوات الطفولة والتكوين. فيما يأتي أبرز التحدّيات المرتبطة باستهلاك الأطفال للمحتوى الترفيهيّ:
1.1. الإفراط في التعرّض إلى الشاشات والاعتماد المفرط عليها
من أكثر المخاطر توثيقًا، الاستغراق في وقت الشاشة. فالمحتوى سريع الإيقاع، المصمّم لجذب الانتباه خلال ثوانٍ، قد يُضعف من قدرة الطفل على التركيز طويل المدى، ويُسهم في اضطرابات النوم، وتراجع النشاط البدنيّ.
يواجه العديد من الأطفال صعوبة في تنظيم وقت المشاهدة بأنفسهم، لا سيّما مع خاصّيّة التشغيل التلقائيّ التي تُبقيهم عالقين في دوّامة من الفيديوهات المتتالية. كما إنّّ المحتوى الذي يُحفّز مراكز المكافأة في الدماغ، عن طريق المفاجآت أو الفكاهة أو الصور البصريّة الجذّابة، قد يؤدّي إلى سلوكيّات إدمانيّة، خصوصًا لدى الأطفال الأصغر سنًّا، والذين لم تكتمل لديهم بعد مهارات التحكّم في الدوافع والانفعالات.
2.2. المحتوى غير الملائم وانتشار المعلومات المضلّلة
على الرغم من تطوّر أدوات الرقابة الأبويّة والخوارزميّات المصمّمة لتصفية المحتوى، لا يزال الوصول إلى موادّ غير مناسبة واردًا. فالعنف والمواضيع الجنسيّة والمحتوى الموجّه للبالغين، بل وحتّى المعلومات المغلوطة، قد تتسرّب إلى تجربة الطفل الرقميّة، خصوصًا على منصّات مثل تيك توك، حيث تُنشر الاتّجاهات بسرعة، وغالبًا من دون مراجعة مسبقة.
بل إنّ بعض المحتويات التي تبدو بريئة، قد تتضمّن رسائل خفيّة أو تسويقًا غير مباشر، يستغلّ قابليّة الأطفال للتأثّر. وقد يؤدّي التعرّض إلى معلومات خطأ، خصوصًا في مجالات مثل الصحّة والعلوم والقضايا الاجتماعيّة، إلى تشكيل مفاهيم مغلوطة عن العالم، يصعب تصحيحها لاحقًا.
3. تأثير سلبيّ في الصحّة النفسيّة وتقدير الذات
الأطفال أكثر عرضة من البالغين لتأثيرات المقارنة الاجتماعيّة، وهو ما تُعزّزه منصّات مثل يوتيوب وتيك توك التي تُغرق المستخدمين بسيل من الحياة المثاليّة، والمظاهر المُبالغ فيها، والإنجازات المتفوّقة. هذا التعرّض المستمرّ إلى المحتوى المُنتقى بعناية، قد يُشعر الطفل بـالنقص والقلق وانخفاض احترام الذات.
كما إنّ السعي وراء الإعجابات والتعليقات، قد يُحوّل التفاعل الرقميّ إلى مصدر لتقييم الذات، ما يُسبّب دوّامة من التعلّق برضا الجمهور الافتراضيّ. يُضاف إلى ذلك خطر التنمّر الإلكترونيّ الذي قد يحدث حتّى في التعليقات على مقاطع تبدو بريئة، مسبّبًا أذى نفسيًّا لا يُستهان به.
4. التسويق المبطّن وتعزيز النزعة الاستهلاكيّة
يتقاطع المحتوى الترفيهيّ للأطفال بشكل متزايد مع الإعلانات التسويقيّة، إذ يُروّج المؤثّرون للمنتجات، من ألعاب وملابس وأدوات إلكترونيّة، بأساليب تُخفي الطابع التجاريّ تحت غطاء المتعة والترفيه.
غالبًا لا يمتلك الأطفال المهارات المعرفيّة الكافية لتمييز الرسائل الإعلانيّة المموّهة، ما يجعلهم عرضة لتبنّي قيم استهلاكيّة مبكّرة، والتأثّر بمفاهيم مادّيّة، تحصر السعادة في امتلاك "المنتج الجديد".
التوازن وتربية رقميّة بوعي لا بمنع
الهدف ليس استبعاد منصّات مثل يوتيوب وتيك توك من حياة الأطفال، فذلك غير عمليّ في عالم تحكمه الشاشات، وقد يؤدّي إلى نتائج عكسيّة. بل يكمن الحلّ في المشاركة الواعية، ووضع حدود ذكيّة، وبناء علاقة ناضجة مع التكنولوجيا.
نصائح عمليّة للآباء ومقدّمي الرعاية:
-
شارِك المحتوى مع طفلك قدر الإمكان. لا يُسهم ذلك فقط في مراقبة ما يشاهده، بل يُمهّد الطريق لحوارات هادفة حول القيم والمعلومات المضلّلة والسلوك الرقميّ.
-
حدّد وقت الشاشة بمرونة ووضوح، باستخدام أدوات الرقابة المدمجة في الأجهزة أو تطبيقات خارجيّة موثوقة، لضمان الاستخدام المعتدل والمناسب للعمر.
-
شجّع على الإبداع لا الاستهلاك فقط. امنح طفلك فرصة إنتاج محتوى خاصّ بالعائلة أو للمشاركة الهادفة، ما يُساعده في تنمية مهارات التعبير والتفكير النقديّ والإبداعيّ.
-
افتح حوارًا صريحًا عن الهويّة وتقدير الذات، وتأثير المقارنات على الإنترنت، وأهمّيّة إدراك أنّ ما يُعرض على المنصّات غالبًا ما يكون صورة منتقاة لا تمثّل الواقع بالكامل.
-
استخدم النسخ المصمّمة للأطفال من المنصّات (مثل YouTube Kids)، وكن نشطًا في تنظيم قوائم المشاهدة والاشتراكات، لضمان بيئة رقميّة آمنة وملائمة.
***
لا شكّ أنّ منصّات مثل يوتيوب وتيك توك أصبحت محوريّة في تشكيل التجارب الرقميّة للأطفال، بما تحمله من فرص تعليميّة وإبداعيّة واجتماعيّة. لكن كما هو الحال مع أيّ أداة قويّة، فإنّ النتائج تعتمد على طريقة الاستخدام.
إذا تُرك الطفل يتفاعل مع هذه المنصّات من دون توجيه، فقد يُعرّض نفسه إلى مخاطر تشتّت الانتباه، والضغط النفسيّ، والتأثّر بمحتوى غير ملائم. أمّا إذا وُجّه بشكل واعٍ ليصبح مستخدمًا ناقدًا لا مستهلكًا سلبيًّا، فسيكون قادرًا على استكشاف هذا العالم الرقميّ بثقة وفضول ومسؤوليّة.
السرّ ليس في المنع، بل في التعليم والمرافقة، وتمكين الطفل ليُبحر في عالم التكنولوجيا قائدًا واعيًا، لا متلقّيًا مغمض العينين.
https://www.kulalusra.ae/better-life/family/2022/06/28/4536737
https://www.bakercenter.org/screentime-1


